الاستثمارات الأجنبية.. وعود كبيرة تعيقها العقوبات والبيروقراطية وضعف البيئة القانونية
18 نوفمبر 2025
بعد عقود من العزلة الاقتصادية وعودة سوريا إلى الساحة الدولية كشريك استراتيجي لدول عدّة، ومع بقاء جزء كبير من العقوبات المفروضة على دمشق، يبرز ملف الاستثمارات الأجنبية كأحد المفاتيح الحيوية لإعادة الإعمار وتحفيز النمو. وبينما تتجه الأنظار نحو المستقبل المزدهر الموعود، يترقب السوريون استثمارات نوعية تنهض بالواقع الاقتصادي وتنعكس إيجابًا على تفاصيل حياتهم اليومية.
استثمارات انتقائية
الباحث المتخصص في قضايا الاقتصاد الكلي والاقتصاد المجتمعي، عبد العظيم المغربل، يقول لموقع "الترا سوريا" إن الفرص الاستثمارية في ضوء المعطيات الراهنة تبدو انتقائية ومحدودة وتتركّز في قطاعات تستقبل قدرًا كبيرًا من العمالة، يمكنها أن تكفي حاجة الأسواق وتعمل على التصدير، كالتصنيع الغذائي والدوائي لإحلال واردات، ومشاريع الخدمات الرقمية والتكنولوجية، إلى جانب محطات توليد الكهرباء الكبيرة.
ويشير المغربل إلى عوامل تحفّز دخول رأس المال الخارجي، تتمثّل في ضمانات قانونية قابلة للتحكيم الدولي، إلى جانب استقرار سعر الصرف وحرية تحويل الأرباح، ووجود قنوات مصرفية موثوقة، وحوافز ضريبية مشروطة بالتصدير والتوظيف ونقل التكنولوجيا، إضافة إلى ضمان التزويد المنتظم بالطاقة والخدمات الأساسية.
تحديات تواجه الاستثمارات الأجنبية
وفي الوقت الذي تتعدد فيه فرص الاستثمار داخل سوريا في مجالات متنوعة كالطاقة والقطاعات الزراعية والصناعية وغيرها، يبدو أن الطريق متعثرة، فالواقع السوري مليء بالتحديات.
الباحث الاقتصادي في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، مناف قومان، يتحدث عن جملة من التحديات التي تواجه الاستثمارات الأجنبية في سوريا، والتي يعتبر بعضها مصدره خارجي، وهو العقوبات التي ما زالت مفروضة على سوريا. إذ رغم رفع بعض العقوبات إلا أن "قانون قيصر" ما يزال يحدّ من تدفق الأموال والاستثمارات الأجنبية، من خلال الامتثال الزائد للبنوك والمؤسسات المالية الخارجية في التعامل مع سوريا، وهو ما يغلق أهم قناة لتدفق الأموال المعروف بـ"نظام سويفت".
ويشير قومان في حديثه لـ"الترا سوريا" إلى عدد من التحديات الداخلية التي تعيق الاستثمارات الأجنبية، بعضها اقتصادي مرتبط بالمؤسسات المالية المحلية، التي يتطلب منها أن تمتثل لإجراءات مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال ومواكبة أحدث الإجراءات والسياسات التي تعمل بها البنوك الخارجية.
ويرى الباحث الاقتصادي أن بيروقراطية الإجراءات التي ما زالت معتمدة في المؤسسات السورية، وأهمها قانون الاستثمار نفسه، تشكّل عائقًا أمام الاستثمار الأجنبي، إذ ما زالت النظرة الخارجية لقانون الاستثمار السوري على أنه لا يواكب حركة التمويل العالمية المطلوبة وحركة إعادة الإعمار التي تحتاجها سوريا اليوم. ويضيف أن استقرار سعر صرف الليرة أمام الدولار يشكّل عاملًا مشجعًا بينما تذبذب سعر الصرف يبدو منفّرًا للاستثمار الأجنبي، على حدّ تعبيره.
ويتطرق قومان إلى تحديات حساسة تهمّ المستثمر الأجنبي، أولها البيئة العامة، فعلى الرغم من تجاوز عقبات كثيرة خلال التسعة أشهر الماضية، إلا أن المستثمر الأجنبي لديه مؤشرات خاصة به يبني قراراته عليها في دخول السوق السوري والاستثمار داخل سوريا، فالبيئة الآمنة تعدّ عاملًا أساسيًا إلى جانب طريقة تعاطي الحكومة السورية ومقاربتها مع المشاكل الأمنية، وطريقة تعاملها مع الأصوات المعارضة أيضًا.
ويضيف أن ذلك يرتبط بالاستقرار السياسي، الذي ما زلنا في طوره، بنظر المستثمر الأجنبي. وبحسب قومان، في ظل المرحلة الانتقالية ما زالت تُطرح أسئلة حول العملية السياسية وشكل الحكم في المستقبل والدستور ودور مجلس الشعب في هذا الإطار.
ويقول قومان إن المستثمر الأجنبي ينظر أيضًا إلى النواحي الإدارية كالفترة التي سيستغرقها للحصول على ترخيص، وهل سيتطلب منه التعامل مع جهة واحدة أم إجراءات معقّدة مع جهات حكومية عدّة، وهل هناك فساد في تسيير الإجراءات، وماذا عن التسهيلات الممنوحة لتذليل الصعوبات.
ويشير قومان إلى مسائل ربما تكون مشجعة للمستثمر الأجنبي، مثل الميزة التنافسية للاستثمار في سوريا بالمقارنة مع دول الجوار، وتلك المتعلقة بكيفية التعامل مع القانون الضريبي، فهل ستكون الضرائب مريحة أم هناك تعدد ضريبي؟ لافتًا إلى أنها تفاصيل تؤثر على قرار المستثمر الأجنبي.
تحديات اقتصادية وقانونية
يشير الخبير المصرفي والاقتصادي، عامر شهدا، إلى جملة من التحديات المتعلقة بالجانب الاقتصادي والقانوني. يوضح لـ"الترا سوريا" أنه بالنظر للواقع السوري، ما زال الاقتصاد منهكًا والقوانين لا تتماشى مع متطلبات التقدم العالمي، ما يحتاج توفير بيئة قانونية عادلة، سريعة، وفعالة لجذب الاستثمار.
ويرى شهدا أن سوريا لا تزال تعاني من الفساد الإداري بشكل متصاعد، والبيروقراطية ما زالت قائمة، نتيجة عدم تعديل القوانين والسياسات الخاصة بالمؤسسات الحكومية، في ظل غياب برامج حقيقية لحماية الملكية والتي تعد من أساسيات جذب الاستثمار.
ويعتقد شهدا أن الاستقرار السياسي والاقتصادي، ووجود نظام مالي قابل للتطوير، هي عوامل تشكل ركائز جذب الاستثمارات الأجنبية. ويضيف أن الاستثمار الأجنبي يتطلب تنشيط الطلب الكلي بحيث يستفيد المستثمر الأجنبي من الطلب المحلي، وبالتالي يحتاج الأمر لتوفير مستوى دخل للأفراد يتوافق مع الأسعار من أجل رفع الطلب الكلي في الأسواق.
ويتحدث شهدا عن أهم الآليات الطاردة للاستثمار، والتي من المفترض على الحكومة أن تلحظها، والمتمثلة بانخفاض مستوى السيولة في المصارف، الذي يؤدي إلى انخفاض في المستوى العام للاستثمار، وبالتالي تركيز الحكومة على تمويل اعتماداتها من بيع سندات حكومية بأسعار الفائدة، وإن كان الهدف منه جذب الاستثمار، لكن الأمر، بحسب شهدا، يؤدي إلى ارتفاع عام في مستوى أسعار الفائدة، وينتج عنه انخفاض في النمو الذي بدوره يصبح أكثر كلفة، إضافة إلى الانتباه إلى ضرورة احتساب معدل الاستثمار للمحافظة على الاستثمارات التي ستدخل إلى سوريا.
ومن الملاحظ أن الحكومة السورية تسعى لجذب دخول شركات استثمارية ضخمة، وذلك ما لم تشهده سوريا من قبل، وفقًا لشهدا، لكن أهم الضمانات لجذب الاستثمار الأجنبي تتمثل بالأمان والاستقرار السياسي إلى جانب توفير قطاع مصرفي يمتلك التكنولوجيا والتقنية والكوادر المتمكنة، ما يتيح التواصل مع المصارف الخارجية والشركات الكبرى.
وفي المحصلة، تبدو سوريا الجديدة فرصة لامعة وجاذبة لكثير من المستثمرين الأجانب الذين يرون فيها أرضًا خصبة للاستثمار، لكن الأمر وإن كان معقدًا، يتطلب تحقيقه حنكة سياسية واقتصادية مقنعة للمستثمر الأجنبي، لتذلل الصعوبات وتعالج التحديات بما يضمن استدامة المشاريع وفعاليتها على المدى الطويل.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


