الأحياء الكردية في حلب.. نموذج مصغر لسوريا
11 ديسمبر 2025
منذ أكثر من عقد، تقف الأحياء الكردية في حلب - الشيخ مقصود والأشرفية - على تماس سياسي وأمني فريد، فرغم أنها لا ترتبط جغرافيًا بمناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، الا انها حافظت على صلة تنظيمية وسياسية وثيقة بها، ما جعلها خلال سنوات الصراع مؤشرًا واضحًا لمدى تقارب أو تباعد دمشق عن مشروع الإدارة الذاتية.
هذه الأحياء لم تكن مجرد تجمعات سكنية في مدينة أنهكها القتال، بل شكّلت نموذجًا مختلفًا لإدارة المجتمع المحلي والحفاظ على استقلال القرار بعيدًا عن أطراف النزاع المتصارعة، لتتحول لاحقًا إلى واحدة من أبرز ملفات المدينة المعقّدة سياسيًا وأمنيًا.
الجذور التاريخية: تشكّل الهوية الكردية في حلب
يمتد الوجود الكردي في حلب لقرون، لكن ملامحه الحديثة تشكّلت مع موجات الهجرة من المناطق الشمالية خلال القرن الماضي ومع مرور الزمن بدأ حيّا الشيخ مقصود والأشرفية بالتبلور كمراكز اجتماعية واقتصادية متماسكة، حافظت على هويتها الكردية ضمن النسيج الحلبي.
خلال حكم البعث واجه الأكراد تضييقًا سياسيًا ومنعًا لأي تعبير عن هويتهم الثقافية، ما أسهم في تراكم الوعي القومي الكردي في الخفاء.
يقول نوري شيخو، رئيس الإدارة المدنية في الحي: "كان النظام يمارس سياسة تضييق ممنهجة ضد الأكراد، مجرد تعريفك بنفسك ككردي كان كافيًا للمساءلة الأمنية ناهيك عن سياسة التعريب للمناطق الكردية".
ويضيف أن اعتقاله عام 2009 على خلفية اتهامات بـ «التعامل مع جهات أجنبية» و«المساس بأمن الدولة وتقسيمها» ترك أثرًا عميقًا لديه بعد أكثر من عامين قضاها في المعتقل.
خلال الثورة: حياد عسكري وإدارة محلية
مع انطلاق الاحتجاجات عام 2011، شارك أبناء الحيين في المظاهرات، قبل أن يتخذوا موقف "الحياد " تجنبًا للتحول إلى ساحة صراع بين الفصائل وكذلك قوات النظام.
تولت وحدات حماية الشعب (YPG) تأمين الأحياء، فيما تشكلت إدارة مدنية محلية ارتبطت تنظيميًا بالإدارة الذاتية، رغم غياب أي اتصال جغرافي معها.
بعد 2016: اختبار دائم للعلاقة بين دمشق والإدارة الذاتية
عقب سيطرة قوات النظام على الأحياء الشرقية في حلب أواخر 2016، بقي الشيخ مقصود والأشرفية خارج السيطرة المباشرة للحكومة التي أحكمت الطوق عليهما من عدة جهات.
أصبحت الأحياء الكردية بمثابة مقياس لمدى توتر أو هدوء العلاقة بين دمشق والإدارة الذاتية: كلما تصاعد التوتر في الحسكة أو القامشلي، اشتد الحصار على الحيين والعكس صحيح.
ورغم التطويق، حافظت اللجان المدنية على إدارة محلية مرتبطة هيكليًا بمؤسسات الإدارة الذاتية في الحسكة والقامشلي، من التعليم وحتى البلديات والتمثيل السياسي.
يقول شيخو: "الإدارة المحلية المتماسكة هي التي منعت انهيار الحيين رغم الحصار والضغوط".
وهكذا تحوّل الحي إلى رمز سياسي مصغر لعلاقة معقدة بين السلطة المركزية والمشروع الكردي في سوريا
بعد التحرير.. الخريطة كما هي
خلال عملية ردع العدوان وتقدم قوات إدارة العمليات العسكرية باتجاه مدينة حلب، تجنّبت القوات أي صدام مع الوحدات الكردية وفي المقابل سلّمت هذه الوحدات بعض النقاط التي انسحب منها النظام لفصائل المعارضة، مع الإبقاء على انتشارها داخل الأحياء ذات الغالبية الكردية.
في المقابل تعرضت منطقة الشهباء شمال حلب ــ التي كانت تضم عشرات آلاف نازحي عفرين منذ عملية "غصن الزيتون" عام 2018 ــ لهجوم عنيف من فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من تركيا، انتهى باتفاق قضى بتسليم المنطقة وتأمين انسحاب المدنيين ومقاتلي قوات سوريا الديمقراطية.
ومع توقف المعارك استمرت المأساة الإنسانية لعشرات آلاف النازحين الذين اضطروا للنزوح مجددًا خوفًا من عمليات الانتقام.
اللافت أنه مع بداية انهيار النظام البعثي وتقدّم قوات إدارة العمليات بقيادة هيئة تحرير الشام داخل المدينة، شنت الفصائل المحسوبة على تركيا حملة موازية تحت مسمّى "فجر الحرية"، كانت معاركها موجهة بشكل رئيسي ضد قوات سوريا الديمقراطية، في المقابل حافظت قوات إدارة العمليات على علاقة هادئة مع قسد في تلك المرحلة، ولم تسجل اشتباكات مباشرة بين الطرفين، بل شهدت تنسيقًا محدودًا تمثل في تسليم بعض النقاط - بينها مطار حلب الدولي - لإدارة العمليات، كما حصل لاحقًا تسليم مدينة دير الزور على مستوى أوسع.
توضح هذه المرحلة اختلاف أولويات القوى الفاعلة في الشمال السوري، فبينما انشغل "الجيش الوطني" بفتح معارك واسعة ضد قوات سوريا الديمقراطية اعتبرت إدارة العمليات أن الهدف الرئيسي هو إسقاط النظام وتأمين المناطق المستردة قبل أي صراع جانبي.
اتفاق 10 آذار.. خطوة متعثرة
أثار الاتفاق الذي وُقع في آذار بين الرئيس أحمد الشرع وقيادة قوات سوريا الديمقراطية ضجة واسعة، بوصفه أول تفاهم سياسي علني بين الطرفين، لكن التنفيذ العملي بقي محط جدل، إذ اعتبرته دمشق عودة لمؤسسات الدولة، فيما رأت الإدارة الذاتية أنه خطوة نحو شراكة في الحكم ضمن نظام لا مركزي.
كانت الأحياء الكردية في حلب أول اختبار عملي للاتفاق، ففي الأول من نيسان جرى التوصل إلى تفاهمات محلية تضمنت انسحاب القوات العسكرية من الشيخ مقصود والأشرفية، وإطلاق سراح معتقلين وضمان خصوصية الحيين الإدارية، وقد لاقت هذه الخطوة قبولًا شعبيًا واسعًا وتغطية إعلامية إيجابية، خاصة مع المشاهد التي رافقت تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، بما فيها تبادل الأسرى وانسحاب القوات، في صورة بدت وكأنها تؤكد أن الحوار يمكن أن يكون مكسبًا لجميع الأطراف مهما اتسعت الهوة السياسية بينها.
لكن هذا المسار سرعان ما تعثر، تبادل الطرفان الاتهامات بالمماطلة وتوقف تنفيذ ما تبقى من البنود. يقول نوري شيخو الذي مثل الطرف الكردي في الاتفاق: "أُطلق سراح نحو 600 معتقل من الطرفين، لكن المضي في تنفيذ البنود اللاحقة لم يكتمل". ومع استمرار التعثر عاد التوتر ليتصاعد في السادس من تشرين الأول قبل التوصل إلى هدنة هشّة.
ورغم مرور أشهر على تعثر اتفاق الأول من نيسان، يؤكد شيخو أن الطرف الكردي ما يزال متمسكًا بالمضي فيه "لكن فقط على قاعدة تنفيذ جميع البنود دون استثناء"، في إشارة واضحة إلى حالة انعدام الثقة المتنامية بين الجانبين.
حلب.. نموذج مصغّر لسوريا الجديدة
قدّم "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" خلال سنوات الصراع نموذجًا مصغّرًا لما آلت إليه سوريا من سلطات متعددة ومشاريع سياسية متنافسة.
ورغم كل التحولات، ظلّت الأحياء الكردية في حلب تحافظ على استقلاليتها الإدارية والسياسية، وتشكل نموذجًا عن واقع سوريا المتشظي، وحسب مراقبين فهذه التجربة تكشف عجز السلطة المركزية في دمشق عن إدارة التنوع السوري أو كسب ثقة المكونات المحلية بعد سنوات من الصراع.
وبينما تبدو خريطة السيطرة مستقرة نسبيًا، يبقى مستقبل تلك الأحياء مرهونًا بما ستؤول إليه العلاقة بين الطرفين في ظل تضارب المصالح الإقليمية والدولية وتأثيرها على رسم ملامح مستقبل البلاد.
الكلمات المفتاحية

الطبقة.. مدينة السد والمحور الذي تتجاذبه الجغرافيا والسياسة
لا تقتصر أهمية هذه المدينة على كونها ثانية كبريات محافظة الرقة، بل تتعداها إلى موقعها الجيواستراتيجي الفريد وارتباطها بمشروع سد الفرات

خاص "الترا سوريا": مسعود بارزاني يقود مبادرة لدمج "قسد" في الدولة السورية
يقود مسعود بارزاني مبادرة تدعم اندماج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية الموحدة، مقابل عدم بقائها ككيان منفصل

خرائط متغيرة: انسحاب "قسد" من حلب يُعيد رسم معادلات النفوذ شمال سوريا
يأتي قرار الانسحاب في وقت تشهد فيه الخريطة السورية تحولات كبيرة، تفرض إعادة رسم توازنات النفوذ بين القوى المختلفة

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


