الإعلام في سوريا الجديدة: من البروباغندا إلى رواية الناس العاديين
26 نوفمبر 2025
على امتداد أكثر من عقد من الصراع، كان المشهد الإعلامي في سوريا واحدًا من أكثر الساحات تعقيدًا وتشابكًا. فمنذ اللحظة الأولى لانفجار الحرب، بدا الإعلام ساحة موازية للميادين العسكرية، تُدار فيها معارك الرواية والشرعية وصناعة الذاكرة. خلال السنوات الأولى، سادت لغة البروباغندا بأشكالها كافة: روايات رسمية أحادية، ومنظومات معارضة تعتمد خطابًا تعبويًا، ووسائل إقليمية ودولية تستخدم الساحة السورية كساحة نفوذ تتلاعب فيها بالسردية بما يخدم مصالحها.
لكن مع انحسار الحرب واستعادة الدولة مساحات واسعة من الجغرافيا السورية، ومع دخول البلاد في مرحلة مختلفة تُوصف بـ"ما بعد التحرير"، ظهر تدريجيًا مشهد إعلامي جديد، يحمل ملامح التحوّل من مركزية البروباغندا إلى فسحة أوسع لروايات الناس العاديين. هذا التحول لم يكن سهلًا، ولا مكتملًا، لكنه بدا واضحًا من خلال بروز أصوات مدنية مستقلة، ومبادرات إعلامية محلية، ومنصات رقمية ناشئة تسعى إلى تقديم سردية مختلفة أكثر قربًا من التفاصيل اليومية لحياة السوريين.
إرث البروباغندا وتحولات الوعي
خلال الحرب، كان الخطاب الإعلامي الرسمي يركز على محورية "الحرب على الإرهاب"، وعلى سردية الصمود والدفاع عن الدولة. هذه السردية أنتجت مشهدًا إعلاميًا يقوم على التجييش لا على التحليل، وعلى الغايات السياسية لا على المعرفة.
لكن ومع السنوات الطويلة، تعرّف الناس على حقيقة المشهد أكثر مما أرادت أي آلة إعلامية تقديمه لهم. صارت معاناة الأسر، والتهجير، وفقدان الأمن الاقتصادي، وتغيّر البنى الاجتماعية، حقائق لا يمكن تغطيتها بخطاب يكتفي باستحضار الشعارات أو المقولات الوطنية أو الثورية. هنا بدأ التحول: الناس أنفسهم صاروا يبحثون عن روايتهم الشخصية، التي لم يجدوا لها مكانًا في الإعلام التقليدي.
ومع انتهاء المعارك في مناطق واسعة، ظهرت فجوة كبيرة في التغطية الإعلامية لما يجري في الداخل السوري. الصحفيون التقليديون كثير منهم غادر، والقنوات الرسمية لم تتغير بالشكل المطلوب، والإعلام الخارجي لم يعد مهتمًا كما كان. هذه الفجوة فتحت الباب لظهور إعلام محلي، في البداية على شكل مبادرات فردية: شاب يوثق إعادة افتتاح مدرسة مهدمة، فتاة تصنع محتوى عن صعوبات التنقل بين المدن، مجموعة طلاب تنشئ صفحة إخبارية عن مشكلات الخدمات.
ما بدأ كاجتهادات متواضعة، تحوّل تدريجيًا إلى ظاهرة إعلامية جديدة: إعلام مدني مستقل، يعتمد على الوسائط الرقمية، ولا يرتبط بخطاب رسمي أو تيارات سياسية. هذا النوع من الإعلام يقدم "الروايات الصغيرة": قصة عائلة تبحث عن بيت، مزارع عاد إلى أرضه بعد سنوات نزوح، مقهى افتتح في مدينة عادت إليها الحياة، أو حتى تقارير عن أزمات يومية كالخبز والكهرباء والمياه أو من أجل توثيق ما لا يوثقه الإعلام الرسمي.
يقول حسن المختار: "إن الأصوات المنفردة التي برزت أيام الحرب واليوم بعد التحرير هي الأكثر مصداقية وحيادية، فهي لا تملك أجندات. هي تدافع عن وجودها بالتوثيق ورصد الانتهاكات دون ممول يحمل أجندة ما كما أنها لا ترفع شعارات كبرى، ولا تبحث عن الاصطفاف. إنها ببساطة أصوات الناس العاديين، الذين أصبحوا أكثر جرأة في الحديث عن حياتهم وواقعهم".
تحول أدوات العمل الإعلامي
قبل الحرب، كان الإعلام السوري قطاعًا تقليديًا وبطيئًا، يعتمد على المؤسسات الكبرى والقنوات الرسمية والصحف الورقية. ومع انطلاق التكنولوجيا خلال سنوات الحرب، تغيّر كل شيء: الهواتف الذكية صارت كاميرات متنقلة، ومنصات التواصل أصبحت فضاءً للنقاش العام، والبث المباشر صار أداة أساسية في توثيق الأحداث.
المواطنون الذين كانوا مجرد مستقبلين للمعلومة، صاروا منتجين لها. ظهر ما يمكن تسميته بـ"الصحافة الشعبية" أو "المواطن المراسل"، ومع الوقت تطورت التجارب لتصبح أكثر احترافًا. كثير من صانعي المحتوى اليوم لديهم ألفة مع تقنيات المونتاج، وإنتاج الفيديو القصير، وتحرير الصوت، بل وكتابة النصوص الصحافية بلغة واضحة وبسيطة.
هذا التحوّل التقني جعل الإعلام الجديد أقل كلفة، وأكثر تنوعًا، وأقرب إلى الناس من الإعلام التقليدي.
التحرر التدريجي من الرقابة
لا تزال الرقابة حاضرة في سوريا بشكل أو بآخر، لكن مشهد ما بعد الحرب جعل تطبيقها أصعب. فالتنظيم التقليدي للرسالة الإعلامية لم يعد قادرًا على احتكار المعلومة كما في السابق. منصات التواصل باتت تتجاوز أي قيود، والمبادرات الصغيرة تعمل من خارج أطر السيطرة الكاملة.
يقول الصحفي وليد الأعور: "هناك اليوم مساحات أكبر للتعبير، حتى لو بقيت محدودة. انتقادات الخدمات العامة، والنقاشات حول الفساد المحلي، وتغطية المشكلات في البلديات، صارت أكثر انتشارًا وعلنية. لم تعد بعض الموضوعات محرمات إعلامية كما كانت".
ويضيف: "أعمل كصحفي منذ زمن وأكتب في مواقع إلكترونية أجنبية عديدة. إذا ما أردت أن أعرف خبرًا عن سوريا أذهب إلى "الصحافة الفردية" فصورة طفل نائم جوار حاوية قمامة أبلغ بكثير من أخبار رسمية وغير رسمية لتبلغنا عن الحال الذي وصلت إليه البلاد. ثم إن خبرًا عن طفل شارد دون مأوى أو عن قتيل مرمي على طرف الطريق العام أو عن ارتفاع أسعار الخبز لا ترويه لنا المحطات الرسمية وغيرها. بل الصحافة الفردية".
إن هذا التحول، رغم أنه تدريجي ومتفاوت بين منطقة وأخرى، خلق بيئة جديدة لحرية التعبير النسبية.
دور الجيل الجديد في صياغة المشهد
الجيل الذي عاش المراهقة خلال الحرب، يدخل اليوم سوق العمل، وبينهم عدد كبير اختار الإعلام الجديد كمساحة للتعبير. هؤلاء لم يتربّوا على الإعلام التقليدي، بل على "تيك توك" و"إنستغرام" و"يوتيوب". لغتهم مختلفة: سريعة، بصرية، وتعتمد على المشاهد القصيرة والسرد الشخصي.
هذا الجيل نقل خطاب الإعلام من لغة البيانات والتصريحات إلى لغة الحياة اليومية. تقارير عن الأسواق، مقابلات مع أصحاب الورش، قصص من شوارع المدن. كل هذا أصبح جزءًا من السردية الجديدة لسوريا ما بعد الحرب.
ورغم كل هذا التطور، يواجه الإعلام الجديد عقبات كبرى: غياب التمويل المستقل، محاولات بعض الجهات السياسية استيعاب أو احتواء المبادرات الناجحة، ضعف التدريب المهني، الخوف من تجاوز الخطوط الحمراء، إضافة إلى صعوبات تقنية واقتصادية.
يقول الصحفي وسام جذبة: "إن بعض المنصات الجديدة قد تقع في فخ الإثارة أو الانحياز، ما يجعل بناء إعلام مهني مستقل تحديًا شاقًا في بيئة ما تزال هشّة".
إن المشهد الإعلامي السوري اليوم ليس مثالياً، ولا يمكن القول إنه خرج تمامًا من لعبة البروباغندا. لكنه يتغير. هناك تحوّل واضح نحو رواية الناس لأنفسهم، نحو سردية أكثر إنسانية، وأقل صخبًا.
الإعلام الجديد لا يزعم أنه محايد، لكنه أقرب إلى الواقع، لأنه ببساطة يأتي من قلب الحياة اليومية. وربما يكون هذا التحول أهم إنجاز إعلامي بعد الحرب: أن يعود صوت الناس إلى الواجهة، وأن تتشكل ذاكرة جماعية أكثر صدقًا وتنوعًا، بعيدًا عن الشعارات الكبرى.
الكلمات المفتاحية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا
الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

شخص واحد في منصبين متعارضين.. قرار وزارة العدل يثير الجدل في الأوساط الحقوقية
أصدر وزير العدل القرار رقم 348، والذي يقضي في مادته رقم 4، بتعيين حسن الأقرع رئيسًا للنيابة العامة العسكرية في حمص، ورئيسًا للمحكمة فيها، ما يعد مخالفة للمبادئ القانونية

انضمام سوريا لاتفاقية "منع الجرائم ضد الإنسانية" وانعكاسه على مسار العدالة الانتقالية
انتخبت سوريا بالتزكية نائبًا لرئيس مكتب اللجنة التحضيرية الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني باتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


