إغلاق المدارس الحكومية في الحسكة يهدّد مستقبل جيل كامل ويعمّق التوترات الاجتماعية
28 ديسمبر 2025
في أعماق الجزيرة السورية، حيث تتلاقى الثقافات الكردية والعربية والآشورية والسريانية، يعاني قطاع التعليم في محافظة الحسكة من أزمة مزمنة تعود جذورها إلى عقود من الإهمال، وتفاقمت مع سنوات الحرب الطويلة، لتصل إلى نقطة الانهيار بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
اليوم، مع سيطرة "الإدارة الذاتية" على المنطقة، أدى إغلاق المدارس الحكومية التي تتبع المناهج السورية التقليدية إلى انتشار التسرب المدرسي بشكل غير مسبوق، ما يهدد بتدمير مستقبل آلاف الأطفال ويعمق الشقوق الاجتماعية في المجتمع. هذا الإغلاق ليس قرارًا إداريًا عابرًا، بل هو جزء من صراع أوسع حول الهوية والسيطرة، وتحولت المدارس من مراكز للمعرفة إلى أدوات سياسية، أو حتى إلى مراكز إيواء للنازحين دون أي حلول مرتقبة.
في هذه المادة الشاملة، نستعرض التطور التاريخي لهذه الأزمة بدءًا من الإهمال تحت النظام السابق، مرورًا بالحرب، وصولًا إلى الواقع الحالي بعد سقوط النظام، مع التركيز على آراء الأهالي في مدن الحسكة والقامشلي وريفيهما، مستندين إلى شهادات ميدانية، تقارير دولية، وإحصاءات حديثة. كما سنلقي نظرة على المستقبل المحتمل، محذرين من عواقب استمرار هذه الكارثة التي قد تحول الجزيرة إلى منطقة من الجهل والفقر المزمن.
إهمال القطاع التعليمي من قبل النظام البائد
لأكثر من أربعة عقود، تحت حكم عائلة الأسد، عانت الجزيرة (محافظات الحسكة ودير الزور والرقة) من إهمال ممنهج ومتعمد لقطاع التعليم، كجزء من سياسة تهميش المناطق النائية. كانت دمشق ترى في هذه المنطقة الغنية بالموارد الزراعية والنفطية مصدرًا للثروة، لكنها كانت تعاملها كحزام أمني يحتاج إلى رقابة أكثر من تنمية.
وفقًا لتقارير منظمات دولية مثل "اليونيسف"، بلغت معدلات الحضور في التعليم الأساسي في سوريا قبل الصراع حوالي 98% على المستوى الوطني، لكن هذه الأرقام كانت مضللة بشكل كبير في مناطق مثل الجزيرة، فقد كانت البنية التحتية والفوقية تعانيان من نقص حاد يعكس التمييز المنهجي.
بالنسبة للبنية التحتية، كانت المدارس في المدن الرئيسية مثل الحسكة والقامشلي مصممة على غرار السجون، مع جدران عالية، ونوافذ بشباك متقاطعة، ما يعكس النهج الأمني للنظام الذي كان يخشى التمرد في هذه المناطق ذات التنوع العرقي.
هذه المباني، التي بنيت في السبعينيات والثمانينيات، لم تخضع لأي تجديد يذكر، مما أدى إلى تدهورها التدريجي: سقوف متشققة، أرضيات غير مستوية، ومرافق صحية غير صالحة للاستخدام. في القرى الريفية، كان الوضع أسوأ؛ فالمباني المدرسية غالبًا ما تكون طينية أو مبنية من مواد رخيصة مثل الطوب غير المعالج، عرضة للانهيار تحت وطأة الأمطار الشتوية أو الحرارة الشديدة في الصيف.
على سبيل المثال، في ريف الحسكة البعيد عن المركز، كانت بعض المدارس تعتمد على غرف مؤقتة، مما يجعل الدراسة في الشتاء والصيف كابوسًا حقيقيًا. تشير تقارير من الاتحاد الأوروبي إلى أن هذا الإهمال لم يكن ناتجًا عن نقص الموارد، بل عن سياسة متعمدة للحفاظ على السيطرة، حيث دمرت الحرب لاحقًا آلاف المدارس، لكن الأساس كان التهميش السابق.
أما البنية الفوقية، فقد اعتمدت بشكل كبير على استجلاب معلمين من الداخل السوري، خاصة من المناطق الساحلية والوسطى، لسنوات طويلة. هؤلاء المعلمون كانوا غالبًا ما يعاملون المهمة كعقاب إداري أو فرصة مؤقتة للترقية، ما أدى إلى نقص في الالتزام والكفاءة.
الكوادر المحلية كانت محدودة العدد وغالبًا ما تفتقر إلى التدريب المناسب، بسبب سياسات النظام التي تأخرت حتى سنوات قبل الأزمة في افتتاح جامعة، ما أثار غضب المجتمعات المحلية.
المناهج في عموم سوريا كانت مليئة بالدعاية السياسية للنظام، مع التركيز على تاريخ حزب البعث وشخصية الأسد، بدلًا من المهارات العملية أو الثقافة المحلية. هذا النهج لم يكن مصادفة، بل جزءًا من استراتيجية للقمع الثقافي، كما يوضح تقرير مفصل عن حالة التعليم في سوريا بعد 11 عامًا من الصراع، وقد أدى الإهمال إلى جيل من الشباب غير مجهز لسوق العمل، مما زاد من الفقر والإحباط.
بالإضافة إلى ذلك، كانت الميزانيات المخصصة للتعليم في الجزيرة أقل بكثير من المناطق الأخرى، ما أدى إلى نقص في الكتب المدرسية والأدوات التعليمية.
التعليم خلال الحرب
مع اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، تحوّلت مدارس الحسكة من أماكن تعليمية إلى أرض معركة حقيقية، وأصبحت هدفًا للقصف والاشتباكات بين قوات النظام والمعارضة المسلحة، ثم لاحقًا بين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش".
في القرى الريفية، توقفت الدراسة تمامًا في العديد من المناطق، حيث استخدمت المباني المدرسية كمخازن للأسلحة، أو مراكز عسكرية، أو حتى كملاجئ للنازحين. بحلول عام 2016، مع تصاعد نفوذ "قسد" (الجناح العسكري للإدارة الذاتية)، انحسر التعليم داخل ما يُعرف بـ"المربعات الأمنية" في المدن الرئيسية، مثل الحسكة والقامشلي، حيث كانت هذه المناطق الوحيدة التي تتيح التعليم بالمناهج المعترف بها.
في هذه المربعات، تكدس آلاف الأطفال في عدد غير محدود الصفوف الدراسية، مع نقص حاد في الموارد، ما أدى إلى دروس مختصرة وجدول زمني غير منتظم. يصف تقرير لـ"اليونيسف" كيف أدى الازدحام الشديد –يصل عدد الطلاب في الفصل الواحد إلى 60 أو أكثر – إلى انخفاض ملحوظ في جودة التعليم، مع انتشار الأمراض بسبب الافتقار إلى التهوية والنظافة.
خلال هذه الفترة، دُمرت عشرات المدارس بشكل كامل أو جزئي في الأرياف، واستخدمت أخرى لأغراض عسكرية، ما أسفر عن إصابات ووفيات بين الطلاب والمعلمين.
التقارير الدولية، مثل تلك الصادرة عن "هيومن رايتس ووتش"، تؤكد أن "الحكومة السورية وجماعات مسلحة أخرى" كانت مسؤولة عن معظم الهجمات على المدارس في الفترة بين 2011 و2016، ما أدى إلى مقتل وإصابة مئات الأطفال وتدمير أكثر من 7000 مدرسة على مستوى البلاد.
كانت المناهج مختلطة وغير متسقة، حيث كانت بعض المدارس تتبع المناهج الحكومية، بينما بدأت الإدارة الذاتية في تطوير مناهجها الخاصة، مما أثار ارتباكًا بين الطلاب.
التركيز كان على البقاء أكثر من التعلم، ما زاد من التسرب المبكر، خاصة بين الفتيات اللواتي كن يواجهن ضغوطًا اجتماعية للبقاء في المنزل، والأطفال من الأسر الفقيرة الذين اضطروا للعمل لمساعدة عائلاتهم.
في ريف القامشلي، على سبيل المثال، تحولت بعض المدارس إلى مراكز لتوزيع المساعدات الإنسانية، ما أدى إلى توقف الدراسة لشهور، وفي الحسكة، أدى النزوح الجماعي من المناطق المتضررة إلى زيادة الضغط على المدارس المتبقية.
المدارس بعد سقوط النظام
برزت الازدواجية في المناهج التعليمية بوضوح أكبر، بعد سقوط نظام الأسد أواخر العام الماضي، حيث كانت بعض المدارس لا تزال تتبع المناهج الحكومية التقليدية من دمشق، بينما فرضت الإدارة الذاتية مناهجها الخاصة.
سرعان ما تصاعد الأمر، حيث منعت الإدارة الذاتية التعليم بالمناهج الحكومية تمامًا، وأغلقت مديرية التربية التابعة للحكومة السورية في الحسكة، محولة جميع المدارس العامة إلى مناهجها الخاصة. في أيلول/سبتمبر 2025، بلغ الأمر ذروته مع إغلاق مدارس خاصة، خاصة تلك التابعة للكنائس المسيحية في الحسكة والقامشلي، بسبب رفضها تبني المناهج الجديدة، ما أثار احتجاجات واسعة من المجتمعات السريانية والآشورية.
الإغلاق شمل مدارس شهيرة مثل مار قرياقوس، السلام، ميسلون، فارس الخوري، والاتحاد في القامشلي، ومدرسة الأمل في الحسكة، حيث استخدمت قوات الأمن الداخلي (الأسايش) لفرض الإغلاق، ما أدى إلى توقف دراسة آلاف الطلاب. ومع ذلك، في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تراجعت جزئيًا عن قرارها بعد اتفاق مع مجلس الكنائس، ما سمح باستئناف الدراسة بالمناهج السورية في بعض المدارس المسيحية، لكن هذا الاتفاق لم يشمل جميع المدارس الحكومية، التي بقيت مغلقة أو محولة.
أدى هذا التحول إلى تسرب دراسي هائل، حيث لا توجد إحصاءات دقيقة رسمية في المنطقة بسبب الفوضى الإدارية، لكن الملاحظات الميدانية والتقارير الدولية تشير إلى أن آلاف الأطفال تركوا المدارس تمامًا. على مستوى سوريا، يصل عدد الأطفال خارج المدرسة إلى أكثر من 2.45 مليون، مع معدلات تسرب تصل إلى 55-58% في المناطق الشمالية الشرقية، حيث يزداد التسرب بسبب الفقر، النزوح، والرفض الثقافي للمناهج الجديدة.
كما تحولت العديد من المدارس في مدينة الحسكة إلى مراكز إيواء دائمة للنازحين من مناطق مثل رأس العين وزركان وتل تمر منذ عام 2019، دون أي جهود ملموسة من الإدارة الذاتية لإفراغها أو بناء بدائل، ما يعيق إعادة الاستخدام التعليمي.
آراء ذوي الطلاب متنوعة وتعكس الانقسامات العرقية والثقافية في المنطقة. في مدينة الحسكة، يقول أحد الأهالي العرب، محمد، من ريف المدينة الجنوبي: "أرسلت أطفالي إلى مدارس الإدارة الذاتية لأنها الخيار الوحيد المتاح، لكن المناهج غير معترف بها، ما يهدد مستقبلهم في الجامعات أو الوظائف خارج المنطقة".
في القامشلي، رفضت عائلة آشورية إرسال أطفالها، قائلة عبر أحد أفرادها: "المناهج الجديدة تفرض إيديولوجيا واحدة، ونحن نريد التعليم بما هو معترف به، لأن أطفالنا يستحقون فرصًا حقيقية".
في الريف الشرقي للحسكة، يشكو أهالٍ آخرون من الفقر الذي يدفع الأطفال للعمل في الحقول أو الورش بدلًا من الدراسة، كما في حالة أم قالت: "ابني البالغ 12 عامًا يعمل الآن لمساعدتنا، لأن المدرسة بعيدة والمناهج لا تتناسب مع ثقافتنا".
هذه الآراء، المستمدة من مقابلات ميدانية، تعكس انقسامًا مجتمعيًا عميقًا: بعض الأهالي، خاصة الكرد، يرون في المناهج الجديدة فرصة للحفاظ على الهوية الثقافية واللغوية، بينما يراها آخرون، مثل العرب والمسيحيين، تهديدًا للوحدة الوطنية وفرص المستقبل.
يؤثر التسرب المدرسي على الأطفال بشكل نفسي واقتصادي عميق، حيث يصبحون عرضة للعمل الطفولي، الاستغلال الجنسي، أو الانضمام إلى جماعات مسلحة. تقارير تشير إلى أن كل طفل يترك المدرسة يخسر فرصًا اقتصادية تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات على مدى حياته، ما يعمق الفقر في المجتمع ويزيد من معدلات الجريمة، العنف الأسري، والاضطرابات النفسية.
في الجزيرة، يعاني أكثر من 85% من الأطفال من الفقر، أصبح التسرب عاملًا في تفاقم النزاعات العرقية، حيث يشعر بعض الأهالي بالغبن.
نظرة مستقبلية
في المستقبل القريب، إذا استمر إغلاق المدارس الحكومية وفرض المناهج غير المعترف بها، قد يؤدي ذلك إلى ظهور جيل أمي كامل في الجزيرة، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة بأكملها. مع تزايد النزوح والفقر، قد يتحول هؤلاء الأطفال إلى قوة عمل رخيصة أو ينخرطون في الجريمة المنظمة، ما يعيق أي جهود لإعادة الإعمار.
مع ذلك، هناك أمل في اتفاقات سياسية بين الإدارة الذاتية والحكومة الجديدة في دمشق، كما حدث في الاتفاق الأخير حول المدارس المسيحية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، الذي يمكن أن يكون نموذجًا لتوحيد المناهج مع احترام التنوع الثقافي.
يجب التركيز على إعادة بناء البنية التحتية، تدريب المعلمين المحليين، وتقديم دعم نفسي ومالي للأسر لمنع التسرب، مع دمج المناهج لضمان الاعتراف.
كما يمكن لمنظمات دولية مثل "اليونيسف" والأمم المتحدة أن تلعب دورًا حاسمًا في تقديم المساعدات، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية قوية من جميع الأطراف. إذا لم يتم حل الأزمة، قد يؤدي ذلك إلى هجرة جماعية للشباب المثقف، أو تفاقم الصراعات العرقية، محولًا الجزيرة من منطقة غنية بالإمكانيات إلى بؤرة للتخلف والنزاعات المستمرة. في النهاية، يجب أن تكون الأولوية للأطفال، فهم مستقبل سوريا، وإغلاق أبواب المعرفة أمامهم هو جريمة ضد الإنسانية لا يمكن تجاهلها.
الكلمات المفتاحية
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026
إحصاء مخيمات إدلب.. خطوة أولى نحو العودة الطوعية أم مجرد تنظيم للبيانات؟
بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب تنفيذ حملة شاملة لإحصاء العائلات المقيمة في المخيمات بهدف تحديث البيانات وتنظيم خطط عودة قريبة وآمنة
بين قدم أسطول الشحن السوري وارتفاع التكاليف.. جدل حول قرار منع الشاحنات الأجنبية
بين قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك وأسطول الشحن السوري القديم تتصاعد أزمة المناقلة على الحدود، مع مطالب بإلغاء القرار وتحديث الشاحنات، وسط تحذيرات من ارتفاع الأسعار
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026