إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية
13 فبراير 2026
بعد تعيين قائد ميليشيا الدفاع الوطني فادي صقر في لجان السلم الأهلي، وإعلان محمد حمشو، أهم أذرع النظام الهارب الاقتصادية، إجراءه تسوية قانونية مع الحكومة، وعودة تاجر الحصار محمد المنفوش للواجهة.. أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية، واستفزازًا لمشاعر الضحايا وذويهم.
فمن هو العزيز وماذا فعل؟
قاد العزيز أحد فصائل المعارضة بين 2012 و2015، وبعد دخول داعش لدير الزور، هرب إلى دمشق، وأجرى تسوية مع النظام المخلوع، وعاد لمدينته ليؤسس حواجز أبو ذباح، التي عرف عناصرها بابتزاز المدنيين والمطلوبين أمنيًا، وجمع من ذلك أموالًا طائلة، وكان أكبر تجار المخدرات في المنطقة الشرقية، والذراع اليمنى لمجموعة القاطرجي لتهريب النفط بين مناطق قسد والنظام السابق.
الانتماء لشبكات القوة يحمي من المحاسبة
يقول الحقوقي سامر الضيعي لـ "الترا سوريا"، إن الإفراج عن شخصية تدور حولها اتهامات خطيرة، تتعلق بانتهاكات واسعة بحق المدنيين، لا يمكن أن يُقرأ كقرار إداري عابر، في سياق بلد خرج للتو من منظومة عنف ممنهجة، مثل هذا الإفراج يحمل دلالة سياسية وقضائية، إما أن الدولة لا تملك حتى الآن إرادة واضحة للمساءلة، أو أنها لم تبنِ بعد جهاز عدالة قادرًا على التعامل مع إرث الجرائم، وفي الحالتين النتيجة هذه إشارة خطيرة إلى أن ميزان العدالة ما زال مختلًا.
ويوضح الضيعي أن المشكلة ليست فقط في الشخص المعني، بل في الرسالة العامة التي تصل إلى المجتمع، ومفادها أن الانتماء إلى شبكات القوة السابقة، قد يوفر مظلة حماية، وأن معاناة الضحايا ما زالت قابلة للتأجيل، وهذه الرسالة تضرب في صميم فكرة الانتقال السياسي نفسها، لأن العدالة الانتقالية، تقوم على مبدأ بسيط، لا يمكن بناء دولة جديدة بأدوات الإفلات القديمة.
لا استقرار بلا مساءلة
ومن منظور حقوقي، فإن الإفراج دون شرح علني للأساس القانوني، ودون إعلان مسار تحقيق مستقل، يُفهم كإضعاف مباشر لثقة الناس بالإدارة الجديدة للمؤسسات، فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بإظهار أن الدولة قادرة، على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، خصوصًا من أولئك الذين تحوم حولهم، شبهات الانتهاكات الجسيمة، وأي انتقال سياسي لا يُقنع ضحاياه بأن العدالة ممكنة، يفتح الباب تلقائيًا لبدائل خطيرة، الانتقام أو الانسحاب من فكرة الدولة نفسها.
ويرى الضيعي أن العدالة الانتقالية لا تعني إدارة الوقت وامتصاص الغضب الشعبي، بل تعني إعادة تأسيس العقد الأخلاقي بين الدولة والمجتمع، فأي تجاوزات يُشتبه بأنها ترقى إلى انتهاكات جسيمة، لا يمكن التعامل معها كملفات إدارية أو أمنية، بل هي قضايا تمس جوهر شرعية الدولة الجديدة.
وفي هذا السياق، المبدأ الحاكم واضح، لا استقرار بلا مساءلة، ولا مصالحة بلا حقيقة، والتعامل الصحيح مع مثل هذه الحالات يفرض فتح تحقيقات قضائية مستقلة علنية، تخضع لرقابة قانونية ومجتمعية، لا تحقيقات داخلية مغلقة، ووضع الضحايا في مركز العملية، ليس كشهود فقط، بل كأصحاب حق في معرفة الحقيقة والإنصاف، بالإضافة إلى ربط أي تسوية محتملة بشروط صارمة، تتمثل في اعتراف علني، كشف كامل للوقائع، تعويض، وضمان عدم التكرار، لمنع تحويل العدالة الانتقالية، إلى غطاء لتفاهمات سياسية أو أمنية قصيرة المدى.
العدالة الانتقامية رد فعل على تمييع مسار الانتقالية
ويظهر التاريخ، وفقًا للضيعي، أن الدول التي حاولت تجاوز هذه المرحلة، عبر التسويات الصامتة، دفعت لاحقًا ثمنًا أعلى بكثير: انهيار الثقة، وعودة العنف، وتآكل شرعية المؤسسات، ما يعني أن العدالة الانتقالية ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرط بقاء للدولة نفسها، وأي نموذج يتجاهل حق المجتمع في المحاسبة، لا يبني سلامًا بل يؤجل الانفجار.
يرى الضيعي أن تراكم هذه القرارات، لا يقرأ لا كحوادث منفصلة بل كنمط، وعندما يبدأ المجتمع برؤية نمط من الإفراجات عن شخصيات تحوم حولها شبهات انتهاكات جسيمة، فإن الخطر لا يكون سياسيًا فقط بل اجتماعيًا ونفسيًا عميقًا، وبالنسبة للضحايا وذويهم، الرسالة التي تصل ليست قانونية بل وجودية، فالدولة التي وعدت بالعدالة تؤجل الاعتراف بألمهم مرة أخرى، ما يولد شعورًا مزدوجًا بالغضب والعجز، وهو أخطر من الغضب وحده، فالغضب يمكن احتواؤه بالحوار، أما العجز فيتحول إلى قطيعة مع فكرة الدولة.
وعلى مستوى الشارع، يتآكل الإيمان بأن المرحلة الانتقالية تمثل قطيعة حقيقية مع الماضي، وعندما يفقد المجتمع ثقته بأن المؤسسات قادرة على المحاسبة، تبدأ العدالة بالخروج من يد الدولة، إلى يد الأفراد، عبر خطاب الانتقام، أو عبر اللامبالاة العامة وكلاهما مدمّر.
انهيار مسار العدالة يهدد المرحلة الانتقالية
ويوضح الضيعي أن الانتقال السياسي لا يفشل عندما تعجز الدولة عن إدارة الاقتصاد فقط، بل عندما تفشل في إقناع مواطنيها، بأن العدالة ممكنة، فالإفلات من العقاب لا يهدد الضحايا وحدهم بل يهدد الاستقرار نفسه، لأنه يعيد إنتاج البيئة التي سمحت بالجرائم أصلا، وأي حكومة في المرحلة الانتقالية تمتلك حق إدارة التوازنات السياسية، لكنها لا تمتلك حق إدارة الحقيقة في السر، إذا كانت هناك تسويات فالمشكلة ليست في وجودها بحد ذاته، بل في غياب إطار علني يحكمها.
ويؤكد أن الشفافية هنا ليست مسألة إعلامية بل شرط شرعية، والمطلوب من الحكومة إعلان سياسة رسمية واضحة للعدالة الانتقالية، وتحديد معايير معلنة لأي تسوية، وتوضيح شروطها وحدودها، وضمان اطلاع المجتمع والضحايا، على الأساس القانوني لكل قرار، وإخضاع هذه التسويات لرقابة قضائية مستقلة، مشيرًا إلى أن السرية في ملفات الانتهاكات لا تحمي الدولة بل تحمي الشك.
ويمكن للدولة أن تستخدم أدوات العدالة الانتقالية: تخفيف العقوبة، برامج اعتراف، لجان حقيقة، تعويضات. لكن محو الجريمة قانونيًا أمر مختلف تمامًا، وهو خطوة تحمل خطرًا قانونيًا وسياسيًا وأخلاقيا، فالعدالة الانتقالية ليست عفوًا جماعيًا بل إدارة ذكية للمساءلة، والفرق بينهما هو الفرق بين بناء دولة وإعادة إنتاج نظام الإفلات من العقاب.
الإفراج عن العزيز تكريس للإفلات من العقاب
المستشار في القانون الدولي، عبد العزيز النجيب، هو أحد المتضررين بشكل مباشر من بطش النظام الهارب، ومن ذوي الضحايا، إذ فقد والده حياته في سجون الأسد الأب، قبل حوالي 45 عامًا، ويقول النجيب لـ "الترا سوريا" إن العدالة في سوريا تواجه تحديات كبيرة عقب الإفراج عن الكثير من المجرمين، وآخرهم مدلول العزيز المعروف بانتهاكاته لحقوق مواطنين من الشعب السوري، وارتكابه جرائم ضد الإنسانية، مضيفًا أن المدلول كان من المؤسسين الأوائل لميليشيات تدعم النظام البائد، كما كان يُعد ذراع إيران الطولى في دير الزور والسخنة وشرق حمص.
ويقول د. النجيب: إن هذه الإفراجات، تثير استياء وغضبًا واسعًا لدى ذوي الضحايا، في المناطق الشرقية بالدرجة الأولى، وفي عموم التراب السوري المطهر بدماء الشهداء الذين قضوا على يد هؤلاء المجرمين، وإن كانت نتاج ضغوط دولية باتجاه ما أو بمساع فردية، معتبرًا هذه الإفراجات تقويضًا لأحد أهم مبادئ العدالة الانتقالية جبر الضرر.
ووفقا للنجيب فإن القانون الدولي حفظ حق الضحايا بالمقاضاة والمحاكمة لمرتكبي الانتهاكات التي ترقى لجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ولا يمكن أن تخضع هذه الجرائم للعفو، وفي حال امتناع السلطة المحلية أو عدم رغبتها، في محاكمة المنتهكين، تنتقل السلطة لمحكمة الجنايات الدولية.
أدوات حماية مسار العدالة الانتقالية
يرى د. النجيب أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا يواجه تحديات عدة، ويشير إلى مخاوف من تحولها إلى عدالة انتقائية، أو عدم وجود الجدية الكافية والإرادة اللازمة لتحقيقها، مؤكدًا أن هذه الإفراجات تدخل ضمن الإفلات من العقاب الذي يعزز الشعور بالظلم وعدم الإنصاف لدى الضحايا، ويدفعهم نحو فقدان الثقة بالحكومة ومؤسساتها.
وفيما يتعلق بأدوات حماية العدالة الانتقالية، يشير د. النجيب إلى أن الشفافية في الإجراءات القانونية والمحاكمات هي أهم أدوات الحماية، إلى جانب منح الوقت اللازم للتشريعات الجديدة، خاصة وأن مجلس الشعب لم يكتمل ولم ينعقد بعد، ما يعني أنه لا يحق لأي سلطة أن تمارس الدور التشريعي بدلًا عن المجلس وتبت في هذه القضايا شديدة الحساسية للشعب السوري، كما أن تكون المحاكمات علنية، لافتًا إلى أهمية مشاركة المجتمع المدني في مسار العدالة وعدم حصرها بيد السلطة التنفيذية.
وحول علاقة المصالحة الوطنية بالعدالة، يؤكد د. النجيب أن المصالحة هي عملية شاملة تقوم على كشف الحقيقة، وتهدف إلى تحقيق العدالة الانتقالية عبر التعويض وجبر الضرر، ولا يمكن أن تقوم على العفو عن مرتكبي الانتهاكات والجرائم، أو تكريس الإفلات من العقاب، أو تبييض سجلات المنتهكين وإخفائها، أو محاكمتهم بقوانين غير مختصة بالجرائم ضد الإنسانية لتبرئة ساحتهم وإطلاق سراحهم.
الكلمات المفتاحية
التمكين السياسي للنساء أداة لصناعة السلام المستدام
في المجتمعات الخارجة من وطأة الحروب والأزمات، تبرز المشاركة النسائية في الحياة السياسية وصناعة القرار كأداة من أدوات بناء المجتمع
اليوم العالمي للمرأة: حين يتحوّل القانون من درع حماية إلى ممرّ للعنف
يحتفي العالم باليوم العالمي للمرأة هذا العام تحت شعار "المساواة المبنية على النوع الاجتماعي من أجل غد مستدام"
جدل قانوني بعد تعميم وزارة العدل رقم /12/: خطوة لإنصاف الضحايا أم تجاوز للصلاحيات؟
أثار تعميم وزارة العدل بشأن وقف التقادم في قضايا الضحايا جدلًا قانونيًا بين من يراه إنصافًا ومن يعدّه تجاوزًا للصلاحيات
سيدات الهلال في صدارة ذهاب دوري كرة القدم.. وحادثة ميدانية تعيد الجدل حول السلامة الطبية
حسمت سيدات الهلال صدارة ذهاب دوري كرة القدم بعد فوزهن على محافظة حمص، فيما كشفت حادثة طبية عن إهمال تنظيمي رافق المباراة
في ختام ذهاب سلة المحترفين.. الوحدة يتجاوز الحرية والنواعير يتربع على الصدارة
اختتمت مرحلة الذهاب من دوري سلة المحترفين بفوز الوحدة على الحرية، فيما حافظ النواعير على صدارة الترتيب العام
هيئة المفقودين: العثور على موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في ريف اللاذقية
أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين عن استجابتها لبلاغ حول موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في ريف اللاذقية
موائد متواضعة وذكريات مؤلمة.. رمضان العائدين إلى معرة النعمان
لم يعد شهر رمضان بالنسبة للعائلات العائدة من مخيمات الشمال السوري بعد سقوط النظام شهر البهجة المنتظرة