أزمة جفاف غير مسبوقة تجتاح الساحل.. تراجع الأمطار يُهدّد الزراعة والسياحة الداخلية ومياه الشرب
21 أكتوبر 2025
بحلول فصل الشتاء الماضي، كانت توقعات المزارعين في منطقة الساحل تستبشر خيرًا بموسم أمطار واعد، إلا أن الواقع جاء مغايرًا تمامًا. فقد اجتاح جفاف غير مسبوق المنطقة هذا العام، مخلفًا تهديدًا مباشرًا للمحاصيل الزراعية ولغذاء السكان المحليين، في وقت ما زالت البلاد تحاول التعافي من آثار أكثر من 14 عامًا من الصراع.
الجفاف يضرب القمح والزيتون
يتسم الساحل السوري عادة بغنى مصادر المياه، خصوصًا المياه الجوفية والينابيع التي تنتشر بكثرة، ولم تشهد المنطقة أي حالة نقص حادٍ في المياه إلا في السنوات الماضية، لكن هذا العام شكل استثناءً غير مسبوق، ما انعكس سلبًا على الإنتاج الزراعي.
يقول أحمد (45 عامًا)، وهو مزارع من ريف طرطوس، لموقع "الترا سوريا": "أكثر المحاصيل تضررًا من الجفاف هي الزراعات البعلية مثل القمح والشعير، لأنها تعتمد فقط على مياه الأمطار، لم ينتج المحظوظ منا سوى نصف المحصول المتوقع، بينما هناك من لم يحصد شيئًا إطلاقًا". وأضاف أن "بعض الأراضي المزروعة بالقمح لم يتجاوز طول نباتاتها شبرًا واحدًا، بسبب النقص الحاد في الأمطار هذا الموسم".
أما موسم الزيتون فقد تأثر بشكل كبير أيضًا، إذ تعتمد إنتاجيته على معدل الهطول السنوي. وفي هذا الصدد، يقول حازم، وهو فلاح من ريف اللاذقية، لـ"الترا سوريا": "يمكن تخمين موسم الزيتون من خلال معدل هطول الأمطار، وموسم هذا العام سيء نتيجة انخفاض المعدلات. وأضاف "عادة ما تبدأ عملية قطف الزيتون بعد عدة هطولات مطرية في شهر أيلول/سبتمبر، لتصبح الأشجار نظيفة من الغبار، لكن انتهى الشهر، ولم تهطل الأمطار بعد".
وأشار مزارعون في حديثهم لـ"الترا سوريا" إلى أن قلة الأمطار لم تؤثر فقط على كمية محصول الزيتون، بل أيضًا على جودته. إذ يؤدي نقص الماء إلى صغر حجم الثمار وضعف تركيز الزيت فيها، ما ينعكس سلبًا على أسعار السوق وقدرة الفلاحين على تحقيق أرباح كافية.
تقول ليلى، وهي من ريف اللاذقية، لـ"الترا سوريا": "عادة ننتظر موسم الزيتون بفارغ الصبر، لكن هذا العام الواقع صعب، الأشجار ضعيفة والزيت سيكون أقل جودة. نحن قلقون من أثر ذلك على دخل العائلة".
السياحة الداخلية على المحك
تعتبر المقاصف المنتشرة على ضفاف الأنهار والينابيع في مناطق الساحل وريف حماة وحمص جزءًا أساسيًا من النشاط السياحي المحلي، حيث تجذب سنويًا مئات العائلات للتمتع بالمناظر الطبيعية والاستجمام. هذا العام وبسبب الجفاف وانخفاض مستوى المياه بشكل كبير، تأثرت هذه المقاصف بشكل واضح، إذ أغلقت عددًا منها أبوابها بالكامل، فيما شهدت المقاصف المتبقية تراجعًا كبيرًا في عدد الزوار.
يوضح سومر (50 عامًا)، وهو صاحب مقصف في ريف حماة، لـ"الترا سوريا" أنه "في المواسم السابقة كان الزوار يأتون يوميًا، خاصة خلال عطلات نهاية الأسبوع". وأضاف: "أما هذا الصيف فالمقصف شبه خالٍ، والدخل انخفض إلى مستويات غير مسبوقة". وأشار إلى أن الجفاف لم يؤثر فقط على المقاصف، بل أيضًا على النشاط التجاري المتفرع عن وجود الزوار، مثل بيع الوجبات والمشروبات وتأجير معدات الترفيه الصغيرة، مؤكدًا أن جميع ما سبق تأثر بشكل مباشر.
من جهته، يقول محمد (49 عامًا)، وهو أيضًا صاحب مقصف في ريف حمص، لـ"الترا سوريا" إن "المياه المتدفقة بقوة هي عامل جذب رئيسي، بدونها يفتقر المكان لأي جاذبية والناس لا يأتون. هذا أثر على كل أعمالنا اليومية وأجبرنا على تقليص ساعات العمل".
ولم تقتصر الأزمة على فقدان الزوار فقط، بل امتدت لتشمل المورّدين وأصحاب المحلات الصغيرة المجاورة، الذين كانوا يعتمدون على النشاط الصيفي للمقاصف، بعضهم اضطر لخفض الأجور للعاملين أو تسريحهم، ما انعكس سلبًا على فرص العمل في المنطقة.
ويحذّر العديد من المستثمرين في المقاصف من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى تراجع دائم للنشاط السياحي المرتبط بالأنهار، ويزيد الضغط الاقتصادي على الأسر التي تعتمد على هذا القطاع كمصدر دخل أساسي، خصوصًا في المناطق الساحلية حيث لا تتوفر بدائل اقتصادية كثيرة.
صيف بلا استحمام
ووفق عدة شهادات من مناطق مختلفة في الساحل السوري لـ"الترا سوريا"، تبيّن وجود أزمة كارثية في وصول المياه للمنازل، فالبعض أخبر أن المياه تأتي كل ستة أيام، والبعض الآخر قال كل عشرة أيام، فيما أشار البعض إلى أنها تتجاوز 15 يومًا.
تقول أم حسين (40 عامًا)، وهي من سكان ريف طرطوس، لـ"الترا سوريا": "واقع المياه في قريتنا والقرى المجاورة كارثي، تأتي في أحسن الأحوال مرة أسبوعيًا، وقد تصل إلى 15 يومًا". وأضافت: "سئمنا من الوعود، فأحيانًا يقال إن السبب عطل في المضخة، وأحيانًا أخرى نقص في عدد المضخات، وفي بعض الأحيان يقال بسبب الجفاف، لكن النتيجة واحدة، لا ماء في المنزل".
أما عن المزروعات بجوار المنزل، فتؤكد أم ثائر (58 عامًا)، وهي من ريف جبلة، لـ"الترا سوريا" أنها لم تزرع في حاكورة منزلها منذ أكثر من عام ونصف. كما تقول أم يوسف (45 عامًا)، من ريف اللاذقية، إن "المياه في المنزل للشرب وغسيل الصحون فقط، أما الشطف فقد أصبح في المناسبات"، مشيرة إلى اضطرارها في أحد المرات إلى أخذ أولادها الصغار لمنزل شقيقتها من أجل الاستحمام، واصفةً الوضع بـ"الكارثي".
وفي هذا السياق يوضح سليمان (39 عامًا)، وهو طبيب جلدية من ريف جبلة، أن حالات التهابات الجلد البكتيرية والفطرية، إضافة إلى القمل والجرب ازدادت بشكل ملحوظ هذا العام بين الأطفال، معتبرًا ضعف النظافة الشخصية الناجم عن نقص المياه وقلة الاستحمام هو سبب أساسي في ذلك.
وتتوافق ملاحظة الطبيب سليمان مع نتائج دراسة أُجريت في مدرسة "الأشرم" بولاية ماهاراشترا الهندية، حيث كشفت أن 19% من الطلاب أصيبوا بالتهابات جلدية، كان أكثرها شيوعًا حب الشباب (24.6%) والجرب (22.8%). كما تبيّن أن 31.3% منهم لا يلتزمون بممارسات النظافة الشخصية المنتظمة، وهو ما ارتبط بشكل واضح بانتشار هذه الأمراض الجلدية.
وخلصت الدراسة إلى أن ضعف ممارسات النظافة يُعد عاملًا رئيسيًا في تفشي الأمراض الجلدية بين طلاب المدارس، وأوصت بضرورة تنظيم أنشطة تثقيفية وصحية مستمرة لتعزيز الوعي بأهمية النظافة الشخصية، سواء لدى الطلاب أو الكادر التعليمي.
ولادة تجارة من رحم الأزمة
في ظل الانقطاع المتكرر للمياه عن منازل منطقة الساحل، برزت تجارة بيع المياه عبر الصهاريج كمصدر دخل أساسي لعدد من السكان، وباتت تجارة رائجة هذا العام أكثر من أي وقت مضى. إذ وصل سعر الصهريج الواحد، الذي يتسع لـ20 برميلًا إلى نحو 150 ألف ليرة، ليشكل عبئًا إضافيًا على الأسر.
تقول أم سالم، وهي ربة منزل من ريف طرطوس: "بدأت تجارة الصهاريج بالانتشار منذ نحو خمس سنوات، لكنها اليوم أصبحت شائعة بشكل كبير. في المتوسط أحتاج إلى صهريجين في الشهر، وأحيانًا صهريج كل أسبوع، وهو ما يثقل كاهلنا ماديًا، لكنه خيار لا يمكن الاستغناء عنه".
أما أبو ياسر (69 عامًا)، فيوضح لـ"الترا سوريا" أن نقص المياه أجبره على تغيير أنماط حياته اليومية. وأضاف: "أصبحت أطبخ على الحطب لتوفير ثمن جرة الغاز كي أتمكن من شراء صهريج ماء. يمكن للإنسان أن يتأقلم مع انقطاع الكهرباء أو نقص الغاز، لكنه لا يستطيع أن يعيش بلا ماء".
وعلى الرغم من الأعباء المادية المترتبة، ينفي أبو ياسر أن تجارة الصهاريج استغلالية، مؤكدًا أن بعض أصحابها يبيعون المياه بسعر قريب من تكلفة المحروقات، ويظهرون تعاطفًا مع المواطنين في ظل الأزمة.
إحصاءات تكشف حجم الكارثة
ونشرت جهات أممية عدة تقارير تبيّن حجم الكارثة، إذ أشارت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن الهطول المطري في سوريا خلال موسم 2024/2025 كان أقل بـ 54% من المعدل الطبيعي، ما أدّى إلى فشل واسع في المحاصيل وانهيار أنظمة الرعي، ودفع مئات آلاف الأسر إلى حافة العجز عن تأمين غذائها. وفي تقرير آخر قدّرت "الفاو" أن ما يقارب 25 ألف كم مربع من الأراضي الزراعية قد تضررت بشدة بسبب الجفاف، وأن أقل من 40% من الأراضي المخطط زراعتها استُغلت فعليًا.
أما على صعيد الكوارث المرافقة للجفاف، فقد ذكرت تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) والهلال الأحمر العربي السوري أن الحرائق التي غذّاها الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة اجتاحت مساحات واسعة في الساحل، خصوصًا في اللاذقية، ملحقة أضرارًا بآلاف الهكتارات من الغابات والبساتين، ودافعة آلاف الأسر إلى النزوح المؤقت. وأعلن المنسق الأممي المقيم تخصيص 625 ألف دولار من الصندوق الإنساني السوري لدعم المتضررين بشكل عاجل.
كما لفت تقرير لـ"يونيسف" في نيسان/أبريل الماضي إلى أن أزمة المياه تفاقمت مع خروج محطة "السن" عن الخدمة، ما حرم نحو 1.5 مليون شخص في طرطوس واللاذقية من مصدر رئيسي لمياه الشرب، نصفهم من الأطفال. وفي الجانب الغذائي، نقلت وكالة "رويترز" عن جهات أوروبية أن إنتاج القمح السوري تراجع بنحو 40% هذا العام، في أسوأ موجة جفاف منذ 36 عامًا، الأمر الذي يهدد البلاد بأزمة غذائية تتسع مع عجز الحكومة عن تأمين بدائل كافية عبر الاستيراد.
ختامًا، تكشف شهادات الفلاحين والسكان في منطقة الساحل، بالإضافة إلى البيانات الأممية والمحلية أن الجفاف وانخفاض إنتاج المحاصيل يشكلان ضغطًا متزايدًا على الأمن المعيشي والغذائي والمائي. وفي ظل هذه الأزمة، يتضح أن القدرة على التخفيف من آثارها مرتبطة مباشرة بكفاءة الجهات الحكومية في إدارة الموارد وتنفيذ خطط الطوارئ. فسرعة اتخاذ الإجراءات وتخصيص الدعم الفعّال ستحددان ما إذا كانت المجتمعات الريفية ستنجو من التحديات الحالية أو تواجه أزمات أكبر في المستقبل.
الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث
الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية
تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


