ultracheck
منوعات

أكثر من مجرد زينة: الكحل العربي في الموروث الشعبي السوري

19 سبتمبر 2025
الكحل العربي
الكحل ليس مجرد مادة تجميلية (مواقع التواصل/الترا سوريا)
محمد جفال
محمد جفال صحافي سوري

في زمن تسيطر فيه الشركات العالمية على صناعة مستحضرات التجميل المعتمدة على المواد الكيميائية، التي غالبًا ما تحمل آثارًا جانبية غير مرغوب فيها، تستمر النساء المسنات في الجزيرة السورية في التمسك بتقليد عريق يتمثل في استخدام الكحل العربي.

هذا الأسلوب القديم، الذي يُعد من أقدم وسائل الزينة التي عرفتها المرأة عبر التاريخ، لا يزال يحتفظ بمكانته كرمز للجمال والتراث. بينما يتجه العالم نحو الابتكار التكنولوجي في عالم التجميل، تظل هؤلاء النسوة وفيات لممارسة متجذرة في التاريخ، تنتقل عبر الأجيال، مجسدة مزيجًا فريدًا من الجمال والصحة والثقافة.

الجذور التاريخية للكحل

يعود تاريخ استخدام الكحل العربي، أو "كحل الأثمد"، إلى حوالي 3500 قبل الميلاد، حيث استُخدم من قِبل حضارات عديدة، أبرزها الحضارة الفرعونية. لم يكن الكحل مجرد أداة للزينة، بل كان يُستخدم أيضًا لأغراض صحية. فقد تغنت به الأهازيج الشعبية والقصائد، وكان رمزًا للجمال الأنثوي عبر العصور.

لا يزال هذا التقليد حيًا حتى يومنا هذا، حيث تستمر النساء في الجزيرة السورية في استخدامه، مؤمنات بفوائده التي تفوق بكثير مستحضرات التجميل الحديثة.

يُصنع الكحل تقليديًا في المنازل، حيث تنتقل أسرار تحضيره من الجدات إلى الأمهات، ثم إلى الفتيات، في سلسلة مستمرة من الإرث الجمالي المتجذر في الثقافة المحلية. هذه العملية ليست مجرد طقس تجميلي، بل هي جزء من الهوية الثقافية التي تعكس ارتباط النساء بتراثهن.

عدلة الفرج.. حارسة الكحل

عدلة الفرج، امرأة في العقد السابع من عمرها، تُعد واحدة من النساء اللواتي يحافظن على هذا التقليد. تفضل عدلة الكحل العربي على جميع أدوات التجميل الحديثة، وترى فيه رمزًا للجمال الأصيل.

تقول: "كان الكحل يُستخدم منذ القدم كرمز لجمال المرأة وزينتها. بدأت بصناعته واستخدامه منذ أن كنت في الثانية عشرة من عمري، بعد أن تعلمت أسرار تحضيره من والدتي، التي كانت تتقن فنون الطب العربي. ولا يزال هذا التقليد حيًا في حياتي، إذ أواصل صنعه واستخدامه حتى اليوم".

تتحدث عدلة بحماس عن عملية صناعة الكحل، التي تبدو بسيطة لكنها مليئة بالدقة والعناية. تشرح قائلة: "في البداية، أقوم بعجن الطحين ومن ثم أضع حجر الأثمد داخله، مع إضافة القليل من الزيت النباتي لكي يحترق جيدًا. وبعد حرقه بالكامل، أطحنه بالهاون وأغربله ليحافظ على نعومته، وهكذا يصبح الكحل جاهزًا لتزيين العيون". هذه العملية، التي لا تستغرق سوى بضع دقائق، هي نتاج خبرة طويلة ومعرفة موروثة.

صناعة الكحل.. فن وتراث

يُصنع الكحل العربي من حجر الأثمد، وهو حجر طبيعي يُوضع على الجمر حتى ينفجر، ثم يُطحن بعناية حتى يتحول إلى مسحوق ناعم. ثم يُعبأ هذا المسحوق في مكاحل العيون، ليصبح جاهزًا للاستخدام. تؤكد عدلة أن هذه العملية لا تتطلب سوى مهارة بسيطة ومكونات طبيعية، مما يجعلها خيارًا آمنًا وصحيًا مقارنة بمستحضرات التجميل الحديثة.

تُضيف أن الكحل لا يُستخدم فقط لتزيين العيون، بل له فوائد صحية متعددة. فهو يحتوي على مركبات طبيعية تغذي بصيلات الرموش، مما يساعد على تكثيفها وتقويتها.

كما يُعتقد أنه يساعد في علاج الصلع غير الوراثي، ويعزز قوة البصر، ويساهم في علاج التهابات العيون والحساسية الشديدة. ومن اللافت للنظر أن الكحل يُستخدم أيضًا للأطفال حديثي الولادة، حيث يساعد على تنظيف العين وإزالة الشوائب منها.

فوائد الكحل الصحية

تؤكد التقاليد الشعبية والخبرات الموروثة أن الكحل العربي ليس مجرد أداة تجميل، بل هو علاج طبيعي للعيون. تشير عدلة إلى أن الكحل يعزز صحة العين من خلال تقوية البصر وتقليل التهابات العين.

كما يُعتقد أنه يساعد في الوقاية من الحساسية وتقوية المناعة ضد الالتهابات. هذه الفوائد جعلت الكحل خيارًا مفضلاً لدى النساء في الجزيرة السورية، خاصة اللواتي يفضلن الابتعاد عن المواد الكيميائية الموجودة في مستحضرات التجميل الحديثة.

وتشدد عدلة على أهمية استخدام الكحل التقليدي المصنوع يدويًا، لأنه يمنح العيون مظهرًا جذابًا ولامعًا، خاصة عند ارتداء الزي العربي التقليدي و"الهباري" على وجه الخصوص. وتحذر من مخاطر مستحضرات التجميل الحديثة، التي قد تحتوي على مواد كيميائية ضارة بالعين، مثل البارابين والمواد الحافظة.

الكحل في الثقافة الشعبية

الكحل ليس مجرد مادة تجميلية، بل هو جزء لا يتجزأ من الثقافة الشعبية في الجزيرة السورية. تُغنى الأهازيج عن جمال العيون المكحلة، وتُروى القصص عن النساء اللواتي استخدمن الكحل لإبراز جمالهن الطبيعي. هذا الارتباط العميق بالتراث جعل الكحل رمزًا للأنوثة والأصالة، وجزءًا من الهوية الثقافية للمنطقة.

تُشير عدلة إلى أن الكحل لا يقتصر على النساء فقط، بل يُستخدم أحيانًا للرجال والأطفال، خاصة في المناسبات الخاصة مثل الأعراس والاحتفالات الدينية. هذا الاستخدام الواسع يعكس مدى تجذر الكحل في الحياة اليومية والثقافية للمجتمع.

تحديات الحفاظ على التقليد

على الرغم من شعبية الكحل العربي بين النساء المسنات، تواجه هذه التقاليد تحديات في ظل انتشار مستحضرات التجميل الحديثة. فالجيل الجديد، الذي ينجذب إلى المنتجات التجارية المدعومة بالإعلانات الضخمة، قد يتجاهل هذا الإرث الثقافي.

مع ذلك، تظل نساء مثل عدلة الفرج حريصات على نقل هذه المعرفة إلى الأجيال القادمة، من خلال تعليم الفتيات الصغيرات كيفية صناعة الكحل واستخدامه.

وفي هذا السياق، توجه عدلة الفرج نصيحة للنساء والفتيات قائلة: "يجب استخدام الكحل القديم الذي نصنعه بأيدينا، فهو يعطي الفتاة جمالًا ونضارة، ويجعل عيونها تلمع، خصوصًا أثناء ارتدائها للزي العربي". وتضيف: "ابتعدن عن مستحضرات التجميل الحديثة التي تحتوي على مواد كيميائية قد تضر بالعين والبشرة على المدى الطويل".

إرث يتحدى الزمن

في عالم يتسارع نحو الحداثة، يبقى الكحل العربي شاهدًا على قوة التقاليد وجمال البساطة. في الجزيرة السورية، حيث تحافظ النساء المسنات على هذا الإرث، يظل الكحل رمزًا للجمال الطبيعي والصحة والثقافة.

من خلال أيديهن الماهرة، يستمر هذا التقليد في الصمود أمام موجات التغيير، ليروي قصة شعب متمسك بجذوره، مؤمن بأن الجمال الحقيقي يكمن في الأصالة.

عدلة الفرج وغيرها من النساء لسن مجرد حارسات لتقليد قديم، بل هن جسور تربط الماضي بالحاضر، وتضمن بقاء هذا الإرث الثمين للأجيال القادمة.

الكحل العربي ليس مجرد مادة لتزيين العيون، بل هو قصة حب بين المرأة وتراثها، قصة تتجدد مع كل عين تتلألأ بجماله.

الكلمات المفتاحية

الشعلة والشرطة

في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي

لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه


أهلي حلب الوحدة

أهلي حلب يحسم قمة دوري السلة أمام الوحدة.. واتحاد اللعبة يفتح تحقيقًا في إساءات جماهيرية

حسم أهلي حلب قمة مباريات الدوري السوري للمحترفين لكرة السلة أمام حامل اللقب الوحدة في المباراة التي استضافتها صالة الشهباء بحلب


المسحراتي

"يا نايم وحد الدايم".. المسحراتي يحفظ روح رمضان في شوارع القامشلي

المسحراتي في القامشلي تقليد رمضاني يجمع الأهالي ويعكس التعايش، ورغم تراجع دوره مع التكنولوجيا ما زال رمزًا حيًا لأجواء السحور


الوحدة والشرطة

في الدوري الممتاز: ثلاثيتان نظيفتان للوحدة والكرامة في ختام الجولة الـ13

حسم الوحدة والكرامة مباراتيهما بثلاثيتين نظيفتين في ختام الجولة الـ13 من الدوري السوري الممتاز لكرة القدم

انفجار
أخبار

إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام

أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.

فرن حرنة
أخبار

فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"

أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان


الشعلة والشرطة
منوعات

في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي

لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه

الأسواق السورية
مجتمع واقتصاد

مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك

بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026

الأكثر قراءة

1
مجتمع واقتصاد

سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة: بلد يعيش على المساعدات وينتظر التعافي


2
أخبار

العثور على مقبرة جماعية تضم رفات 11 شخصًا في الصنمين بدرعا


3
أخبار

لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا: الحاجة ملحّة لإصلاح قطاع الأمن والجهاز القضائي


4
سياسة

سوريا وسط الحرب.. هواجس المستقبل وأشباح الماضي


5
عدالة انتقالية

التمكين السياسي للنساء أداة لصناعة السلام المستدام


advert