"أكاديميو السلطان".. عن العنقاء والمستبد العادل
20 يوليو 2026
رغم أن حسام جزماتي متعصب لمقهى "باب الحارة" في سوق باب سريجة، فإن هذه الحكاية حدثت، ولا أدري لماذا، في مقهى آخر: "الهافانا" في شارع الفردوس.
كان حسام على موعد هناك مع شخص يحمل إليه كتابًا ما من أحد الأصدقاء. وقد اصطحبني لأسليه ريثما يحين الموعد، وكذلك تحسبًا لأن يكون حامل الكتاب، الذي لم يلتقيه من قبل، من النوع المضجر فيصبح دوري أن "أشيل عنه كتف".
ولم يكن الشخص المنتظر عاديًا، فقد حمل، لا أعرف من أين بالضبط، لقب دكتور في العلوم السياسية، وسرعان ما حضر بكامل عدته وعتاده: أناقة مفرطة، وقلم حبر في الجيب، وكتاب ورزمة صحف في إحدى يديه، وسيجار فاخر لم يفارق فمه ولم يشعله مرة كذلك.
وأعترف أني وقعت تحت سطوته، لا سيما بعد أن رمى على الطاولة بضعة أسماء من العيار الثقيل: توماس هوبز، جون لوك، جون ستيوارت مل.. غير أنه وما إن انتقل إلى الحديث عن الشؤون السورية، وكنا في بدايات الثورة عام 2011، حتى بدأ "العك" من العيار الثقيل. قال إن بشار الأسد يطبق نظرية معروفة في العلوم السياسية مفادها أن شعبًا مثل شعبنا لا يحتاج الديمقراطية ولا يقبلها، بل يحتاج إلى حاكم "نصف إله"، وعيب بشار أنه لم يستطع أن يكون هذا الـ "نصف إله"، خلافًا لأبيه الراحل الذي نجح في ذلك. ثم هرف بالمزيد، ومن بين ما قال: إن مكيافيلي هو أعظم فيلسوف سياسي في التاريخ وله مريدون كثر، ومن بينهم بشار الأسد الذي لم يفعل شيئًا سوى تطبيق النظريات المكيافيلية، وبالتالي فإن من يشنعون عليه ما هم إلا حفنة من المدعين الجهلة "المتفزلكين".
كنت ما أزال محافظًا على جلستي المتهيبة، بقدمين مشدودتين إلى تحت الكرسي، عندما نظر حسام إلي قائلًا: "إفرد رجليك.. يكفي"، فأجبته ببلاهة: "لا مشكلة أنا مرتاح هكذا"، وبعد أن ارتسمت على وجهه علامات خيبة الأمل قرر أن يشربني إياها بالملعقة: "صديقي.. أما آن لك أن تبسط ساقك؟!".
وفي العبارة هذه إحالة بالطبع إلى القصة الشهيرة للإمام أبي حنيفة النعمان، وملخصها أن الإمام كان معتادًا في دروسه لتلاميذه أن يجلس باسطًا ساقه بسبب ألم مزمن في الركبة، وفي يوم حضر إلى حلقة درسه رجل وقور عليه سمات العلماء، فتربع أبو حنيفة تأدبًا أمام الضيف الذي لا بد أن يكون عالمًا كبيرًا، ولكن وكما هو معروف فبعد بضعة أسئلة تبين أن الضيف مجرد أبله، فقال أبو حنيفه جملته الشهيرة: "آن لأبي حنيفة أن يبسط ساقه" (وفي رواية أخرى: أن يمد رجليه).
منذ أيام، تذكرت قصة المقهى وحكاية أبي حنيفة، عندما قرأت مقالًا لأستاذ في العلوم السياسية، (اعتدت فيما سبق قراءة مقالاته وأنا متربع)، يشارك به وعلى طريقته في تريند "برلمان بلا أحزاب"، وبعد أن استعان بقائمة طويلة من الأسماء الرفيعة، بداية من فولتير وصوًلا إلى ليو شترواس، توصل الأستاذ إلى أن الأحزاب في البرلمانات شيء فائض عن الحاجة، وأن الكلام عن المشاركة السياسية نفسها هو مجرد وجهة نظر. أما المطلوب وما نحتاجه بالفعل فهو نوع من الاستبداد، قبضة واحدة قوية تقود السفينة إلى بر الأمان.
وليس الرجل وحيدًا في ذلك، فكثر هم "الأساتذة" الذي باتوا يشبهون "شيوخ السلطان"، ينهلون من الكتب والمراجع أفكارًا وعبارات يلبسونها الثوب المناسب لتغدو منسجمة مع مقتضيات المصلحة، مصلحة أولي الأمر بالتأكيد. وهكذا صار مؤتمر الحوار الوطني، على أيدي هؤلاء، مضيعة للوقت، ووجود الأحزاب خطر يتهدد وحدة الأمة، والمشاركة السياسية باب يدخل منه الفلول.. وما يفيدنا حقًا هو المستبد العادل الذي لا نعرف متى وأين تجسد على أرضنا، وما إذا كان يختلف حقًا عن العنقاء والخل الوفي.
وإذا كان هذا ما يلقنه هؤلاء لتلاميذهم في الجامعات، فنحن إذًا على موعد مع أجيال من السياسيين المبهرين في السنوات القليلة القادمة.
مع التقدير لكثير من الأساتذة الأكاديميين الذي أثروا حياتنا بأفكار ورؤى وطرائق تفكير ثمينة، فإن عددًا من الأساتذة الآخرين تنطبق عليهم مقولة برناردشو الساخرة: "من يعرف كيف يقوم بعمل ما، يقوم به بالفعل، ومن لا يعرف، يقوم بتدريسه".
الكلمات المفتاحية
"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا
انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا
زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ
يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم
الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق
ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت
نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟
يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره