"استكمال بناء" أم "تلافي أخطاء"؟.. قراءة في تغييرات وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات العامة
19 يوليو 2026
لم يُبنَ الستار الحديدي حول شؤون الحكم الجديد في سوريا حتى الآن، بالأحرى: لم تستطع السلطة الجديدة أن تبني مثل هذا الستار بعد. وإذا كانت تملك، ولا شك، عددًا من الغرف المغلقة لصنع القرار، وترغب في أن تكون جدران هذه الغرف كتيمة بأكبر قدر ممكن، فإن كثيرًا من قراراتها، ومداولاتها الخاصة، تبدو وكأنها مطروحة، دون رغبة منها، على طاولة النقاش العام.
لقد دخل ملايين السوريين، إثر سقوط النظام، إلى ميدان الاهتمام السياسي، وكثير منهم يعتقدون أن النظام الجديد يجب أن يبنى على مرأى ومسمع منهم، كي لا تتكرر التجربة ويقفوا في يوم قريب أمام سلطة كتيمة مغلقة ومحاطة بأسوار شاهقة، تملي عليهم طريقة عيشهم وتفاصيل حياتهم، دون استشارتهم أو الإصغاء لأصواتهم.
وبالمقابل، وكما قال باحث لـ "الترا سوريا"، في سياق تقرير سابق، فإن الإدارة الجديدة لم تصبح حتى الآن "سلطة عتيقة في تمويه توجهاتها واختراع سردياتها"..
وهكذا فإن قرارًا يتعلق بتعديلات في مناصب أمنية ومخابراتية، كان فيما مضى يعتبر مما لا يثير اهتمام السوريين، أما اليوم فهو يصبح شغلًا شاغلًا لهم. وما إن أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، صباح اليوم، تعيينات أمنية جديدة شملت وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات العامة، إضافةً إلى استحداث مكتب أمني جديد حمل اسم "مكتب الأمن الوطني"، حتى ازدحمت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات والمداخلات والقراءات المتباينة.
إعادة ترتيب المنظومة الأمنية
كيف نقرأ التغييرات في المناصب الأمنية التي جرت اليوم؟ ما الدلالات التي تنطوي عليها؟
يرى الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، محسن المصطفى، أن هذه التعديلات جاءت في سياق المرحلة الانتقالية عمومًا، وفي سياق إعادة ترتيب المنظومة الأمنية في سوريا الجديدة ككل، ويقول: ما زالت سوريا تكتشف الطريقة الأفضل لإدارة المنظومة الأمنية بالطريقة التي تحقق أكبر فاعلية ممكنة في ظل تحديات أمنية ليست بالقليلة.
من جهته، يقول الكاتب السياسي عبدالله الحمد إنه يمكن قراءة هذه التغييرات من زاويا متعددة، فعلى الصعيد الداخلي هي ضرورة لاستكمال بناء مؤسسات الدولة وفرض القانون وحماية المواطنين، وعلى المستوى الخارجي تعد خطوات استراتيجية تعطي الإشارات إلى تطور في قدرات الأجهزة الأمنية السورية، سواء كانت في محاربة الإرهاب أو التهريب أو أن يناط بها لعب أدوار خارجية، خصوصًا بعد اجتماع الرئيس الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، على هامش قمة الناتو والحديث عن شؤون أمنية وإقليمية يمكن لسوريا أن تلعب فيها دورًا كبيرًا، في لبنان أو على مستوى التنسيق مع الحكومة الجديدة في العراق.
ويضيف الحمد: لذلك أنا أعتقد بأن سوريا اليوم تريد إعطاء إشارات للداخل والخارج بأن الأجهزة الأمنية انتهت من مرحلة ضبط الاستقرار، وانتقلت إلى مرحلة بناء الدولة على المستوى الأمني داخليًا وخارجيًا.
التفجيرات في خلفية المشهد
ثمة من ربط التعديلات في المناصب الأمنية بما اعتبره البعض "اختراقًا أمنيًا" تمثل في التفجيرات التي حدثت في دمشق مؤخرًا. غير أن الباحث محسن المصطفى لا يعتقد بوجود مثل هذا الربط، "خصوصًا أن الحديث عن مكتب الأمن الوطني كان قد بدأ منذ عدة أشهر".
أما الكاتب عبدالله الحمد فيقول إنه ربما كان التفجير الأخير، الذي حدث أثناء زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون، يحمل إشارات معينة، ولكن سرعة التنسيق والاستجابة ما بين وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات أفضت الى نتائج إيجابية خلال 48 أو 72 ساعة من حدوث التفجير، وهذا له دلالات هامة ربما استفادت منها القيادة السورية في وضع الهيكيلية الأمنية.
لكن الحمد يرى أن أهمية هذه التعديلات تتركز في عدة محاور أساسية أخرى: أولًا استكمال هيكلة الدولة، حيث تبرز أهمية الأمن الداخلي والوطني كجهة إشرافية وتنسيقية لمنع تضارب الصلاحيات والمساعدة في بناء مؤسسات الدولة والانتقال إلى مرحلة جديدة.
وأيضًا تطوير العمل الاستخباراتي لملاحقة الشبكات المنظمة ومكافحة فلول النظام وداعش، وضبط الحدود والمعابر غير النظامية، إضافة إلى إعطاء إشارة إلى أن التعافي الاقتصادي قد بدأ وأن الأجهزة الأمنية اليوم قد أخذت قوالبها بطريقة احترافية وبطريقة تساعد على تحديد الصلاحيات وفرض سيطرة الدولة.
الصلاحيات الجديدة بين "الأمن الوطني" و"الأمن القومي"
في التغييرات الجديدة تم الحديث عن جهاز "الأمن الوطني"، وكان قرار رئاسي قد صدر العام الماضي وتشكل بناء عليه ما سمي بـ "مجلس الأمن القومي"، هل نحن أمام المجلس نفسه ولكن بتسمية جديدة، أم أن المكتب الجديد سوف يحل مكان المجلس السابق؟
يتوقع عبد الله الحمد أننا أمام احتمالين: احتمال بقاء الجهازين ولكن يناط بـ "مجلس الأمن القومي" العمل كهيئة استراتيجية لتنسيق السياسات الأمنية والعسكرية، أما "مكتب الأمن الوطني" فسيكون الجهاز التنفيذي المعني بتنفيذ هذه التوجيهات التي يرسمها مجلس الأمن القومي.
أما الاحتمال الآخر فهو دمج الجهازين، أو حل المجلس الأول والاكتفاء بجهاز واحد. ولكن الكاتب السياسي يرجح أن يبقى الجهازان مع توزيع الأدوار المشار إليه سالفًا.
من جانبه، يقول الباحث محسن المصطفى: نحن أمام مكتب الأمن الوطني، وهو غير مجلس الأمن القومي الذي صدر قرار تأسيسه العام الماضي، فذلك المجلس يشغل رئاسته رئيس الجمهورية. أما المكتب الوطني فيمكن اعتباره مكتبًا تنفيذيًا يتبع مجلس الأمن القومي.
ولكن على فرض أننا سنكون بالفعل أمام كيانين اثنين، "مكتب الأمن الوطني" و"مجلس الأمن القومي"، فما هو الفرق بينهما، وكيف سيتقاسمان مساحة الاختصاص؟
يوضح المصطفى: مجلس الأمن القومي بمكانة هرمية أعلى ضمن الدولة وله مهامه الواردة ضمن قرار تأسيسه. ولايوجد تقاسم للاختصاص بينهما. ويُعد مكتب الأمن الوطني الجهة العليا المعنية بتنسيق السياسات الأمنية بين مختلف المؤسسات والأجهزة المختصة. وحسب تقارير صحفية، يتولى المكتب رسم السياسات الأمنية العامة، وتنسيق تبادل المعلومات بين المؤسسات الأمنية، ومتابعة تنفيذ التوجيهات الصادرة عن القيادة السياسية، إضافة إلى إدارة ملفات الأمن الوطني ذات الطابع المشترك بين وزارات ومؤسسات الدولة.
"مركزة" القرار الأمني
وماذا تعني إضافة منصب آخر لوزير الداخلية، (مدير مكتب الأمن الوطني)؟ هناك من يقول إنه يشير إلى اتجاه نحو مزيد من مركزة القرار الأمني وحصره في "دائرة ضيقة".. وفي السياق نفسه ماذا يعني انتقال حسين السلامة من رئاسة جهاز الاستخبارات إلى معاون لمدير الأمن الوطني؟
يجيب عبدالله الحمد بالقول إن وزير الداخلية أنس خطاب أبدى نجاحًا في ملف هام ومعقد وفي وقت حساس جدًا شهدت فيه سوريا أكبر تحول سياسي، وذلك رغم كل التحديات وحل جميع الأجهزة الأمنية وجيش النظام البائد، مضيفًا: لكن تعيينه اليوم أتى لتقليص المسافة بين المعلومة الاستخباراتية والعمل الميداني، خصوصًا في ظل الأحداث الأخيرة التي شهدتها دمشق، وأيضًا من زاوية أخرى جاءت الخطوة من أجل تلافي تداخل الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية.
أما تغيير منصب حسين السلامة ــ يتابع الحمد ــ فهو نوع من الاستمرارية لإنجازات هذا الرجل ونجاحه، وبنفس الوقت هو يحمل معه ملفات استخباراتية هامة جدًا كان قد ورثها من منصبه السابق. متوقعًا أن "العلاقة سوف تكون تكاملية إلى حد بعيد".
أما إجابة محسن المصطفى فيلخصها بالقول إن هناك رؤية لدى الرئيس الشرع حول الموضوع وربما هي قادمة من النجاحات المتتالية التي نفذها وزير الداخلية في الوزارة منذ أن تولاها، بالإضافة لإدارته الملف الأمني سابقًا في إدلب.
أما عن مركزية الأمن، فيرى المصطفى أن الأمن وإدارته ينبغي أن تكون مركزية لتضمن أكبر قدر ممكن من النجاح. وبالنسبة لتغيير منصب حسين سلامة ليغدو معاون مدير "مكتب الأمن الوطني"، فهذا لا يعني ــ وفقًا للباحث ــ انتقاصًا منه أو أنه لم يكن ناجحًا في جهاز الاستخبارات، فقد حقق الجهاز عددًا كبيرًا من النجاحات سابقًا، ولكن هذه الترتيبات تأتي ضمن بيئة انتقالية ريثما تستقر منظومة الدولة ككل ومن ضمنها المنظومة الأمنية.
الكلمات المفتاحية
إعادة هيكلة الجيش السوري.. تغييرات قيادية واختبار تفكيك الولاءات الفصائلية
تسعى وزارة الدفاع إلى إعادة توزيع القيادات وبناء هيكل للجيش، فيما يربط محللون نجاح العملية بتغليب المؤسسة على الولاءات السابقة
العلاقات السورية التركية بعد مجلس التنسيق الأعلى.. الأمن والاقتصاد في الواجهة
يفتح مجلس التنسيق الأعلى مسارًا جديدًا للعلاقات السورية - التركية، وسط رهانات على الأمن والاقتصاد والربط الإقليمي
هل اقترب حل "قسد" و"الإدارة الذاتية"؟ ملفات عالقة رغم تقدم الاندماج
يتقدم مسار دمج "قسد" والإدارة الذاتية مع دمشق تدريجيًا، بينما تبقي ملفات الأمن والمعابر والتعليم والمهجرين الإعلان الرسمي النهائي معلقًا
"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا
انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا
زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ
يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم
الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق
ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت
نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟
يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره