ultracheck
مجتمع واقتصاد

الأرض والهوية في مواجهة الجفاف.. حكاية الفلاحين في شمال شرقي سوريا

26 سبتمبر 2025
الأرض والهوية
راعي أغنام يرعى قطيعًا في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا (GETTY/الترا سوريا)
هيلين علي
هيلين علي صحافية سورية

في شمال شرقي سوريا، لا تمثل الزراعة مجرد مصدر رزق، بل هي امتداد لهوية السكان وذاكرة مشتركة تتوارثها الأجيال. مع نهاية أيلول/سبتمبر الجاري، تعود أصوات المحاريث إلى الحقول، وتتساقط البذور في التربة العطشى بعد مواسم طويلة من الجفاف. فالأرض هنا ليست مجرد وسيلة للعيش، بل رابط يجمع السكان بالماضي ويستمر في تشكيل هويتهم الثقافية.

"كنا ننتظر المطر كمن ينتظر ضيفًا عزيزًا، لكنه غاب عن مواسم كثيرة"، يقول كمال حسن، فلاح من الدرباسية لموقع "الترا سوريا". وأضاف: "نبدأ كل خريف بالأمل، ولو تكرر الجفاف. الأرض ليست فقط مصدر رزقنا، بل ما يبقينا مرتبطين بتاريخنا وثقافتنا".

الحقول تحت الجفاف.. القمح بين الخسارة والهوية

تواجه مساحات القمح في شمال شرقي سوريا تحديات غير مسبوقة، مع تراجع ملموس في الأراضي المزروعة خلال السنوات الأخيرة. انخفاض الإنتاج ناتج عن الجفاف المتكرر وارتفاع تكاليف البذار والمستلزمات الزراعية، إذ تأثر القمح البعل بشكل واضح ويواجه جزء كبير منه خطر الخسارة شبه الكاملة، بينما من المتوقع أن يكون إنتاج القمح المروي أقل بنسبة تتراوح بين 30 و40% مقارنة بالمواسم السابقة، ما يثير مخاوف من فجوة غذائية محتملة في الإنتاج المحلي.

تراجع المساحات المزروعة لا يقتصر على الخسارة الاقتصادية، بل يعكس أيضًا تغيّرًا في الإيقاع الزراعي والحياة الاجتماعية. فالتجمعات العائلية في الحقول باتت أقل، والمشاركة الجماعية في الأعمال الموسمية تراجعت، لتصبح الطقوس التي كانت جزءًا من الموسم الزراعي مجرد ذكريات تُحكى أكثر مما تُمارس. ومع ذلك تبقى هذه المواسم جزءًا من هوية السكان ورمزًا للصمود.

"الذهب الأبيض" بين الجفاف والتحدي

لم يسلم القطن، المعروف بـ "الذهب الأبيض"، من تأثيرات الجفاف وارتفاع التكاليف. فرغم تخصيص آلاف الدونمات لزراعته هذا الموسم في الحسكة والرقة، لم تُزرع سوى نسبة قليلة، ما جعل الحقول أقل بياضًا من المواسم السابقة.

في شمال شرقي سوريا، لا تُمثّل الزراعة مجرد مصدر رزق، بل هي امتداد لهوية السكان وذاكرة مشتركة تتوارثها الأجيال؛ فالأرض هنا تشكّل رابطًا يجمعهم بالماضي

يُقدّر الفلاحون أن الإنتاج تراجع بشكل حاد قد يصل في بعض المناطق إلى أكثر من نصف ما كان عليه سابقًا، بسبب حاجته إلى الري المتكرر وتراجع منسوب المياه الجوفية وانخفاض تدفق الفرات. تكاليف البذار والأسمدة والمحروقات تجعل المخاطرة بالقطن أكبر، حتى أن بعض العائلات تخلت عنه لصالح محاصيل أقل تكلفة وأخف طلبًا على المياه.

الطقوس الموسمية.. صمود الأرض والإنسان

مع أواخر أيلول/سبتمبر الجاري، يبدأ الفلاحون بحراثة الأرض وبذر القمح الشتوي في طقس موسمي كان يُعد مناسبة اجتماعية يشارك فيها الأقارب والجيران. اليوم، ومع ارتفاع تكاليف الزراعة وتراجع المشاركة الجماعية، اختفت بعض هذه التجمعات وأصبح العمل أكثر مشقة، لكنه ما زال يحمل بعدًا رمزيًا.

"نبدأ بتحضير الحقول عبر تنظيف الأرض من الأعشاب، الحراثة، وتمشيط التربة لتسويتها قبل توزيع البذار. الأعمال لم تعد كما في السابق، فقد خفت المشاركة الجماعية وأصبح العبء على الأسرة أكبر"، كما يوضح كمال حسن. وأضاف: "المطر أصبح نادرًا، والجفاف أجبر بعض الفلاحين على ترك أراضيهم أو تقليص المساحات المزروعة. البذار والسماد والمحروقات تكلف كثيرًا، وأحيانًا تكون المصاريف أكبر من العائد إذا لم تمطر".

أغاني الحصاد وأمثال الأجداد

كانت الحقول سابقًا مسرحًا للطقوس الموسمية التي تجمع الفلاحين وتعيد إحياء الأغاني والأمثال الشعبية. يقول حسن: "في المواسم القديمة كنا نغني أثناء الحصاد أو تحضير الأرض للبذر، فالأغاني تقوي الروح وتخفف عنّا عناء العمل الطويل وتعلّم الأطفال الصبر".

كانت الحقول سابقًا مسرحًا للطقوس الموسمية التي تجمع الفلاحين وتعيد إحياء الأغاني والأمثال الشعبية. يوضح حسن لـ"الترا سوريا": "في المواسم القديمة كنا نغني أثناء الحصاد أو تحضير الأرض للبذر، فالأغاني تقوي الروح وتخفف عنّا عناء العمل الطويل وتعلّم الأطفال الصبر".

ورغم تراجع المشاركة، لا تزال بعض العادات الرمزية حاضرة: "السنابل المتشابكة تصنع الحصاد الكبير.. ومن زرع يقطف ومن ترك الأرض يعاني"، عينة من أمثال يتوارثها الفلاحون لتعليم الصبر وقيمة العمل.

الزراعة وتربية الحيوانات: تكامل اقتصادي

في ريف ديرك، يؤكد عبد العزيز سليمان لـ"الترا سوريا" أن الزراعة جزء لا يتجزأ من الاقتصاد اليومي. يقول: "الزراعة ليست مصدر رزق فقط، بل أساس حياتنا اليومية؛ القمح والحبوب تُغذّي الأسرة أولًا وتُستخدم لإطعام الحيوانات التي نعتمد عليها في الحليب واللحوم". 

ويضيف: "نزرع القمح والبرسيم لتوفير العلف، ونستفيد من بقايا الحصاد لتغذية الحيوانات خلال الشتاء. هذا يضمن استمرار الإنتاج الحيواني ويخفف من تكاليف شراء الأعلاف الجاهزة؛ بعض العائلات اضطرت لبيع جزء من قطيعها بسبب نقص الغذاء، وهذا يضغط على مستوى المعيشة، ويجعل الزراعة وتربية الحيوانات متشابكتين أكثر من أي وقت مضى".

 الأرض كهوية متجذّرة

في القامشلي ودرباسية، نُظّمت ورش مدرسية لتعريف الأطفال بأساسيات الزراعة، وبعض النساء يواصلن تعليم الفتيات خبز القمح في التنور. كما تُقام أيام عمل جماعي لحراثة الحقول أو تنظيفها، في محاولة لإحياء روح التضامن التي رافقت الزراعة لعقود. هذه المبادرات، رغم بساطتها، تحمل قيمة رمزية كبيرة إذ تُبقي الرابط مع الماضي قائمًا، وتمنح الجيل الجديد فرصة للتعرف على الأرض خارج حسابات الربح والخسارة.

مع كل بذرة تُلقى في التراب، يتجدد سؤال الفلاحين: هل يمنحهم الموسم القادم ما افتقدوه؟ خلف هذا القلق، يظل القمح والشعير والقطن أكثر من محاصيل اقتصادية؛ إنها مرآة لهوية ضاربة في الجذور. برائحة خبز التنور التي تعم البيوت، وبذكريات مواسم القطن الأبيض التي يرويها الكبار، يتضح أن الزراعة ليست مهنة عابرة، بل نسيج حياة وصمود يربط الأجيال بالأرض، مهما اشتد الجفاف وتقلبت الأزمنة.

الكلمات المفتاحية

أسواق إدلب

أسواق إدلب قبل رمضان 2026.. موجة غلاء غير مسبوقة تضرب المواد الأساسية

تشهد أسواق محافظة إدلب موجة غلاء واسعة وغير مسبوقة طالت معظم المواد الغذائية الأساسية، مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك


سوق الألبسة

أسواق سوريا قبل رمضان 2026.. ركود في الألبسة وإقبال على المواد الغذائية

بين محاولات التجار تحريك السوق بالعروض، وترقب المواطنين لأي انفراج في الأسعار، تبقى حركة الشراء مرهونة بتحسن القدرة الشرائية وحدوث انفراجة في الأوضاع الاقتصادية


دائرة صحة أعزاز

عودة صحة أعزاز للخدمة بعد الإضراب.. ومديرية حلب توضح مسار الدمج مع الوزارة

بين عودة الكوادر الصحية في أعزاز للعمل بعد الإضراب، وحديث المديرية عن إجراءات إدارية قيد الاستكمال، يبقى ملف الدمج وصرف الرواتب معلّقًا بانتظار الموافقات المركزية


نفايات إدلب

النفايات في إدلب.. مورد عيش محفوف بمخاطر صحية

دفع الفقر وغياب فرص العمل عشرات الأشخاص إلى العمل في قطاع النفايات غير المنظم، حيث تتحكم الحاجة اليومية بقواعد العمل، لا القوانين ولا معايير السلامة

سوق الألبسة
مجتمع واقتصاد

أسواق سوريا قبل رمضان 2026.. ركود في الألبسة وإقبال على المواد الغذائية

بين محاولات التجار تحريك السوق بالعروض، وترقب المواطنين لأي انفراج في الأسعار، تبقى حركة الشراء مرهونة بتحسن القدرة الشرائية وحدوث انفراجة في الأوضاع الاقتصادية

المنشآت الرياضية
منوعات

بين منشآت متهالكة وملاعب طينية… من يتحمّل مسؤولية تراجع البنية التحتية الرياضية؟

مدربون ومختصون يكشفون لـ"الترا سوريا" واقع المنشآت والملاعب الرياضية في سوريا، بين اعتراف بحجم التراجع وترقب حذر لمحاولات المعالجة الجارية


الخروج إلى البئر
منوعات

"ميتافورا" تطرح الإعلان الترويجي لمسلسل "الخروج إلى البئر".. عمل درامي يستعيد أحداث صيدنايا

يظهر في المقطع الفنان جمال سليمان بشخصية سلطان الغائب، وهو سجين سابق في "سجن صيدنايا"، قاتل في العراق ضد الاحتلال الأميركي قبل أن يقع في قبضة النظام السوري

بنت النعمان
منوعات

"بنت النعمان".. عمل كوميدي يجمع محمد أوسو وريام كفارنة في رمضان

تتناول حلقات المسلسل المتصلة المنصلة مواقف يومية تعكس تفاصيل الحياة وهمومها، بروح ساخرة ولغة قريبة من الجمهور

الأكثر قراءة

1
أخبار

إمساكية رمضان 2026 في سوريا


2
عدالة انتقالية

"قيصر" يوجه رسالة لصنّاع الدراما: المآسي ليست فرصة للشهرة أو لتلميع ماضٍ مثير للجدل


3
أخبار

750 ألف منتج دموي احتياج سوريا السنوي.. وبنوك الدم تعوض النقص تدريجيًا


4
أخبار

أستراليا تمنع عودة أحد مواطنيها من سوريا وتؤكد: لن نعيد عائلات "داعش"


5
سياسة

"الترا سوريا".. عام في المشهد ومع الناس


advert