ultracheck
مجتمع واقتصاد

"الانكشاف المصرفي" .. كيف يعيد قرار المركزي رسم الخارطة المالية؟

6 نوفمبر 2025
الانكشاف المصرفي
يعيد قرار المصرف المركزي حول "الانكشاف المصرفي" رسم الخريطة المالية (سانا/الترا سوريا)
عزيز موسى
عزيز موسىباحث وكاتب صحافي سوري

في خطوة توصف بأنها الأكثر جرأة منذ سنوات في السياسة المالية السورية، أصدر حاكم المصرف المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، قرارًا يُلزم المصارف في البلاد بتكوين مخصصات مالية تغطي خسائرها الناجمة عن الانهيار المالي في لبنان، وتقديم خطط إعادة هيكلة شاملة خلال ستة أشهر.

التعميم الصادر في 22 أيلول/سبتمبر الماضي، يفرض على المصارف الاعتراف الكامل بالانكشاف على النظام المالي اللبناني، بعد أن كانت قد أودعت جزءًا كبيرًا من أموالها هناك خلال سنوات الحرب. هذه الخطوة التي جاءت في سياق إعادة الهيكلة المالية في الداخل السوري بهدف تعزيز الشفافية وتقليص المخاطر الخارجية، طرحت تساؤلات متعددة حول إمكانية تحقيقها والآثار الناتجة عنها، في ظل استمرار عجز المصارف اللبنانية عن إعادة أموال المودعين المحليين.

إعادة هيكلة للقطاع المصرفي

يشير مصطلح "الانكشاف المصرفي" إلى مدى تعرض بنك أو مؤسسة مالية لمخاطر عدم تحصيل أصول أو التزامات قائمة نتيجة تعاملاته أو ارتباطاته المالية مع جهات أخرى، سواء داخل الدولة أو خارجها، بعبارة أخرى: هو المبلغ أو القيمة التي قد يخسرها البنك إذا لم يتمّ تسديد التزام من طرفٍ آخر، مثل إقراض بنك لجهة ما أو إيداعه لدى جهة أخرى أو ارتباطه بمشروع/استثمار لا تستطيع الجهة المقابلة الوفاء به.

يرى الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، الدكتور علي محمد، أن المصرف المركزي بنى قراره حول الانكشاف المالي المقدّر بـ1.6 مليار دولار من إجمالي ودائع بلغت 4.9 مليار دولار في المصارف اللبنانية نتيجة كثير من الأسباب. وتأتي العقوبات المفروضة على رأسها وعدم قدرة الجهاز المصرفي السوري على النفاذ إلى النظام المالي والمصرفي العالمي، واستثمار جزء من أمواله في المصارف العالمية، نظرًا لتشجيع البيئة المصرفية في لبنان آنذاك، إلى أن بدأت "الهندسات المالية" في العام 2016 من قبل مصرف لبنان المركزي ومنح فوائد مجزية على الودائع.

وأضاف الدكتور محمد في حديثه لموقع "الترا سوريا" أن أزمة تشرين الأول/أكتوبر 2019 أدت إلى انهيار النظام المالي اللبناني نتيجة لأسباب تتعلق بالمالية العامة اللبنانية، فضلًا عن كيفية تمويل عجوزات الموازنة للحكومات اللبنانية المتعاقبة من قبل مصرف لبنان المركزي. وأشار إلى أنه بناءً على هذا طلب المصرف المركزي من المصارف أن تشكّل مخصصات على مراحل، على أن تصبح 30% من إجمالي هذه المبالغ و70% تتحملها مجالس إدارة المصارف. بالتالي، فإن قرار تكوين المخصصات 100% هو قرار ضاغط من حيث التوقيت في فترة النظام المالي اللبناني الذي يعمل منذ أشهر على تحسين الواقع المصرفي والمالي في لبنان.

من جانبه، يرى الباحث في قضايا الاقتصاد الكلي والمجتمعي، الأستاذ عبد العظيم المغربل، أن إلزام المصارف بتكوين مخصّصات تغطي 100% من انكشافها على النظام المالي اللبناني وخطط إعادة هيكلة خلال 6 أشهر، يعيد تصويب القوائم المالية ويقلّص فجوة رأس المال الدفتري مقابل المخاطر الفعلية. ورأى المغربل في حديثه لـ"الترا سوريا" أن القرار ينسجم مع أولوية الاستقرار المالي على المدى القصير ولو على حساب انكماش الائتمان، خصوصًا في حالة الاقتصاد السوري الذي يعاني قيودًا في السيولة، وتذبذبًا في سعر الصرف، متوقّعًا أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1% فقط لعام 2025.

ضغوط الانكشاف تستدعي المرونة

يشير الدكتور محمد إلى أنه يجب أن يكون هناك مرونة من قبل المصرف المركزي في التعامل مع المصارف العاملة خلال مدة ستة أشهر، لا سيما أنها شكّلت المخصصات وستعمل على إيجاد حلول لتغطية هذا الانكشاف، وربما يكون هناك تعاون بين المصارف السورية والمصارف التي وضع فيها مبالغ، مرجّحًا أن يكون هناك تعاون بين مصرف سوريا المركزي ومصرف لبنان المركزي وصولًا إلى التعاون بين الحكوميتين السورية واللبنانية. وأوضح أن المشكلة الأساسية تتعدى مسألة الانكشاف فقط في ظل وجود ودائع للسوريين في لبنان، والتي تُقدّر بين 20 – 40 مليار دولار في ظل غياب أرقام دقيقة، ما يتطلب المعالجة على أعلى المستويات بين البلدين.

أما المغربل، فينظر إلى أن المهلة الزمنية المحددة بستة أشهر هي مدة منطقية لتكوين المخصصات ووضع الخطط، لكنها قصيرة لتمويل الفجوات الكبيرة خاصة مع تقديرات انكشاف بنحو 1.6 مليار دولار، في ظل وجود تحديات تتمثل بمحدودية الرسملة المحلية، وضعف تدفقات رأس المال من الخارج، وقيود سيولة الدولار، بالإضافة إلى العوائق المرتبطة بالبيئة القانونية والتنظيمية وتذبذب سعر الصرف، ما يعرقل التنفيذ الكامل ضمن المدة من دون دعم سياساتي متكامل.

شفافية تجذب رؤوس الأموال

يؤكد الدكتور محمد أن سوريا أمام فرصة كبيرة لتكون ورشة إعادة إعمار في كامل القطاعات في حال سارت الأمور على نحو إيجابي، وتم إلغاء "قانون قيصر" في نهاية العام. وبناء على ذلك، تحتاج سوريا إلى نظام مصرفي قوي يمكنه تسهيل تحويل الأموال من الخارج، ما يعزز فرص الاستثمار. ولفت إلى أن هذه الاستثمارات تحتاج إلى أموال يتم تحويلها من الخارج إلى الداخل السوري؛ وفي المقابل، سيتم تحويل جزء من هذه الإيرادات والأرباح إلى الخارج، كما أن عودة سوريا إلى نظام "سويفت" لتحويلات المال العالمية ووجود مصارف استثمارية كبيرة ستسهم في تقوية القطاع المصرفي ودعم الإصلاحات الاقتصادية.

فيما يشير الباحث المغربل إلى أن القرار قد يدفع عمليًا نحو فرز بنكي، أي اندماجات واستحواذات وخروج بنوك، مقابل تعزيز الحوكمة وإدارة المخاطر لدى القادرين على تغطية الخسائر. كما أن إعادة رسملة انتقائية وشراكات محتملة مع مستثمرين عرب وأجانب قد تعيد تشكيل الخريطة المصرفية، بشرط وضوح القواعد التنظيمية وحماية المساهمين والدائنين. أما على صعيد الاستثمار، فإن تصحيح الميزانيات يرفع الشفافية ويحدّ من المخاطر النظامية، ما قد يساهم في جذب رأس المال الحذر، إلا أن الأثر الإيجابي مرهون بتحسن البيئة الكلية للبلاد.

استثمارات مرتقبة

ينوّه الدكتور محمد إلى أنه في ظل الحديث اليوم عن إقبال بعض المصارف الخليجية على العمل في سوريا خلال مبادرة مستقبل الاستثمار "دافوس الرياض"، والتي عقدت في السعودية بمشاركة سوريا، قد يكون هناك انطلاق لمصرفين أو ثلاثة مصارف سعودية، إضافة إلى إمكانية افتتاح فروع لمصارف عالمية في ظل الكثافة المصرفية العالية بـ40 ألف مواطن لكل فرع مصرفي واحد، وبالتالي هذا يتطلب زيادة في عدد المصارف وتوسيع فروعها.

ويختم الباحث المغربل حديثه مشيرًا إلى أن المطلوب حزمة متكاملة تشمل إطارًا واضحًا لإعادة الهيكلة مثل إرشادات للرسملة، ومعالجة الديون المتعثرة، مع إفصاح دوري مراقَب من الجهة الناظمة، إضافة إلى تعزيز أدوات الرقابة الاحترازية الكلية، وتسوية تدريجية للانكشافات العابرة للحدود، مع خارطة زمنية قابلة للقياس ومؤشرات أداء.

الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث

الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة


المناهج الدراسية

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك


زلزال شباط

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية

تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث


احتجاجات المعلمين

وصفت بأنها "إعادة قسرية".. احتجاجات تربوية في اللاذقية رفضًا لآلية تجديد العقود

شارك في احتجاجات اللاذقية مئات المعلمين والمعلمات مطالبين بإلغاء القرار الوزاري الذي يمهد لإنهاء خدماتهم بشكل غير مباشر

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
عدالة انتقالية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا


2
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


3
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


4
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


5
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


advert