اقتصاد بائس ومجتمع متعب: واقع الطبقة الوسطى بعد عام على سقوط الأسد
8 ديسمبر 2025
بعد عامٍ واحد على سقوط النظام في سوريا، تبدو خريطة البنى الاجتماعية والاقتصادية في البلاد أمام إعادة تشكل واسعة، يتداخل فيها إرث السنوات الماضية مع التغيرات السياسية العميقة التي تشهدها البلاد. ومع أن الحديث العام غالبًا ما ينصب على موازين القوى السياسية ومشروع الدولة الجديدة، إلا أن مستقبل سوريا في المدى القريب والبعيد يعتمد إلى حد كبير على مصير الطبقة الوسطى، تلك الفئة التي لطالما شكّلت العمود الفقري لأي مجتمع، ورافعة أساسية للتنمية والاستقرار والسلوك المدني.
اليوم، ومع مرور عام على انتهاء النظام الذي حكم البلاد لعقود، تقف الطبقة الوسطى على مفترق طرق. فقد كانت هذه الفئة طوال سنوات الحرب والصراع الداخلي الأكثر تآكلًا، إذ خسرت مصادر دخلها، وتقلّص نفوذها، وتراجعت قدرتها الشرائية، ووجد الكثير من أبنائها أنفسهم ينزلقون نحو الطبقة الفقيرة، بينما هاجر آخرون بحثًا عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومع دخول البلاد مرحلة انتقالية، تستعيد هذه الطبقة شيئًا من حضورها، لكنّها تواجه تحديات جديدة ترتبط بوضع اقتصادي هش، وبنية دولة قيد البناء، وواقع اجتماعي متعب.
انحسار الطبقة الوسطى: بين الحرب وسقوط النظام
لم تكن الطبقة الوسطى في أفضل أحوالها قبل سقوط النظام. فقد أدّت سنوات الحرب الطويلة، وتضخم الأسعار، وانهيار الليرة، وغياب أي سياسات وقائية، إلى تآكل دخل معظم الأسر التي كانت تُصنَّف ضمن هذه الفئة. فقد خسر الموظفون قيمة رواتبهم، بينما تعرّض أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة إلى ضرر هائل بسبب الركود، والقيود الأمنية، والفساد، وتقطّع سلاسل التوريد.
ومع نهاية النظام، لم تكن هذه الفئة تقف على أرضية صلبة. بل كانت منهكة اقتصاديًا، ومبعثرة اجتماعيًا، ومترددة سياسيًا، ومحكومة بذكريات تجربة قاسية. هذا الإرث لعب دورًا حاسمًا في طبيعة حضورها بعد التغيير.
عام على السقوط: ماذا تغيّر وما الذي بقي؟
لم يكن سقوط النظام بوابة مباشرة لتحسن أوضاع الطبقة الوسطى، رغم انتهاء القمع السياسي الذي طالما قيّدها. فقد دخلت البلاد في مرحلة انتقالية معقدة، تداخل فيها انخفاض الدعم الدولي، وتردد المستثمرين، وبطء إطلاق المشاريع العامة. وعلى الرغم من ازدياد الحريّات وعودة جزء من الأنشطة الاقتصادية، فإن البنية التحتية الاقتصادية، من مصارف ومؤسسات إنتاج وخدمات، كانت تحتاج إلى سنوات لإعادة البناء.
بعد عام على سقوط النظام، تبدو الطبقة الوسطى في مرحلة إعادة تشكيل شاقة. فهي ليست في حالة صعود، لكنها ليست في انهيار كامل
يقول الباحث الاقتصادي، فراس مهنا، لموقع "الترا سوريا": "خلال العام الأول من السقوط، برزت ثلاث سمات أساسية في واقع الطبقة الوسطى: أولًا استمرار الهشاشة الاقتصادية، إذ ما تزال الطبقة الوسطى تعاني من تضخم شديد في الأسعار، انخفاض فرص العمل ذات الدخل الثابت، وغياب منظومة حماية اجتماعية فعالة، بالإضافة إلى بطء عودة القطاعات الإنتاجية". وأضاف: "ورغم الانفتاح النسبي للأسواق ومحاولات الحكومة الانتقالية إطلاق برامج دعم، فإن القدرة الشرائية لمعظم الأسر تبقى محدودة، ما يجعل هذه الفئة قريبة جدًا من خط الفقر".
وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن النقطة الثانية تتمثّل في "بروز مشاريع صغيرة جديدة، حيث شهد العام الأول بعد سقوط النظام موجة من المبادرات الاقتصادية الصغيرة، خصوصًا في المدن الكبرى، حيث اعتمد أبناء الطبقة الوسطى على الورشات العائلية والمتاجر صغيرة"، لافتًا إلى وجود "أنشطة خدمية مثل التعليم الخاص، الترجمة، التصميم، الصيانة ومشاريع منزلية تعتمد على التجارة الإلكترونية"، معتبرًا أن "هذه الاستراتيجيات جاءت كبديل عن الوظائف الرسمية التي لم تُستعد بعد، وعن القطاع العام الذي ما يزال قيد إعادة الهيكلة".
أما النقطة الثالثة، فتتلخص من وجهة نظر مهنا بـ"ضرورة عودة دور الطبقة المتعلمة، فالقيمة الحقيقية للطبقة الوسطى لطالما كانت مرتبطة بدرجة تعليمها". وأضاف "بعد سقوط النظام، ظهرت الحاجة الماسّة إلى المدرّسين، والمهندسين، والخبراء القانونيين، والصحافيين، والأطباء، لتأسيس مرحلة جديدة من الإدارة والخدمات". ورأى أنه "على الرغم من ضعف الدخل النسبي، فإن هذه الفئة استعادت جزئيًا دورها التأسيسي في المجتمع، بعد أن حوصرت لسنوات تحت هيمنة الأجهزة الأمنية وبيروقراطية النظام السابق".
استراتيجيات جديدة للتكيف
إذًا قد بات واضحًا أن الطبقة الوسطى طوّرت مجموعة من استراتيجيات التكيف التي مكّنتها من الاستمرار رغم الظروف شبه المستحيلة، ومن أبرز هذه الاستراتيجيات:
العمل المتعدد: أصبح شائعًا أن يعمل الشخص في وظيفتين أو ثلاث في الوقت نفسه، غالبًا في مجالات غير مرتبطة بتخصصه؛ هذا التكيف القاسي يهدف إلى تعويض تدهور الدخل وارتفاع الأسعار.
الاقتصاد المنزلي: حيث ازداد الاعتماد على الطبخ المنزلي وبيعه، بالإضافة إلى أعمال الحياكة والتطريز، إعادة تدوير الملابس، التعليم من المنزل. وقد أصبحت هذه الأنشطة مصدر دخل أساسي للعديد من الأسر.
الهجرة الجزئية: لا يزال خيار الهجرة قائمًا، لكنه اتخذ شكلًا جديدًا: أحد أفراد الأسرة يعمل في الخارج ويرسل حوالات، بينما يبقى الآخرون داخل البلاد. هذه الاستراتيجية ساعدت آلاف الأسر على البقاء ضمن حدود الطبقة الوسطى.
التحالفات المجتمعية: ظهرت شبكات دعم جديدة بين العائلات والجيران، تقوم على تبادل الخدمات بدل المال، كتبادل الدروس، والصيانة المنزلية، ومشاركة النقل.
الثقة المتزايدة بالمجتمع المدني: مع غياب مؤسسات الدولة الكاملة، أصبح للمبادرات المدنية المحلية حضور متصاعد، سواء في الدعم التعليمي، أو تدريب الشباب، أو تقديم المساعدات الأساسية.
أما عن السؤال الأهم والمتعلق بمصير الطبقة الوسطى في سوريا، فإن المستقبل القريب لهذه الفئة يعتمد على مدى قدرة الدولة الانتقالية على إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، وتحفيز الاستثمارات، واستعادة الثقة. ومع ذلك، يقول الباحث مهنا إنه من أجل تحقيق ذلك وتجنب هذه الفئة "الفناء" في ظل التدهور الاقتصادي اليوم، يمكن رسم مسارين لإنقاذ الطبقة الوسطى.
ووفقًا لمهنا، فإن أول هذين المسارين هو "سيناريو الانتعاش التدريجي"، موضحًا أن تحقيقه يعتمد على "نجاح البلاد في تثبيت الأمن وجذب استثمارات عربية وغربية"، فيما يربط المسار الثاني بـ"إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية عن طريق إصلاح النظام الضريبي"، متوقّعًا أن "تستعيد الطبقة الوسطى جزءًا مهمًا من قوتها خلال خمس سنوات إذا توافرت البيئة المناسبة".
إعادة تشكيل شاقة
يرى الحاج زكريا أبو محمد، وهو أحد تجار الحرير في دمشق، في حديثه لـ"الترا سوريا" أنه "إذا بقيت البلاد في حالة عدم استقرار سياسي واقتصادي، فسيظل حجم الطبقة الوسطى محدودًا، وستظل أقرب إلى طبقة فقيرة موسّعة، لتفقد ماهيتها الاقتصادية كفئة شعبية تعيش على الحد الأدنى من الدخل". وأضاف: "لقد لمسنا تطورًا جيدًا في عمليات البيع والشراء، لكن زبائننا المحسوبين على الطبقة المتوسطة باتوا من النادرين".
بينما اعتبر المواطن يحيى برهان أنه "في حال عادت الصراعات أو فشلت مرحلة الانتقال، فإن الطبقة الوسطى قد تتلاشى تقريبًا، مع ازدياد الهجرة واستمرار تآكل الدخل، ناهيك عن البطالة المستفحلة"، وتابع مستدركًا: "صحيح أن الليرة السورية منذ سقوط النظام بدأت تستعيد عافيتها ببطء، لكن ما يؤزم الموقف توافر كل شيء إلا السيولة المادية".
بعد عام على سقوط النظام، تبدو الطبقة الوسطى في مرحلة إعادة تشكيل شاقة. فهي ليست في حالة صعود، لكنها ليست في انهيار كامل. إنها فئة تقاوم، تتأقلم، وتبتكر طرقًا للبقاء، رغم ضعف الموارد، وغياب الاستقرار، وتحديات الانتقال السياسي. وليس غريبًا القول إن مصير هذه الطبقة سيكون مفتاحًا لفهم مستقبل سوريا: فإذا انتعشت، انتعشت البلاد. وإذا تآكلت، سيبقى المجتمع السوري عالقًا بين الفقر والصراعات، دون قاعدة صلبة يمكن البناء عليها.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


