أوقفوا العبث بمسارح الجريمة
24 ديسمبر 2025
تُعدّ المعتقلات ومراكز الاحتجاز التي ارتُكبت فيها انتهاكات جسيمة في سوريا مسارح جرائم دولية وفق القانون الدولي، وأي عبث بمعالمها أو استخدامها لأغراض درامية أو إعلامية دون إطار قضائي أو توثيقي محايد يشكّل مساسًا بمسار العدالة الانتقالية، وطمسًا محتملًا للأدلة، وانتهاكًا لحقوق الضحايا وذويهم في الحقيقة والكرامة، فضلًا عن كونه تشويهًا للذاكرة الجماعية وضمانات عدم التكرار، بما يتعارض مع التزامات الدولة بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الجنائي.
معتقلات الأسد مسارح جريمة
في هذا السياق يؤكد المختص بالقانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المحامي المعتصم الكيلاني، لـ "الترا سوريا"، أن القانون الدولي يعرف مسرح الجريمة بأنه كل مكان يُحتمل أن تكون قد ارتُكبت فيه أفعال تُشكّل جرائم دولية، أو توجد فيه أدلة مادية أو رقمية أو بشرية مرتبطة بتلك الجرائم ويشمل ذلك: أماكن الاحتجاز، السجون الرسمية وغير الرسمية، مراكز التحقيق، المقابر الجماعية، وأي موقع ارتبط بمنظومة الانتهاكات.
ووفق تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا (UN COI)، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، وآلية الأمم المتحدة الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM)، فإن السجون ومراكز الاحتجاز السورية ارتُكبت فيها بشكل منهجي جرائم: تعذيب، اختفاء قسري، قتل خارج نطاق القانون، جرائم ضد الإنسانية، وعليه فإنها تُصنَّف قانونيًا كمسارح جرائم دولية مستمرة الأثر.
العبث بمعالم السجون تقويض لمسار العدالة
وحسب الكيلاني، يصنف القانون الدولي الجنائي منح موافقات رسمية لتصوير أعمال درامية أو إعلامية في هذه المواقع، دون توثيق مهني محايد أو إطار قضائي تحقيقي، على أنه طمس لأدلة محتملة، إذا أدى التصوير إلى تغيير المعالم، إعادة ترتيب الأماكن، إزالة آثار مادية، وقد يرقى إلى عرقلة العدالة، أو استغلال غير مشروع لمسرح جريمة لأغراض درامية أو ترفيهية دون موافقة الضحايا وتجاهل للبعد الحقوقي، ما يعد مخالفة صريحة لمبادئ العدالة الانتقالية.
ويلفت الكيلاني إلى أثر العبث بمعالم السجون والمعتقلات على مسار العدالة الانتقالية، التي تقوم على "الحقيقة، المساءلة، جبر الضرر، عدم التكرار"، فالعبث بهذه المواقع تقويض للحقيقة، وأي تغيير في هندسة الزنازين أو أدوات الاحتجاز أو غرف التحقيق، يؤدي إلى إضعاف الأدلة الجنائية، وتشويه شهادات الضحايا، وإعاقة إعادة بناء الوقائع، وبالتالي يمسّ جوهر الحق في الحقيقة المكفول للضحايا وذويهم.
وينتهك التصوير في هذه المواقع حقوق الضحايا وذويهم، فيما يكرس القانون الإنساني وحقوق الإنسان كرامة الضحايا واحترام المعاناة بما يضمن عدم تحويل الألم إلى مادة استهلاكية، كما ينتهك التصوير ذاكرة الضحايا بشكل صريح، ويكرس للتطبيع مع الانتهاكات وتسطيح الألم، ويمثل إعادة إيذاء الناجين وذوي المفقودين.
الذاكرة الجماعية في مواجهة الدراما
ويشير الكيلاني إلى انعكاس هذه الممارسات على الذاكرة الجماعية والتشويه القانوني، حيث يعتبر الفقه الدولي الذاكرة الجماعية جزءًا لا يتجزأ من ضمان عدم تكرار الانتهاكات، وتحويل مواقع الانتهاكات إلى مواقع تصوير أو منصات ترفيهية، دون إطار توثيقي أو تخليدي، يُعد تشويهًا للذاكرة الجماعية وانتهاكًا للحق في عدم النسيان.
دور الحكومة في المعتقلات والأدلة الجنائية
من جهتها تقول الباحثة في الشبكة السورية لحقوق الإنسان يمن حلاق لـ"الترا سوريا" إن الأطر القانونية التي تتمثل في قانون حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، تنص على حماية الأدلة ومسارح الجريمة وكذلك آليات الأمم المتحد المطبقة في الدول الخارجة من النزاعات.
وعن دور الحكومة في حماية السجون والمعتقلات بوصفها مسارح جريمة، توضح حلاق أن البديهي والذي كان يجب فعله منذ التحرير هو إغلاق المعتقلات ومراكز الاحتجاز وعدم السماح بدخولها ووضع حراسة لهذه المواقع، وينطبق ذلك أيضًا على المقابر الجماعية المكتشفة والتي لا تزال تكتشف حتى اليوم، مشيرة إلى بعض الممارسات التي جرت في بداية التحرير من دخول لهذه المواقع والتصوير داخلها والعبث بالمحتويات، ما تم تداركه لاحقًا.
وتضيف حلاق أن مهمة الدولة أيضًا التوجه نحو التوثيق الكامل والشامل، وليس الأمر بسيطًا، وتستغرق من أشهر إلى سنوات نظرًا لكثرة عدد المعتقلات وعدم وجود نظام أتمتة، ما يجعل جمع وأرشفة الوثائق أمرًا معقدًا، مشيرة إلى أن بعض هذه الوثائق تعرضت للسرقة والإتلاف المتعمد والإهمال واستيلاء بعض الجهات عليها، ومن الضروري أن تنحصر بيد هيئة مسؤولة عن التوثيق والأرشفة، بالإضافة لاعتماد المركزية في التوثيق، موضحة أن النظام الساقط كان يعتمد على "الرموز" وفي حال أردنا معرفة المسؤولين عن الجرائم، يحتاج ذلك لفك رموز وشيفرات متواجدة في وثائق متراكمة ومحلات متعددة، وأيضًا يطال ذلك بعض المفقودين ذوي الخصوصية.
ومن مسؤوليات الدولة مشاركة الضحايا في هذا المسار، فأهالي المختفين قسرًا وذوي الضحايا لا يزالون يبحثون عن الحقيقة، ويمكن الحصول على مساعدة من جهات دولية للاستفادة من الخبرات والحصول على الدعم، مع التأكيد على السيادة الوطنية في قيادة العملية.
لا لتسليع المعاناة
وتنص القوانين الدولية والمحلية على تجريم العبث بمسارح الجريمة باعتباره طمسًا للأدلة وتخريبًا لمسرح الجريمة وعدم احترام للضحايا، ويشمل ذلك التصوير الدرامي في مراكز الاحتجاز والسجون، لافتة إلى أن البعض يرى في هذه الأعمال شكلًا من أشكال التوثيق أو التعريف بما جرى، إلا أن ذلك يخضع لأسلوب الطرح وكيفيته، فما يندرج تحت إطار الطرح الترفيهي والتقليل مما حدث يفرغ المأساة من مضمونها ويعتبر مرفوضًا شكلًا ومضمونًا.
إن التعامل مع المعتقلات والسجون التي شهدت انتهاكات جسيمة لا يمكن أن يُختزل في بعدها الرمزي أو الدرامي، فهي قبل كل شيء مسارح محتملة لجرائم لم يُحاسَب مرتكبوها بعد، وأي تدخل غير منضبط في هذه الأماكن، مهما كانت دوافعه الفنية أو الإعلامية، قد يؤدي إلى ضياع أدلة حاسمة، ويقوّض حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف والمساءلة.
في السياقات الخارجة من النزاعات، تصبح حماية مسارح الجريمة مسؤولية قانونية وأخلاقية مشتركة، تتقدم فيها العدالة على الصورة، والحقيقة على السرد. فتوثيق الألم يجب أن يكون جسرًا نحو المحاسبة، لا سببًا في طمسها، وأن تُصان الذاكرة الجماعية بما يخدم العدالة الانتقالية، لا بما يعيقها أو يفرغها من مضمونها.
الكلمات المفتاحية

إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية
أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية

لماذا رفضت رابطة الصحفيين السوريين "مدونة السلوك" الصادرة عن وزارة الإعلام؟
أصدرت رابطة الصحفيين السوريين، بيانا ترفض من خلاله، مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، مؤكدة بطلان الوصاية الحكومية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا
الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


