أبواب بلا نوافذ وسبورات غائبة.. مدارس ريف إدلب الجنوبي تستقبل طلابها بعد سنوات التهجير
2 أكتوبر 2025
يشهد ريف إدلب الجنوبي لحظة فارقة مع عودة بعض المدارس إلى العمل بعد سنوات طويلة من التهجير والدمار. فالمشهد الذي يعيشه الأطفال والأهالي اليوم يتجاوز كونه مجرد فتح أبوابٍ مهدّمة أو فصولٍ بلا مقاعد، ليصبح رمزًا لإصرار المجتمعات المحلية على إعادة الحياة رغم الفقدان والتحديات. وبين جهودٍ محلية متعثّرة، وانتظار دعمٍ دولي طال غيابه، يظل التعليم بارقة أمل وأداة مقاومة تمنح الأطفال مستقبلًا أفضل وسط واقع مأساوي.
لحظة لا تنسى
"كانت لحظة لا تُنسى"، بهذه الكلمات وصف الطفل ياسر شعوره لموقع "الترا سوريا" عندما عاد إلى مدرسته المدمّرة في معرة النعمان بعد ست سنوات من التهجير والغياب، شعورٌ اختلط بين الفرح والحزن، كما لو أنه يرى الحياة لأول مرة. يقول: "كأنها اللحظة الأولى في حياتي".
أما مدير مدرسة كفروما، محمد الدرويش، فيصف المشهد قائلًا: "شعور لا يوصف، كأن الطفل الذي يرى والديه بعد غياب طويل، ها هي المدرسة التي كانت ملاذًا لنا جميعًا، مفتوحة من كل الاتجاهات، بلا نوافذ ولا أبواب، بلا مقاعد أو سبورة، ومع ذلك عاد الأطفال إلى هنا بكل شغف وحب".
كانت عودة الأطفال إلى مدرستهم، رغم الخراب الذي يحيط بهم، بمثابة بداية جديدة، وكأنها لحظة احتضان من والدتهم بعد طول غياب، رغم أن المكان بالكاد يصلح للاحتواء، فأبوابها مسروقة، نوافذها مفقودة، جدرانها مشققة، لكن الحب والشغف هما من أعاد الحياة إليها.
إعادة ترميم التعليم بين التحديات والمخاوف
في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها ريف إدلب الجنوبي، تواصل الجهود المحلية بقيادة الحكومة السورية للحد من تأثير التدمير على قطاع التعليم، ورغم التحديات العديدة التي تواجههم، يسعى المجتمع المحلي إلى إعادة بناء ما دُمّر واستعادة الحياة الطبيعية للأطفال، ولكن هذه الجهود ما زالت تراوح في مكانها بسبب غياب الدعم الدولي الفعّال.
عضو المجلس المحلي في بلدة كفروما بريف إدلب الجنوبي، محمد الحصرم، يوضح لـ"الترا سوريا" أن الجهود المبذولة على الأرض كانت بناءً على إحصائيات دقيقة تم إعدادها لتحديد الاحتياجات التعليمية. وأضاف: "قمنا بمخاطبة العديد من المنظمات الإنسانية، لكن حتى الآن لم تُلقَ استجابة فعلية"، موضحًا أن بلدة كفروما لا تزال تنتظر المساعدة اللازمة للانتقال من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة الترميم والتعليم.
ونوه إلى الحملة التي أطلقها المجلس المحلي للبلدة، قائلًا: "أطلقنا حملة الوفاء لكفروما بهدف ترميم المدارس المتضررة، وبدأنا بالفعل في ترميم خمس مدارس بواسطة الجهود المحلية، ولكن العملية التعليمية لم تبدأ بعد، لعدم جاهزية أي مدرسة لاستقبال الأطفال".
وتظل المعضلة ، بحسب الحصرم، هي التأخير في وصول الدعم من المنظمات الدولية، يقول موضحًا: "نحن نطالب المنظمات بالإسراع في تقديم الدعم، فقد مرَّ أكثر من أربعة أشهر على التقييمات، ورغم ذلك لم يتم تنفيذ أي من الوعود التي تلقيناها".
هذه التصريحات تعكس الإحباط الذي يشعر به المجتمع المحلي من بطء الاستجابة في الوقت الذي تتزايد فيه احتياجات الأطفال إلى بيئة تعليمية مستقرة وآمنة، ورغم قلة الإمكانيات، يواصل أهالي كفروما تحدي الواقع لإعطاء الأمل للأطفال الذين عانوا لسنوات طويلة من النزوح والتشرد.
المدارس الخاصة.. خيار الأهالي في ظل غياب الدعم الحكومي
في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها المنطقة، حيث غاب العديد من أشكال الدعم الدولي، بدأت المدارس الخاصة تلعب دورًا محوريًا في تقديم التعليم للأطفال. هذه المدارس، رغم التحديات المالية، استطاعت أن تبني بيئة تعليمية تحاكي تلك التي اعتاد عليها الأهالي في الخارج، مما جعلها الخيار الأول للكثير منهم.
كانت عودة الأطفال إلى مدرستهم، رغم الخراب الذي يحيط بهم، بمثابة بداية جديدة، وكأنها لحظة احتضان من والدتهم بعد طول غياب، رغم أن المكان بالكاد يصلح للاحتواء
يؤكد مدير مدرسة "جيل المستقبل" الخاصة، عبد الباسط حبلص، لـ"الترا سوريا" أن التعليم هو الأساس لبناء سوريا الجديدة. يقول: "نحن نؤمن أن التعليم هو لبنة بناء سوريا الجديدة"، مضيفًا "نقدم تعليمًا تربويًا نموذجيًا بمناهج حديثة مثل مكارم، ومواد إضافية مثل الروبوتيك والحساب الذهني".
هذه المبادرة تُظهر كيف يمكن للتعليم أن يكون أداة مقاومة ووسيلة لتحسين واقع الأطفال، حيث يتلقون تعليمًا متطورًا يواكب أحدث أساليب التدريس في العالم. ولعل ما يميز هذه المدارس هو البيئة التربوية المتكاملة التي توفرها، حيث يتم الاهتمام بتطوير مهارات الطلاب ليس فقط على الصعيد الأكاديمي، بل أيضًا في مجالات مثل التفكير النقدي والإبداع.
الأمر الذي يلفت الانتباه هو الزيادة المستمرة في الإقبال على هذه المدارس الخاصة، وهو ما يبرره حبلص بقوله: "الإقبال كبير، واضطررنا لإيقاف التسجيل في الأسبوع الأول بسبب الاكتظاظ، فالأهالي يبحثون عن مدارس شبيهة بتلك التي اعتادوا عليها في الخارج".
هذا الإقبال يعكس رغبة الأهالي في توفير أفضل فرصة تعليمية لأطفالهم، حتى في ظل غياب الدعم الحكومي والموارد الكافية، المدارس الخاصة أصبحت بمثابة ملاذ للآباء الذين يسعون لتوفير بيئة تعليمية آمنة ومتطورة لأبنائهم في ظل الأزمات المستمرة. فالتعليم هنا ليس مجرد حاجة أكاديمية، بل هو أداة تربية وتأهيل لمستقبل واعد، وصوت أمل في زمن التحديات.
التحديات والاحتياجات العاجلة
لا تزال المدارس في ريف إدلب الجنوبي تواجه تحديات ضخمة تمنعها من أن تكون بيئة تعليمية حقيقية، العديد من المدارس تحتاج بشكل عاجل إلى مقاعد وطاولات للطلاب، وسبورات لتمكين المعلمين من شرح الدروس. كما أن الأبواب والنوافذ المفقودة تُعتبر من أبرز المشكلات التي تجعل المدارس عرضة للأضرار أكثر من أي وقت مضى، في حين أن أسوار الحماية غير موجودة لتحفظ الطلاب من أي تهديدات قد تواجههم.
الكتب والوسائل التعليمية، مثل المصورات والمجسمات والوسائل المخبرية التي تسهم في إثراء الدروس، تعتبر أيضًا من الأولويات التي يحتاجها المعلمون لتقديم تعليم فعّال. أما بالنسبة للمرافق الأساسية مثل غرف الحاسوب والمخابر، فإنها تظل حلمًا بعيدًا عن متناول الأطفال في ظل هذا الواقع المأساوي، كما أن الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والتدفئة ودورات المياه، لا تزال غائبة في الكثير من المدارس.
يوضح الحصرم لـ"الترا سوريا" هذه المعاناة قائلًا: "المدارس غير مؤهلة بعد، وطلابنا ينتظرون بفارغ الصبر بدء التعليم"، مؤكدًا أن "إنقاذ جيل كامل يتطلب تدخلًا عاجلًا من الجهات الإنسانية والداعمين".
وفي النهاية، رغم كل ما مرّ به ريف إدلب الجنوبي من دمار وتهجير، إلا أن المجتمعات المحلية تصرّ على النهوض مجددًا، متسلحةً بالإرادة والأمل. فالتعليم بات في قلب هذا المشروع الطموح، حيث يضع الأهالي والأطفال كل آمالهم في أن تعود مدارسهم مكانًا للعلم والنمو. صحيح أن المدارس تفتقر للكثير من الأساسيات، من أبواب ونوافذ، إلى سقوف وسبورات، لكن الأمل لا يزال ينبض في عيون الأطفال العائدين، وهم يعبرون تلك الأبواب المدمّرة نحو مستقبل أفضل.
الكلمات المفتاحية
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026
إحصاء مخيمات إدلب.. خطوة أولى نحو العودة الطوعية أم مجرد تنظيم للبيانات؟
بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب تنفيذ حملة شاملة لإحصاء العائلات المقيمة في المخيمات بهدف تحديث البيانات وتنظيم خطط عودة قريبة وآمنة
بين قدم أسطول الشحن السوري وارتفاع التكاليف.. جدل حول قرار منع الشاحنات الأجنبية
بين قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك وأسطول الشحن السوري القديم تتصاعد أزمة المناقلة على الحدود، مع مطالب بإلغاء القرار وتحديث الشاحنات، وسط تحذيرات من ارتفاع الأسعار
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026