استبدال العملة السورية.. خطوة اقتصادية جريئة أم مقامرة محفوفة بالمخاطر؟
24 سبتمبر 2025
أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، عن خطة لاستبدال العملة السورية القديمة بعملة جديدة، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم النظام النقدي وضبط التضخم. وتشمل الخطة جمع الأوراق النقدية المتداولة وإتلافها، تمهيدًا لإصدار أخرى جديدة يتم تداولها على مراحل، تبدأ بتداول متزامن للعملتين، يليها استبدال مباشر عبر المصرف المركزي مع فترة انتقالية تمتد لخمس سنوات.
ووفق ما أعلنه المصرف، فإن الخطة تتضمن إلزام المحال التجارية بعرض الأسعار بالعملتين، إلى جانب حملة إعلامية توعوية، ورقابة صارمة لضمان التنفيذ. ويعتبر المركزي أن الاستبدال يمثل فرصة لإعادة بناء الثقة بالعملة وتسهيل المعاملات، لكنه في الوقت ذاته يدرك أن العملية قد تؤدي إلى اضطرابات في الأسواق وانتعاش السوق السوداء إذا لم تتم إدارتها بشفافية وكفاءة.
إعادة ضبط للمنظومة النقدية
وضمن هذا السياق، كشف مصدر في وزارة الاقتصاد والصناعة لموقع "الترا سوريا" أن خطة استبدال العملة الجديدة ليست مجرد عملية لتبديل الأوراق النقدية، بل تأتي في إطار مشروع اقتصادي واسع يهدف إلى إعادة ضبط المنظومة النقدية برمتها. وأكد المصدر أن الوزارة تنظر إلى هذه الخطوة كأداة لتحجيم الاقتصاد الموازي الذي نما خلال سنوات الأزمة، ووسيلة لتوجيه السيولة نحو القنوات الرسمية.
كما أوضح المصدر أن هناك تنسيقًا بين الوزارة والمصرف المركزي والأجهزة الرقابية لضمان الحد من المضاربة والسوق السوداء، إلى جانب دراسة حوافز تشجع المواطنين على الإيداع في البنوك بدلًا من الاحتفاظ بالسيولة النقدية، مثل رفع معدلات الفائدة ومنح تسهيلات ائتمانية.
وأضاف المصدر أن الحكومة لا ترى في العملية حلًا سريعًا للأزمة الاقتصادية، لكنها تعتبرها جزءًا من مسار طويل لإعادة الثقة بالعملة الوطنية وبالقطاع المصرفي. وشدد على أن صعوبة المهمة تكمن في مواجهة تراكمات اقتصادية وسياسية استمرت لسنوات، وأن النتائج المرجوة لن تتحقق إلا عبر سياسات مرافقة تعزز الإنتاج وتوفر استقرارًا نقديًا.
خلفية اقتصادية معقدة
تأتي هذه المبادرة في ظل ظروف اقتصادية خانقة يعاني منها السوريون، أبرزها التضخم المفرط، الانهيار الحاد في قيمة الليرة مقابل الدولار، استمرار العقوبات الدولية التي تحد من قدرة الدولة على المناورة الاقتصادية، وتراجع الاحتياطي النقدي والإنتاج المحلي. هذه العوامل تجعل من خطة الاستبدال خطوة محفوفة بالمخاطر، لكنها في الوقت نفسه تشكل محاولة للبحث عن أدوات جديدة لترميم الثقة المفقودة بالاقتصاد الوطني.
يعتبر الباحث الاقتصادي، أدهم قضيماتي، في حديثه لـ"الترا سوريا" أن طرح عملة سورية جديدة لا يقتصر على السيطرة على التضخم، بل يمثل أداة من أدوات إعادة هيكلة الاقتصاد السوري الذي تآكل على مدى السنوات الماضية، وذلك بسبب اعتماده على أنشطة غير شرعية، مثل التهريب والاتجار غير المشروع، إضافة إلى غياب المؤسسات الاقتصادية الفاعلة واعتماد النظام على شبكات نفوذ شخصية.
وأوضح قضيماتي أن إصدار عملة جديدة سيسهل التعاملات المالية، ويخفف الأعباء عن المواطنين والبنوك، ويساهم في تعزيز الاحتياطيات داخل البنوك المحلية وربما في الخارج، خصوصًا في بعض الدول المجاورة. وأكد أن الثقة بالليرة لا يمكن أن تُستعاد إلا عبر إجراءات مباشرة من المصرف المركزي، منها ضبط حجم النقد المطروح في السوق وحل مشكلة السيولة التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة.
كما أشار إلى أن قيمة العملة مرتبطة بالاستقرار السياسي والاقتصادي، موضحًا أن الاتجاه الحالي نحو التهدئة السياسية قد يخفف الضغط على الليرة، لا سيما مع التخفيف الجزئي لبعض العقوبات الأوروبية والأميركية. وأضاف أن ضعف البنية التحتية المصرفية يشكل تحديًا حقيقيًا أمام نجاح عملية الاستبدال، وإن كانت هناك محاولات جارية لتطويرها وأتمتتها وفتح المجال أمام مصارف خاصة ودولية.
وشدد قضيماتي على أن مكافحة عمليات التزوير تتطلب تقنيات طباعة حديثة وتشريعات صارمة مع تعزيز دور الأجهزة الأمنية وهيئات الرقابة. كما رأى أن الحملات التوعوية وحدها غير كافية لإقناع المواطنين، لأن فقدان الثقة بالليرة تراكم على مدى عقود، وأن استعادتها تحتاج إلى وقت طويل وسياسات اقتصادية شاملة ترتبط بالإنتاج والاستقرار العام.
وأضاف الباحث أن ذوي الدخل المحدود لن يتأثروا مباشرة بعملية الاستبدال من حيث القدرة الشرائية، بل يبقى مستوى الدخل نفسه هو العامل الأهم بالنسبة لهم. أما فيما يتعلق بسعر الصرف، فإن المرحلة الانتقالية ستشهد تذبذبًا طبيعيًا نتيجة المضاربة وضخ كميات من العملة القديمة في السوق السوداء، قبل أن تبدأ الأوضاع بالاستقرار تدريجيًا إذا ما رافقتها إجراءات حكومية منظمة.
خطوة جريئة محفوفة بالمخاطر
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي، أسامة العبد الله، في حديثه لـ"الترا سوريا" أن استبدال العملة السورية خطوة جريئة لكنها محفوفة بالمخاطر، وأن نجاحها أو فشلها يعتمد على السياسات الاقتصادية المرافقة، وليس على تغيير شكل الورقة النقدية وحده. وأوضح أن ضبط حجم الكتلة النقدية، دعم الإنتاج المحلي، ومنع التضخم من العودة إلى مساره التصاعدي؛ جميعها عوامل أساسية لتفادي تحول العملية إلى مجرد مقامرة مالية.
وأشار العبد الله في نهاية حديثه لـ"الترا سوريا" إلى أن التحدي الأكبر أمام الحكومة هو استعادة ثقة المواطنين الذين باتوا يعتبرون الدولار والعملات الأجنبية ملاذًا أكثر أمانًا. كما لفت إلى أن غياب الشفافية في الإعلان عن تفاصيل الخطة قد يؤدي إلى فقدان أي فرصة لنجاحها، ولذلك فإن وضوح المعلومات حول حجم الكتلة النقدية وآليات الطرح والإجراءات الرقابية سيكون شرطًا رئيسيًا لبناء ثقة جديدة بالعملة الوطنية.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


