أطفال سوريا المسروقون.. دور أيتام تحولت إلى سجون لمئات القاصرين
12 سبتمبر 2025
كشف تحقيق استقصائي من إعداد موقع "Lighthouse Reports"، بالتعاون مع مجموعة وسائل إعلام محلية وغربية، أن نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد استخدم الأطفال كورقة ابتزاز سياسي، حيث انتزعت أجهزته الأمنية مئات القاصرين من عائلات المعارضين وأخفتهم في دور أيتام تديرها جهات محلية ودولية، أبرزها منظمة "قرى الأطفال SOS"، حيثُ استند التحقيق إلى آلاف الوثائق المسربة وأكثر من 100 مقابلة مع عائلات وموظفين ومبلغين عن المخالفات.
يشير الموقع في مقدمة التحقيق إلى أنه في ظل الحكم الاستبدادي للأسد، عندما كان المعارضون والمنشقون يُسجنون، كان يُؤخذ أطفالهم أيضًا، وسرعان ما كانوا يختفون. وأضاف أن على مدى عقد من الزمان، انتزعت أجهزة الأمن السورية مئات الأطفال من آبائهم وأخفتهم في شبكة من دور الأيتام لإجبار عائلاتهم على التعاون مع النظام.
ووفقًا للتحقيق، كانت بعض دور الأيتام تُديرها منظمة "قرى الأطفال SOS"، وهي منظمة خيرية أوروبية كبرى، كان المسؤولون عنها على علم بالأمر لسنوات، ومع ذلك فإنهم التزموا الصمت إزاء ذلك. على مدار تسعة أشهر، قام مراسلون سوريون ودوليون من ستة منافذ إعلامية ببناء قاعدة بيانات للأطفال الذين أخفاهم نظام الأسد كجزء من تحقيق "أطفال سوريا المسروقون".
وأشار "Lighthouse Reports" إلى أنه بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، راجع الصحفيون آلاف الوثائق المسربة والمجمعة، التي تحمل أسماء أكثر من 300 طفل احتجزتهم المخابرات السورية في دور الأيتام، بعضهم لسنوات.
وقد أظهر تحليل هذه السجلات أن العديد منهم كانوا لا يزالون صغارًا عند انتزاعهم من عائلاتهم، وأن العديد منهم كانوا حديثي الولادة، كما كشفت الملفات عن تنسيق منهجي بين أجهزة الاستخبارات والوزارات الحكومية ودور الأيتام السورية والدولية.
وأضاف "Lighthouse Reports" أن الصحفيين وجدوا أدلة على سجلات مفقودة وربما مزورة، تشير إلى أن العدد الفعلي للأطفال الذين اختفوا في دور الأيتام أعلى بكثير على الأرجح، لافتًا إلى بعض الأطفال سجلوا زورًا كأيتام مهجورين؛ بينما أُطلقت أسماء جديدة على آخرين، في الوقت الذي لا تزال العائلات تبحث عن ما لا يقل عن 3700 طفل فُقدوا في عهد الأسد.
دور الأيتام تُستخدم كسجون.. والأطفال بيادق
بحسب "Lighthouse Reports"، كشفت أكثر من 100 مقابلة مع عائلات ومبلغين عن المخالفات ومسؤولين عن تفاصيل جديدة مقلقة تُقوّض تبرير دور الأيتام بأنها كانت ببساطة تحمي الأطفال الذين سُجن آباؤهم، حيثُ حُرم معظم الآباء من معلومات حول مكان اصطحاب أطفالهم. وعندما عثر عليهم الأجداد والأعمام، غالبًا ما رفضت دور الأيتام إعادتهم، وأحيانًا أنكرت وجودهم أصلًا.
ولفت التحقيق إلى أنه أثناء إقامتهم في دور الأيتام، ظلّ الأطفال تحت الرقابة المشددة من قبل الأجهزة الأمنية، كما أظهرت ملفات استخباراتية مُسرّبة أن كبار مسؤولي الأمن أمروا دور الأيتام بالحفاظ على سرية وجود الأطفال، ورفض حضانة أقاربهم، وطلب الإذن قبل اتخاذ أي قرارات بشأنهم، مثل إمكانية التحاقهم بالمدرسة، فضلًا عن طلبهم من الموظفين عدم التحدث معهم عن عائلاتهم، وإبعادهم عن المواد الدعائية والأنشطة العامة.
ووفقًا لسجلات المخابرات التي اطلع عليها الصحفيون، كان الأطفال محتجزين صراحةً في دور الأيتام للضغط على آبائهم للتعاون مع النظام، حيثُ لم يجر لم شمل العديد من الأطفال مع عائلاتهم إلا في إطار تبادل أسرى مع جماعات معارضة مسلحة. رُحّل بعضهم، وهم أطفال مقاتلين أجانب مُشتبه بهم، إلى روسيا والعراق.
تواطؤ مؤسسة خيرية دولية كبرى
يشير "Lighthouse Reports" إلى أنه "أُرسل أكبر عدد من الأطفال في قاعدة بياناتنا إلى دور أيتام تديرها منظمة قرى الأطفال SOS"، وهي منظمة خيرية مقرها النمسا، تعمل في أكثر من 130 دولة وتجمع حوالي 1.6 مليار يورو سنويًا، بما في ذلك من الأمم المتحدة والحكومات الأوروبية والتبرعات الشخصية.
وأضاف أن كبار المسؤولين في المنظمة تكتموا على هذا الأمر حتى سقوط نظام الأسد، بعد سبع سنوات من إبلاغ المبلغين عن المخالفات الموظفين الدوليين لأول مرة. خلال هذه الفترة، لم تعتذر المنظمة الدولية أو تقدم تعويضات أو تقدم دعمًا للعائلات. يقول أحد كبار الموظفين إن: "كبار المسؤولين التنفيذيين لم يرغبوا في معرفة التفاصيل وتهربوا من اتخاذ إجراءات ملموسة"، وفيما أُعيد معظم الأطفال إلى عهدة الحكومة، فإنه حتى اليوم، تؤكد المنظمة أنها لا تعرف مصيرهم.
تقول الجمعية الخيرية، التي ترأست فرعها في سوريا ابنة أحد مساعدي الأسد المقربين، إنها توقفت عن قبول أطفال المعتقلين في عام 2018. لكن السجلات الرسمية تشير إلى أن أجهزة المخابرات استمرت في إحالة العديد من الأطفال إلى "قرى الأطفال" حتى عام 2022، لكن المنظمة تنفي تلقي الطلبات أو الأطفال.
وبحسب "Lighthouse Reports"، تُمول "قرى الأطفال" في سوريا من تبرعات أوروبية بالإضافة إلى المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وقد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على بشار الأسد في عام 2011، وزوجته أسماء الأسد في عام 2012. لكن العديد من المبلغين عن المخالفات قالوا إن معظم المناصب العليا في المنظمة في سوريا تم تعيينها مباشرة من قبل الأسد، وأن أسماء الأسد لعبت دورًا قياديًا في المنظمة. وقالت الجهة الدولية للمنظمة إنها تحقق فيما حدث في سوريا.
العائلات تفتقر إلى الدعم أو مسار للمساءلة
وفقًا لشهادة أكثر من 100 عائلة وموظف في دار أيتام ومسؤول حكومي تحدثوا في التحقيق، فإن بعض الآباء يفتقرون إلى تفاصيل أساسية حول مكان احتجاز أطفالهم، كما لا يزال أطفالهم يعانون من صدمة الانفصال القسري خلال سنوات تكوينهم الأولى. ولا تزال العديد من العائلات تبحث عن أي دليل على أن أطفالهم ما زالوا على قيد الحياة، وأن هوياتهم وأماكن وجودهم قد فُقدت في أرشيفات دار الأيتام الفوضوية.
وقد كافحت الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا لتلبية احتياجات العائلات ومطالبها بالإجابات والمساءلة. وقد أُدمج تحقيق رسمي أُنشئ في كانون الثاني/يناير في لجنة جديدة في أيار/مايو 2025، مما أدى إلى سلسلة من الاعتقالات البارزة بحق المسؤولين في تموز/يوليو الماضي، لكن مواردها محدودة ولم تُعلن عن أي نتائج بعد.
تقول المحامية الرائدة في مجال حقوق الإنسان، كيمبرلي موتلي، إن: "النتائج الرئيسية للمشروع تشير إلى أن هؤلاء الأطفال قد يكونون ضحايا جرائم ضد الإنسانية، لا سيما في أشكال السجن أو الحرمان من الحرية، والاضطهاد، والاختفاء القسري".
المنهجية
يعيد التحقيق التذكير بأنه عندما انهارت الدولة الأمنية لنظام الأسد فجأة، تمكن الصحفيون والناشطون والعائلات من الوصول إلى مصادر ومواقع ووثائق لم تكن لتخطر على بال أحد في ظل النظام الدكتاتوري الذي استمر عقودًا. وبدأت بعض العائلات بالكشف عن سرّ احتفظت به لسنوات، وهو أن أطفالها أُجبروا على الذهاب إلى دور الأيتام.
وأشار "Lighthouse Reports" إلى أن التحقيق أجرى على مدار تسعة أشهر أكثر من 100 مقابلة مع عائلات، وموظفين حاليين وسابقين في دور الأيتام في سوريا، ومسؤولين حكوميين، ومبلغين عن المخالفات، ونشطاء، ومحامين، وشهود آخرين، بالإضافة إلى تحدثهم مع أكثر من 50 شخصًا من داخل المنظمة في مختلف أنحاء العالم، حيثُ عمل الفريق على التدقيق في تحقيقاتهم الداخلية، ووثائقهم المالية، وتصريحاتهم العامة.
وأضاف التحقيق أن فريق الصحفيين حصل على آلاف الوثائق الرسمية من وزارة الشؤون الاجتماعية السورية، والمخابرات الجوية، ودور الأيتام في سوريا، بما في ذلك المراسلات السرية، وقوائم المعتقلين، وملفات الإحالة، ودفاتر السجلات، وسجلات القضايا التفصيلية، مع الحرص على عدم حذف هذه الوثائق أو التلاعب بها بأي شكل من الأشكال، حفاظًا على الأدلة لآليات العدالة المستقبلية المحتملة.
وللتحقق من صحة الوثائق، راجع فريق الصحفيين بعناية بحثًا عن أي تناقضات، وقارن محتوياتها بالمعلومات المتاحة للعامة، بما في ذلك منشورات على منصات التواصل الاجتماعي، وتقارير إعلامية وحقوقية، ووثائق تفصيلية جمعها المجتمع المدني السوري على مر السنين. وفي بعض الحالات، اطلع الفريق على السجلات القانونية للتحقق من التهم الموجهة إلى الآباء. وكذلك عندما ظهر الأطفال أنفسهم في ملفات من مصادر متعددة، قام الفريق بمراجعة معلومات أساسية، مثل أرقام الملفات والأسماء وتواريخ الميلاد، من مصادر مختلفة.
ووفقًا لـ"Lighthouse Reports"، فإنه باستخدام هذه الوثائق، أنشأ الفريق قاعدة بيانات لأطفال موثقين من معتقلين أمنيين نُقلوا إلى دور أيتام، وتضمنت في النهاية أكثر من 320 اسمًا. وللتمييز بينهم وبين آلاف القاصرين الذين اعتقلتهم أجهزة الأمن السورية لنشاطهم السياسي أو جرائمهم الروتينية، تم تطبيق المعايير الدنيا التالية:
- كان عمر الطفل أقل من 18 عامًا وقت الاعتقال.
- كانت الجهة التي اعتقلته إحدى أربع أجهزة استخبارات، وليست الشرطة الجنائية.
- لم يُتهم الطفل شخصيًا بأي جريمة، ولكن اتُهم أحد أفراد أسرته المباشرين بارتكاب جريمة سياسية أو تتعلق بالأمن القومي.
- فُصل الطفل عن ولي أمره ونُقل إلى منظمة رعاية أطفال مدنية دون أي محاولة للعثور على أقارب أو مقدمي رعاية مناسبين آخرين.
وأوضح التحقيق أن معلومات الاتصال بالآباء والأقارب جُمعت من خلال المصادر المفتوحة وشبكات معارف معدي التحقيق، لافتًا إلى أنه بناءً على معلومات من خبراء الصدمات حول كيفية إجراء مقابلات مع العائلات التي تعاني من "فقدان غامض"، تحدث الفريق مع عائلات 54 طفلًا أودعت في دور الأيتام من قبل الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى عشرات العائلات التي ما زالت تبحث عن أطفالها المفقودين. وأضاف أن الفريق جمع المعلومات عن كل حالة من الحالات الـ320 من خلال المقابلات والوثائق، والتي استخدمت لتحليل الاتجاهات الرئيسية في كيفية وأسباب إخفاء النظام للأطفال في دور الأيتام.
الكلمات المفتاحية

إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية
أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية

لماذا رفضت رابطة الصحفيين السوريين "مدونة السلوك" الصادرة عن وزارة الإعلام؟
أصدرت رابطة الصحفيين السوريين، بيانا ترفض من خلاله، مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، مؤكدة بطلان الوصاية الحكومية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا
الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


