ultracheck
قول

احتجاجات في كل مكان.. يوم لا يعود الذكاء الاصطناعي ينفع أحدًا

14 سبتمبر 2026
احتجاجات
محتجون يقطعون طريقًا في خان شيخون احتجاجًا على رفع أسعار المحروقات (مواقع التواصل/ الترا سوريا)
سلمان عز الدين
سلمان عز الدين صحافي سوري

ليس أشق على السوريين من رفع تسعيرة المحروقات إلا مبررات الحكومة وأنصارها لهذا الرفع. وإذا كانت التسعيرة الجديدة قد أثارت احتجاجات على شكل مظاهرات أو اعتصامات، فإن المبررات من شأنها أن تشعل ثورة.

قد أخطئ في حقك، وربما تمتلك القدرة على الصفح والتجاوز، ولكنك لن تسامحني إذا ما ألحقتُ الخطأ بتبرير ينطوي على الاستخفاف بعقلك، وعلى افتراض مسبق أنك ساذج وأن بإمكاني إرضاءك بأي كلام. وفضلًا عن الشعور بالإهانة الناجم عن هذا التذاكي فلك كل الحق أن تستنتج أنني أنوي تكرار خطئي إلى ما لانهاية.

وبالطبع فإن التبرير الأساس الذي انطوت عليه كل شروحات وتفسيرات السلطة وأنصارها، هو ذلك الذي ينبهنا إلى أننا جزء من هذا العالم، نعيش حروبه ومآزقه ونعاني من أزماته، وبالتالي فلا منجاة لنا من دفع أثمان لقاء هذا الارتباط الحتمي، وعلينا أن نشكر حظنا الجيد الذي جعل هذه الأثمان تقتصر على "زيادة بسيطة" في أسعار المحروقات!

وكنا سوف نصدق هذا التفسير، وننبري لشكر حظنا الجيد بأعلى صوت ممكن، لولا أن مسؤولي الحكومة وأنصارها أنفسهم كانوا قد بذلوا جهدًا خارقًا لإقناعنا بأن لنا خصوصية مقدسة، وأن ما يجري على العالم من حولنا لا يجري علينا، فإذا كان لدى جميع الدول أحزاب فهذا لا يلزمنا أن نتيح تشكيل أحزاب هنا، وإذا كانت الديمقراطية تنفع في كل مكان فهي لا تنفعنا أبدًا، وإذا كان البرلمان يُنتخب في "بلاد بره" من قبل الشعب فخصوصيتنا تملي علينا انتخابه من قبل الحكومة.. ولقد اقتنعنا بالفعل أنه ما لنا ولهذا العالم، وذلك ليس لأنهم يمتلكون قدرة على الإقناع بل لإننا نحن من نمتلك قدرة استثنائية على الاقتناع.

ولكن المعروض علينا اليوم يفوق قدرتنا هذه: أي أن يقال لنا أن نظل بمنأى عن طيبات العالم وثمار إنجازاته، ونكون بالمقابل شركاءه في المغارم فقط، في غلاء المحروقات وارتفاع الأسعار وآثار الحروب.. هذا عسير على الهضم بصراحة، ويحتاج الاقتناع به إلى ما لا ترقى إليه موهبتنا في الاستهبال.

والحفرة التي يجد مسؤولو الحكومة أنفسهم فيها اليوم هي في الواقع من صنع أيديهم. لقد استسهلوا اختراع المعطيات والتوقعات المشرقة، وأسرفوا في إطلاق الوعود الخلبية، وعاشوا طيلة الأشهر المنصرمة في سماء خيالهم وأحلامهم، وكانوا يعيبون علينا أننا لا نتعالى على صغائرنا ومخاوفنا ووسواسنا الصغيرة، ولا نقوى على الصعود إليهم لنرى مستقبلنا السعيد من فوق، حيث يقيمون. وإذا بهم اليوم وفجأة يطالبوننا، مع قدر من التقريع، بأن نكون واقعيين وننزل إلى الأرض لنعرف أي تفاصيل دنيوية معقدة تلك التي يغرقون فيها من أجل أن نطفو نحن في بحر العيش المضطرب!

وعلى سيرة البحر، فإذا كنا في المثل العامي نصف المُبالِغ بأنه "يعمل من البحر طحينة"، فإن المسؤولين الحكوميين قد عملوا، وحرفيًا، من البحر نفطًا، وأوحوا لنا أننا نعوم فيه دون أن ندري. والمفارقة أن الذين يندبون الآن واقع النفط المزري هم أنفسهم من بشرنا قبل فترة قليلة بأن إنتاجنا يكفي حاجة سوقنا المحلية، بل وإننا نملك فائضًا للتصدير أيضًا!

ولقد ذكّرني زميل مصاب بفرط التذكر، وهو بذلك ينتمي إلى الصنف الذي لا تحبه الحكومة على الإطلاق بل وتعتبره نذير شؤم، أن المدير العام للشركة السورية لنقل النفط كان قد صرح منذ نحو سنة أنه "تم تحميل أول ناقلة نفط خام من مصب طرطوس النفطي من إنتاج الحقول السورية، وفائض عن عمل مصفاتي بانياس وحمص اللتين تعملان بأكبر طاقة إنتاجية ممكنة".

كما صرح المدير حينها أن "المشتقات النفطية أصبحت متوفرة في السوق المحلية، والكمية التي صدرت اليوم فائض عن حاجة المصافي، ما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني بتوفير القطع الأجنبي للسوق".

أين ذهب هذا الكلام؟ أي أرض انشقت وابتلعت الفائض من النفط حتى نقع في هذه الأزمة؟

وكذلك فقد ذكّرنا تقرير لـ "الترا صوت" بمزيد من التناقضات التي وقع فيها مسؤولو القطاع فيما بينهم، وفي تصريحات كل منهم على حدة. إذ كان وزير الطاقة محمد البشير قد أشار، في لقاء تلفزيوني سابق، إلى أن حاجة سوريا تبلغ نحو 150 ألف برميل من النفط يوميًا، ليعود اليوم قائلًا، في حديثه إلى "الترا سوريا"، إن حاجتها تصل إلى نحو 350 ألف برميل، مقابل إنتاج محلي يبلغ نحو 102 ألف برميل يوميًا.

من جهته، قال مدير الشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، إن سوريا تنتج حاليًا نحو 133 ألف برميل يوميًا، متوقعًا أن تتمكن من تصدير النفط بحلول نهاية عام 2027، مع وصول الإنتاج إلى 300 ألف برميل يوميًا، وأن يرتفع الإنتاج إلى 800 ألف برميل يوميًا بحلول نهاية عام 2029.

أما مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة، عبد الحميد سلات، فقد خرج علينا ليصحح بالقول: "البعض يعتقد أن إنتاج سوريا من النفط يكفي حاجة السوق المحلية"، مؤكدًا أن ذلك "غير صحيح"، إذ يقارب الإنتاج المحلي حاليًا 100 ألف برميل يوميًا، بينما تتجاوز حاجة السوق 300 ألف برميل، وتتراوح وسطيًا بين 300 و325 ألف برميل يوميًا، أي إن الإنتاج المحلي يغطي نحو ثلث الحاجة فقط.

بالمناسبة لسنا نحن هذا "البعض الذي يعتقد"، البعض الذي يعتقد ذلك هم زملاء سلات من كبار مسؤولي القطاع في البلاد. هم الذين قالوا، ودورنا نحن اقتصر على التصديق.

طيب الآن ما هي الأرقام الحقيقية؟ ما هي حاجة السوق المحلية من النفط: 300 ألف برميل كما صرح مدير دائرة الإعلام في الوزارة؟ أم 150 ألف برميل كما قال وزير الطاقة، أم 350 ألف برميل كما قال محمد البشير؟!

وكم تنتج سوريا من النفط: 102 ألف برميل يوميًا كما أعلن وزير الطاقة، أم 133 ألف برميل يوميًا كما صرح مدير الشركة السورية للبترول، أم 100 ألف برميل مثلما ذكر مدير دائرة الإعلام؟!

يبدو أن الذكاء الاصطناعي لا يتدخل في خطب المسؤولين فقط، بل وفي إحصاءاتهم أيضًا.

بمعنى ما، تشير الاحتجاجات، التي تعم اليوم مناطق كثيرة من البلاد، إلى أن موعد الحساب المستحق لكل ما سلف من "تشليف" في الوعود الزائفة قد حان، غير أن الأهم هو أن هذه الاحتجاجات لا تبدو مقتصرة على قطاع الطاقة وغلاء المحروقات وحسب، بل هي تطال أداء الحكومة برمته.. كل ما فعلته الحكومة وكل ما تفعله وما سوف تفعله. ولا نعرف إذا ما كان الذكاء الاصطناعي يفيد في استخلاص الدروس؟!

الكلمات المفتاحية

تل الشيخ علي

السلمية.. تل الشيخ علي الأثري و"جرافة" الدولة

يشهد "تل الشيخ علي" تعديات لاقانونية وتجريف عشوائي يهدد بطمس ما ينطوي عليه من إرث تاريخي


msyaf.jpg

الاقتصاد السوري الهش والأمن المنفلت.. متلازمة الإخفاق والفوضى

لا دولة، ولا نهوض اقتصادي، مع استمرار الانفلات الأمني وفوضى السلاح


الهوية الوطنية

سوريا.. بين الانتظام كدولة أو التفكك إلى جماعات متناحرة

لم تكن المشكلة يومًا في وجود الطوائف والمذاهب والتكوينات ما قبل الوطنية بحد ذاتها، إنما المشكلة تكمن في التوظيف والاستثمار السياسي


خان أسعد باشا

خان أسعد باشا العظم.. دفاع عن المعنى ضد التسليع والابتذال

خان أسعد باشا ليس مجرد مبنى قديم، بل هو جزء من تراث المدينة وذاكرتها الجمعية

الاحتلال الإسرائيلي
منوعات

قوات الاحتلال تعتقل شابًا من ذوي الإعاقة وتفرج عن شابين في القنيطرة

اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، شابًا من ذوي الإعاقة بعد إصابته بالرصاص خلال توغل في بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي، فيما أفرجت عن شابين اعتقلتهما قبل يومين في ريف المحافظة

الجانب الآخر من الشمس
ثقافة وفنون

سوريا تختار فيلم "الجانب الآخر من الشمس" لتمثيلها في سباق الأوسكار

اختارت المؤسسة العامة للسينما في سوريا الفيلم الوثائقي "الجانب الآخر من الشمس" للمخرج توفيق صابوني لتمثيل البلاد في فئة أفضل فيلم دولي ضمن جوائز الأوسكار لعام 2027


بوستر بطولة بربكان
منوعات

دمشق تستعيد بطولتها الدولية لكرة السلة بعد غياب 19 عامًا

تعود بطولة بربيكان دمشق الدولية لكرة السلة إلى الواجهة بعد غياب دام 19 عاما

البرلمان العربي
أخبار

رئيس البرلمان العربي يدين الانتهاكات الإسرائيلية وأعمال "خط سوفا 53" في القنيطرة

أدان رئيس البرلمان العربي، محمد بن أحمد اليماحي، استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي السورية، ومواصلة الأعمال المرتبطة بـ"خط سوفا 53" في القنيطرة

الأكثر قراءة

1
أخبار

الطوارئ تحذّر من أمطار رعدية وبرد ورياح قوية في سوريا بدءًا من الأحد


2
أخبار

قوات الاحتلال تعلن استهداف سوري بزعم تورطه في إطلاق مسيّرات وقذائف


3
مجتمع واقتصاد

ريغارات مكشوفة وشبكة صرف متهالكة تهدد سكان الشريعة في سهل الغاب


4
منوعات

قامشلي سبورت والنواعير يفتتحان مشوارهما في الدوري الممتاز لكرة القدم بانتصارين


5
أخبار

كانت تخطط لتفخيخ سكة قطار.. الأمن الداخلي يفكك خلية لـ"داعش" بريف حمص


advert