الإعلام في سوريا اليوم.. سقف مرتفع أم سيطرة بأدوات جديدة؟
13 نوفمبر 2025
برز في الأيام الأخيرة قولان متناقضان، الأول لوزير الإعلام السوري حمزة المصطفى حيث أكد أنه "بالنسبة لنا كسوريين، فإن هامش الحرية يعد أحد أبرز مكتسبات ثورة 2011، لذلك نسعى اليوم لترسيخ هذه الحرية من خلال تنظيم العمل الإعلامي، بما يسمح بالاستثمار أكثر فأكثر في حرية الصحافة". والآخر للممثل فراس إبراهيم الذي أكد في مقابلة صحفية أن الخطر مازال موجودًا على من ينتقد السلطة، ليس من السلطة بشكل مباشر، ولكن من جمهورها.
فهل ما نراه اليوم في سوريا هو حرية إعلامية أم فوضى إعلامية موجهة، وهل تم رفع سقف الحريات، أم أن أساليب السيطرة والخطاب الإعلامي الواحد تكيفت مع مقتضى الواقع الجديد، واتخذت أشكالًا أشد خطورة؟
تحولات جذرية أم تحسينات سطحية
حسب "رويترز" تعرض المشهد الإعلامي السوري لتحول جذري عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، والإعلان الدستوري الذي تضمن تأكيدًا على حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر. وقد أدى ذلك إلى مكاسب متواضعة، إذ صعدت سوريا من المركز 179 إلى المركز 177 في مؤشر حرية الصحافة العالمي لمنظمة مراسلون بلا حدود لعام 2025.
ومع ذلك، فإن هذه التحسينات كما يراها كثيرون سطحية وغير متكافئة، إذ لا تزال السيطرة قائمة من خلال سردية واحدة جديدة تتمحور حول رؤية الحكومة الانتقالية لمواضيع مصيرية كـإعادة الإعمار والوحدة الوطنية، حيث تُفرض من خلال الوصول الانتقائي، ومعارك التضليل، والإرث المؤسسي من عهد الأسد.
وحسب الإعلامي والمخرج المسرحي، بلال. ط، فـإن "السيطرة على الإعلام مستمرة وما يظهر من حرية هي غالبًا شكلية. الرقابة أصبحت أقل وضوحًا لكنها موجودة".
ويضيف بلال: "الحرية موجودة بشكل محدود على الإنترنت ووسائل التواصل وغالبًا في مواضيع اجتماعية أو خدمية وليس في السياسة".
ويصر بلال على أن "الحرية الإعلامية لم تتحسن بعد الأسد، وإنما تغيرت طرق السيطرة فقط، بعض النقاشات الصغيرة مسموح بها لكن الأمور الحساسة بقيت مقيدة".
ويؤكد الناشط في المجال الإنساني جهاد. أ. ب أن "الإعلام في هذه الفترة هو أداة تستخدم لتبرير الأحداث وجعل المتلقي مجبرًا على قبول كل ما يحدث وبطريقة سلسة". ويعتقد جهاد أن إعطاء حرية أكبر يصب في هذا الهدف، فتكلفة الحرية الإعلامية، أقل من تكلفة معارضة المتلقي للخبر.
ويؤطر طالب الدراسات العليا في كلية الإعلام حسن نصر المسألة بقوله: "لا يمكن وصف ما يجري في الوسط الإعلامي حاليًا بأنه حرية الإعلام، حرية الإعلام لا تعني فقط عرض معلومات بل يجب أن تكون صحيحة لا تخدم جهة معينة".
ويضيف نصر: "المشهد الإعلامي في سوريا ما يزال يعاني من ضعف في رسم أطره وتحديدها، كما أنه لا يمكن اقتصار حرية الإعلام على بعض منشورات هواة على وسائل التواصل الاجتماعي. والحرية الإعلامية تتضمن حرية البحث عن المعلومات والحصول عليها وعرضها دون وجود تأثير من أي طرف، وهذه العناصر لا نجدها متاحة اليوم بشكلها الصحيح".
ويجادل حسن بأن الحرية الإعلامية لم تتحسن ولكن أصبح هناك موجات رأي ونقد كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب غياب الرقابة حاليًا وربما مع الوقت تعود الرقابة.
كما ينتقد الكثير من المراقبين اتخاذ إعلاميي السلطة قول الرئيس أحمد الشرع بأنّ "الأصوات المعارضة" قيّمة إذا كانت بنّاءة، وأنّ النقد يجب أن يكون ضمن " قوانين واضحة" للمصلحة العامة، ذريعة لكيل الاتهامات لكل من يعارضهم بالرأي، ويظهر هذا جليًا في الحوارات التي تجريها وسائل الإعلام المحسوبة على السلطة.
ويؤكدون أن بعض وسائل الإعلام السورية والعربية تحظى بمعاملة تفضيلية، بينما يُواجه الصحفيون المستقلون أو الناقدون للحكومة رفضًا في المؤتمرات الصحفية.
ولكن من جهة أخرى يجادل آخرون أن هناك بوادر انفتاح مهمة، كاحتضان سوريا اليوم لمئات المراسلين السوريين والدوليين في دمشق وخارجها، في تناقض صارخ مع نظام "المرافقة" الذي كان يتبعه النظام السابق. كما استأنفت وسائل إعلام كانت محظورة عملها، مع التركيز على المساءلة عن الفظائع الماضية.
مزيد من الحرية أم أدوات سيطرة جديدة
تُتهم الصحافة الغربية بأنها تتجاهل إصلاحات الحكومة وأن الصحفيين الأجانب غالبًا ما يُعيدون تدوير الصور النمطية "الاستشراقية".
وفي هذا السياق ذكرت التقارير أن أكثر من 3 ملايين مقالة تشهيرية استهدفت الحكومة منذ كانون الثاني/ يناير، مما زاد من حدة الشكوك العالمية.
بينما ترى العديد من هذه الوسائل أن الحكومة الانتقالية اعتمدت "نموذجًا هجينًا" للتحكم في المعلومات يمزج الرقابة القديمة بالتلاعب الرقمي الجديد، حيث اعتمدت على "الرقابة الناعمة"، كاستقطاب الصحفيين من خلال الحوافز والوصول إلى المعلومات، والرقابة الذاتية بدلًا من القمع العلني. كما شجعت "الدعاية الرقمية" عبر استخدام "نشطاء" وسائل التواصل الاجتماعي، والروبوتات، والحملات المُنسقة. وفي هذا السياق يُروّج النظام لـ"المؤثرين" والمدونين الموالين للحكومة الذين يُصوّرون الولاء على أنه "رأي عام"، وهو شكل جديد وأكثر دقة من التحكم في السرد، واعتماد تقنية "إرهاق المعلومات" عبر إغراق الفضاءات الإلكترونية بمحتوى ضعيف المصداقية لطمس الفروق بين الحقيقة والدعاية. بالإضافة لنقل نظام الرقابة إلى الإنترنت، حيث توضع صفحات فيسبوك، وقنوات تيليغرام، ومحتوى يوتيوب وخاصة المعارضة منها تحت المجهر دومًا.
بينما بقي أسلوب "السرد والتأطير" القديم مطبقًا حتى اليوم، حيث يقدم التلفزيون والصحف الحكومية الأحداث من خلال "سردية مُوالية للحكومة" وتُؤكّد على السيادة والاستقرار وإعادة الإعمار. فيما لا يزال النقاش النقدي حول الفساد أو صفقات إعادة الإعمار أو انتهاكات حقوق الإنسان "محظورًا أو مُقيّدًا".
ويرى بلال. ط أن الوعود التي أطلقتها الحكومة السورية بما يخص حرية الإعلام بقيت حبرًا على ورق، فالتوجهات الجديدة لم تعط الحرية وإنما أعطت الدولة أدوات رقابة مختلفة.
بينما رأى جهاد أن "الإعلام الحالي الناطق باسم الحكومة محترف، وبشدة، في تكوين رأي عام لصالح هذه الحكومة، حتى في أصعب القضايا الحياتية التي تمس المواطن السوري".
ويقول حسن: "بما أن وسائل الإعلام تسيطر عليها الحكومات فهي إعلام حكومي". ويرى أن "نعطي الإعلام الوقت الكافي ليأخذ الشكل المنشود، فلا يمكن وصف الإعلام السوري اليوم بالمحترف لعدة أسباب، أولها أنه في مرحلة جديدة لا يستطيع أن يكون نفسه في ليلة وضحاها، وأن يحدد أطره وأسلوب عمله، كما أن البنية التحتية ضعيفة إضافة إلى أن الكوادر بحاجة إلى تدريب بشكل كبير لترتقي في الأسلوب والعمل وتخرج عن التقليد لوسائل أخرى".
وفي هذا السياق، يرى مهتمون أن المشاكل الاقتصادية تفاقم هذا الوضع، إذ "تفتقر وسائل الإعلام التقليدية إلى الاحترافية، مما يفرض الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي غير الموثوقة". ويلاحظون أن "عزوف المثقفين من الإعلاميين وغيرهم عن المشاركة في الحياة السياسية والإعلامية السورية ترك المجال مفتوحًا للمتملقين وأشباه المثقفين والوصوليين الذي ركبوا هذه الموجة كما ركبوا الموجة التي قبلها".
الكلمات المفتاحية

أرشيف الموت السوري: أدلة مصوّرة جديدة تكشف اتساع جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون نظام الأسد
يكشف التقرير أرشيفًا مسرّبًا يضم عشرات آلاف الصور التي توثّق تعذيب وقتل معتقلين داخل السجون خلال حقبة نظام الأسد

"ضد مجهول".. عائلات مئات الضحايا تنتظر الإنصاف من الحكومة
ليس هناك إحصاءات دقيقة لنوع وعدد الجرائم المسجلة "ضد مجهول" في سوريا منذ سقوط الأسد

وجود النساء في الأجهزة الأمنية.. وجه آخر للعدالة
فتحت وزارة الداخلية أمام النساء باب الانتساب إلى قوى الأمن الداخلي، عبر الالتحاق بمعهد الشرطة النسائية، ما يكسر الصورة النمطية للمرأة في مجالات محددة

حملة "16 يومًا" تناهض العنف ضد النساء وتدعو لمواجهة امتداداته الرقمية والاجتماعية
توحد حملة "16 يومًا" جهود القانونيينات والإعلامييات والمختصات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء وتعزيز حمايتهن

علاج بعيد المنال: قصص مرضى دير الزور تكشف حجم الانهيار في الخدمات الطبية
يعاني سكان دير الزور من أزمة صحية جعلت العلاج رفاهية بعيدة المنال في ظل تراجع الخدمات الطبية

أرشيف الموت السوري: أدلة مصوّرة جديدة تكشف اتساع جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون نظام الأسد
يكشف التقرير أرشيفًا مسرّبًا يضم عشرات آلاف الصور التي توثّق تعذيب وقتل معتقلين داخل السجون خلال حقبة نظام الأسد

من العدّاد إلى الألواح: الدمشقيون يهربون من فاتورة الكهرباء إلى الطاقة الشمسية
ارتفاع أسعار الكهرباء يدفع الدمشقيين للتحول السريع إلى الطاقة الشمسية وتعديل عاداتهم المنزلية بحثًا عن استهلاك أقل


