أطفال سوريا المفقودون: الوجه الآخر لانتهاكات الأسد ضد عائلات المعتقلين
5 يونيو 2025
تكشف قصص المعتقلين والمفقودين في سوريا عن جانب مظلم من سياسات القمع التي اتبعها نظام الأسد، حيثُ لم تقتصر الانتهاكات على الاعتقال والتعذيب، بل امتدت إلى فصل الأطفال عن ذويهم ونقلهم إلى دور أيتام تُتهم بالتستر على عمليات اتجار بالبشر وتبني غير قانوني، وسط غياب للمحاسبة وتأخر في التحقيقات، بحسب تقرير موسّع لمجلة "فورين بوليسي" الأميركية.
لم يكن لديها الوقت للانخراط في السياسة
في حديثه لـ"فورين بوليسي"، يصف حسان العباسي شقيقته رانيا العباسي بأنها امرأة ذكية وهادئة، فقد كانت طبيبة أسنان بارعة في دمشق، وقد أسست عيادة ناجحة مع زوجها عبد الرحمن ياسين بعد عودتهما من السعودية عام 2008.
كما أنها كانت تتمتع بتفكير استراتيجي وقدرة ملحوظة على توقع الأحداث قبل وقوعها، وهي المهارات التي جعلت منها لاعبة شطرنج بارعة، فحازت على بطولة سوريا في سن مبكرة. ومع ذلك، لم تتوقّع أن نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد سيأتي لاعتقالها وعائلتها عام 2013.
كان ذلك في السابع من آذار/مارس 2013، عندما اعتقل نظام الأسد زوجها، ثم عاد بعد يومين لاعتقال رانيا مع جميع أطفالها الستة: ديمة، انتصار، نجاح، علاء، أحمد، وليان، الذين تراوحت أعمارهم آنذاك بين عامين و14 عامًا.
وفقًا لشقيقها حسان، لم تكن رانيا ناشطة سياسيًا. يقول لـ"فورين بوليسي": "كانت رانيا تفهم النظام جيدًا"، وأضاف "كانت أمًا مشغولة وطبيبة، ولم يكن لديها الوقت للانخراط في السياسة، وكانت تعرف تمامًا أن ذلك قد يضر عائلتها". يرجّح شقيق رانيا، الذي يقيم حاليًا في كندا، أن اعتقال العائلة كان بسبب تقديم زوج شقيقته مساعدات مالية لعائلات نازحة، وهو الأمر الذي ربطه نظام الأسد بينه وبين الثورة.
وبحسب المجلة الأميركية، على مدى السنوات العشر الماضية، قاد حسان من خارج شبكة للبحث عن شقيقته، كانت تتكوّن من محامين وأفراد من العائلة يقيمون داخل سوريا، محاولًا جمع أي معلومات عن اختفاء شقيقته وأطفالها، حيثُ توصّل إلى أن عبد الرحمن قضى تحت التعذيب في سجن صيدنايا، أحد أشهر السجون السورية، وتم التأكد من مقتله بعد ظهور تسريبات قيصر عام 2015.
أما بالنسبة رانيا، فقد تمكّن من الحصول على وثيقة تعود لعام 2016 تُفيد بنقلها إلى سجن آخر، دون أي معلومات إضافية. ولم تظهر بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، حيثُ يعتقد حسن أنها ربما قد توفيت، لكنه لم يفقد الأمل في أن يكون أطفالها ما زالوا أحياء، رغم أنه لم يتمكن من العثور عليهم.
كانت تصاب بنوبات هلع وتبكي
تشير "فورين بوليسي" إلى أنه لم يكن أطفال رانيا وحدهم، إذ كانوا ضمن آلاف الأطفال من أبناء المعتقلين، بعضهم وُلد في السجون، ثم نُقلوا إلى دور الأيتام ضمن سياسة فصل كان يرعاها نظام الأسد، حيثُ أعرب كثيرون عن خشيتهم من أن تكون قد أدت إلى الاتجار بالبشر، وعرضهم للتبني بطرق غير قانونية.
تقول الخبيرة الدولية في حماية الأطفال، زينة إسماعيل علوش، لـ"فورين بوليسي": "دور الأيتام في سوريا لم تكن فقط مجرّد جمعيات خيرية، بل كانت دائمًا ذات أهداف سياسية"، متقدة أن العديد من الأطفال السوريين قد تم عرضهم للتبني دوليًا أو حتى تم الاتجار بهم لأغراض جنسية أو لبيع أعضائهم.
كانت العائلات، مثل حسان، يطرقون أبواب دور الأيتام بحثًا عن أطفالهم، ليُقابلوا بالرفض. وتعيد "فورين بوليسي" التذكير بإشارة حسان، في مقابلة أُجريت في شباط/فبراير الماضي، إلى أن بطء الحكومة المؤقتة في التحقيق قد يؤدي إلى فقدان أو تلف الأدلة، وربما أي أثر للأطفال المفقودين، مضيفًا أن "أي مكان احتجز الأطفال كان على تعاون مع النظام، ويجب أن يُقدّم إجابات للعائلات".
وفقًا لـ"فورين بوليسي"، سكينة سلامة الجباوي، وهي من قرية برقة قرب درعا، واحدة من السيدات التي عايشت سياسة الفصل التي انتهجها نظام الأسد. في صباح هادئ من خريف عام 2018، وبينما كانت تُحضّر الفطور في بيتها، حاصرت قوة مسلحة المنزل واعتقلتها مع زوجها وابنتها هبة، بتهمة الإرهاب، وهي تهمة لا أساس لها سوى أنهم يحملون نفس اسم عائلة شقيق زوجها، الذي كان ضمن الجيش السوري الحر، وقد قُتل في غارة جوية عام 2017.
تقول الجباوي: "كان ذنبنا الوحيد هو أننا نحمل نفس الاسم"، مشيرةً إلى أنهم كانوا ضمن 35 شخصًا تم اعتقالهم من أربع عائلات تحمل الاسم ذاته. وداخل زنزانة مظلمة بلا نوافذ، مكتظة بالنساء والأطفال، احتضنت سكينة، التي كانت حامل حينها، ابنتها الصغيرة، وقد امتلأت الزنزانة ببكاء الأطفال، لكن الحرّاس أسكتوهم بالتهديد والعنف.
تصف الجباوي لـ"فورين بوليسي" تفاصيل سجنها المروّعة قائلة: "بمجرد دخولك السجن، لا يعودون يرونك كإنسان". وأشارت في حديثها إلى أن تعرضت للضرب والإهانة لأسبوعين خلال التحقيقات. وأضافت في أحد الأيام، دخل الحارس وصرخ: "جهزوا الأطفال!"، ما أثار ذعرًا في الزنزانة، وعندما قاومت إحدى الأمهات، أُخذت مع طفلها ولم تُرَ ثانية. وتم بالفعل فصل هبة عن والدتها، ونُقلت إلى دار أيتام.
تقول الجباوي إنها سمعت عن سوء المعاملة والاتجار بالأطفال وبيع أعضائهم، مشيرةً إلى أنه أُطلق سراحها بعد سبعة أشهر دون توجيه تهم لها، ومن ثم وضعت مولودها محمد.
تشير المجلة الأميركية إلى أن الجباوي سارعت مع شقيقها، طالب القانون حينها، للبحث عن هبة في دور الأيتام الكبرى، مثل "قرى الأطفال" (SOS)، بالإضافة إلى "لحن الحياة" و"دار الرحمة"، لكن جميعها أنكرت وجود الطفلة.
وبعد شهور، أخبرتها أم معتقلة أخرى نجحت في استعادة طفلها، بأن الحل هو تقديم طلب للفرع الأمني الذي اعتقلهم، حيث توجّهت الجباوي على الفور، وبعد التوسّل، اعترف أحد الضباط بالقضية. وبعد أيام، تلقوا تأكيدًا بأن هبة ما تزال على قيد الحياة وموجودة في دار أيتام، وتمت الموافقة على إعادة لمّ شملهما.
لكن الطفلة، التي كانت في الثالثة من العمر حينها، وقفت مترددة أمام والدتها، وكأنها لا تعرفها. تقول الجباوي: "كانت تصاب بنوبات هلع وتبكي كلما سألتها عن دار الأيتام"، كما وجدت ندوبًا على شفتيها وظهرها وساقيها.
وفقًا للمجلة الأميركية، وجدت الجباوي في ملابس ابنتها ورقة صغيرة كُتب عليها "دار الرحمة"، فعرفت حينها مكان احتجازها، وعندما واجهت دار الأيتام بالجروح، قالوا إن "قهوة قد انسكبت عليها"، لكن سكينة لم تصدّق ذلك.
وبحسب التقرير ذاته، نفت مديرة "دار الرحمة" في دمشق، براء الأيوبي، حينها حدوث أي سوء معاملة، وزعمت أن هبة كانت متأثرة نفسيًا من فترة السجن مع والدتها، وأن الندوب لم تكن في دار الأيتام. وخلال زيارة للدار خُطط لها بعناية، حيث كانت تقيم عدد قليل من الفتيات المراهقات، عُرضت غرف مرتبة وورشات يُمكن للأطفال من خلالها صناعة ألعاب وكسب مصروف رمزي.
كل شيء فاسد من الداخل
تذكّر "فورين بوليسي" بأن "دار الرحمة" كانت محط انتقادات سابقًا، أبرزها في 2019 عندما نشرت جارة للدار منشورًا تتحدث فيه عن سماع صراخ وضرب للأطفال. وفي اليوم التالي، تم اعتقال الجارة لفترة قصيرة، وتوصّل تحقيق رسمي إلى أن "لا شيء يحدث" في الدار، ومرة أخرى نفت الأيوبي وقوع أي عنف.
كما أقرت الأيوبي أن مؤسستها تأوي أطفال المعتقلين بناءً على قرارات أمنية، لكنها أوضحت أنه لا يمكن لمّ شملهم أو إعطاء أي معلومات عنهم دون موافقة النظام. تقول الأيوبي: "لم يكن الأمر بيدي"، وأضافت "هل وافقنا؟ لا. لكننا اهتممنا بالأطفال، لذا امتثلنا للأوامر".
وأكدت الأيوبي أن نحو 100 طفل من أبناء المعتقلين تم لمّ شملهم بعائلاتهم بعد سقوط نظام الأسد، نافية تعاونها مع نظام الأسد، باستثناء زيارات قامت بها أسماء الأسد، التي كانت تحاول بناء صورة إنسانية، رغم سيطرتها التامة على ملف دور الأيتام.
يقول الموظف السابق في وزارة الشؤون الاجتماعية والذي انشق عام 2011، ماهر رزق، للمجلة الأميركية "كل شيء فاسد من الداخل"، وأضاف أن أسماء الأسد كانت تختار مدراء الدور بنفسها، مشيرًا إلى أنهم "كانوا درعها"، بينما "كانت تُسيطر من خلف الستار".
ونقلت المجلة الأميركية عن "قرى الأطفال" أن أسماء الأسد زارت مركزهم مرة واحدة فقط خلال إفطار رمضاني، مشيرةً إلى أنه لم يكن بإمكان الموظفين رفض زيارتها، نافية أي دور لها في الإدارة أو العمليات.
وقد أكد حسان، شقيق رانيا، أن محققًا من الحكومة الجديدة عرض عليه وثيقة تُثبت وجود أربعة من أطفال رانيا في "قرى الأطفال"، حيث قاد حملة للبحث عنهم بعد أن رأى صورة على مواقع التواصل لطفلة تشبه إحدى بنات رانيا، لكنه عندما تواصل مع المؤسسة، نفت معرفتها بأي شيء.
وتشير "فورين بوليس" إلى أن "قرى الأطفال" رفضت إجراء مقابلة، لكنها أصدرت بيانًا قالت فيه إنها تعمل مع الحكومة الجديدة على تعقب الأطفال المفصولين عن عائلاتهم. وكشفت في تحقيق أولي أنها استقبلت 139 طفلًا بدون أوراق رسمية بين 2013 و2018، وأن بعض حالات الإيواء "فُرضت علينا من قبل السلطات آنذاك"، مضيفة أن جميع الأطفال أصبحوا الآن موثّقين.
وأوضحت المؤسسة أنها قامت منذ 2018 بوقف أي استقبال للأطفال دون وثائق، كما أنها أدخلت منذ 2020 تحسينات كبيرة على معايير الحماية والشفافية. لكن "قرى الأطفال" تورّطت مجددًا في 2023 بعد اتهامات بإيواء 13 طفلًا أوكرانيًا نُقلوا قسرًا إلى روسيا. وقد نفت المؤسسة حينها تورطها بذلك، وقطعت علاقتها مع مكتبها في روسيا، مشددة على إدانتها لأي تبني غير قانوني.
دور الأيتام كأداة قمع
بحسب "فورين بوليسي"، تشير الوثائق والشهادات في سوريا، من بينها التي نشرها حسان، إلى أن الأجهزة الأمنية غيّرت أسماء أطفال المعتقلين أو عرضتهم للتبني من قبل عائلات مقربة من نظام الأسد.
تقول علوش: "على دور الأيتام فتح أرشيفها وطرق لمّ الشمل للمراجعة"، موضحة أن النظام استخدم دور الأيتام كأداة قمع. أما في السجون، فقد كان من الشائع أن تتعرض المعتقلات للاغتصاب وأن يلدن أطفالًا في الأسر، يتم فصلهم عنهن لاحقًا.
وقد وصفت مديرة "دار الرحمة" هذه الاتهامات بـ"الشائعات"، واعتبرت أنه لا بد من تحقيق رسمي للكشف عن الحقيقة. لكن حسان يخشى أن يكون الكثير من الأدلة قد أتلفت بعد سقوط نظام الأسد. وأضتف أنه على الرغم من محاولاته الجديدة لاستعادة البيانات المفقودة، إلا أنه يرى أن الجهود لا تزال دون المستوى المطلوب.
وقال المتحدث باسم وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إن الحكومة الجديدة تعمل مع العائلات لتوثيق الحالات والعثور على الأطفال المفقودين، لكنها طلبت من العائلات تقديم أي معلومات تساعد في التحقيق.
لكن ماهر رزق يرى أن الحكومة منشغلة بأولويات أخرى، وأن الاستجابة بطيئة. أما حسن، فلا يرغب التوقف. خاتمًا حديثه لـ"فورين بوليسي" بالقول: "ما نحتاجه هو تحقيق حقيقي، شامل وشفاف"، وأضاف "المعلومات التي قد نكتشفها يمكن أن تكشف حجم الجرائم التي ارتكبها النظام. لكنني لا أعتقد أننا بدأنا حتى الآن".
الكلمات المفتاحية

تقرير: لاجئ سوري يحوّل رحلة اللجوء إلى استوديو تصوير في فيينا
سلّطت صحيفة "هويته" النمساوية الضوء على قصة لؤي عبد الفتاح، اللاجئ السوري الذي حوّل رحلة لجوئه الشاقة إلى مسار مهني ناجح في عالم التصوير

واشنطن تدعو دمشق للمرونة وترحب بالتقدم في الاتفاق مع "قسد"
يأتي هذا الموقف بالتزامن مع تقارير عن سحب الولايات المتحدة جزءًا من قواتها المنتشرة في شمال شرق سوريا خلال الأسبوع الحالي

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


