البيان الثلاثي: لُغة تُنكر الاحتلال وتساوي الضحية بالمعتدي
7 يناير 2026
يُقرأ البيان الثلاثي الصادر بعد اجتماع باريس كأنه إعلان صادر عن علاقات طبيعية بين دول متجاورة، تتبادل الآراء بشكل عادي، وتدير خلافاتها من خلال تنسيق فني هنا، أو لجنة اتصال هناك، كما لو أن الأرض ليست محتلة منذ أكثر من نصف قرن، ولا حتى كأنّ الواقع الحالي يشهد أريحية في التعامل والتعاون، وليس فيه فرض لمنطقة عازلة على جزء هائل من سوريا، ولا وجود لتوغلات إسرائيلية متواصلة يتخللها قتل أو اعتقال لسوريين!
لا يعترف البيان بأن إسرائيل قوة احتلال ترابط على الأرض السورية منذ عقود، ولا يسجل أي اعتراض على توسّعها بالقوة على حساب السيادة السورية.
يتعامل البيان مع واقع غير موجود، فالاحتلال ليس نظامًا سياسيًا وعسكريًا، بل هو مجرد "خلل" يمكن احتواؤه عبر تنسيق استخباراتي ولجنة اتصال، عبر اللغة الدبلوماسية الملساء.
ولعل الأمر الأكثر فجاجة هو الجمع بين "احترام سيادة سوريا" وبين "أمن إسرائيل" في سطر واحد، من دون أي إشارة صريحة إلى إنهاء الاحتلال أو احترام القانون الدولي، أو إلى التزامات واضحة بإعادة الأراضي المحتلة إلى أصحابها.
أما الرعاية الأميركية فهي العنصر الثابت الذي لا يحتاج إلى تفسير إضافي. تلك الرعاية التي نعرفها جيدًا، خصوصًا من خلال التجربة الفلسطينية في التفاوض، والتي تمتد على أكثر من ثلاثين عامًا لم تكن فيها وسيطًا محايدًا، بل طرفًا منحازًا وضاغطًا لصالح المحتل الإسرائيلي، يعمل على تحويل حقوق الشعوب إلى "ملفات تفاوض تقنية"، وعلى تعليق العدالة إلى أجلٍ غير مسمى.
إنها اللغة نفسها التي شكّلت جوهر الاتفاقات "التطبيعية" التي دفع بها دونالد ترامب منذ ولايته الأولى، حيث يُعاد إنتاج الاستعمار على أنه خطة سلام وتنمية
وهذه الرحلة الطويلة من اتفاق أوسلو، مرورًا بكل المشاريع والخطط حتى يومنا هذا، لم تكن الرعاية الأميركية فيها إلا اسمًا آخر لشرعنة الوقائع التي فرضتها القوة الاستعمارية الإسرائيلية.
ومن هنا يمكن النظر إلى البيان بوصفه يقوم على لغة تُجمّل الاحتلال وتُضعف مطالب السيادة، ويُمهِّد لدمج سوريا في نظام أمن إقليمي تُدار فيه ملفاتها من غرفة استخباراتية تحت إشراف واشنطن، لا من ساحات تفاوض تعيد الحقوق إلى أصحابها.
ولعل أخطر ما في هذا التحوّل الذي تمر به السياسة السورية تجاه إسرائيل هو أن الخطاب نفسه يُقدّم الاحتلال كجار "مزعج" ليس أكثر، وكل المطلوب منه أن يتعاون مؤقتًا، بينما يبقى مشروعه الاستعماري نشطًا ومُفعَّلًا، بلا مساءلة حقيقية ولا جدول زمني للانسحاب، ولا اعتراف صريح بحق سوريا في استعادة أرضها.
ليست المشكلة في بند أو صيغة في هذا البيان، بل في المنطق الذي يقدمه ككل، لأنه بُني على إنكار وجود الاحتلال، وساوى بين المعتدي والمعتدى عليه لغويًا، وتحدث عن تعاون في ملفات اقتصادية وطبية قبل الوصول إلى شكل قانوني من الاتفاق، ولعل إنجازه الأوضح هو اقتراحه شكلًا من الإدارة الأمنية للصراع، تحت مظلة الرعاية الأميركية.
تكمن خطورة هذا البيان في كونه منعطفًا سياسيًا يمتحن قدرتنا على التمسك بالمبدأ حين يُعرض علينا "الازدهار" و"الاستقرار" بدلًا من السيادة والحرية. وهذه ليست مجرد مفردات قاموس الحياة العادي، بل هي أدوات لإعادة تحديد شكل الصراع.
إنها اللغة نفسها التي شكّلت جوهر الاتفاقات "التطبيعية" التي دفع بها دونالد ترامب منذ ولايته الأولى، حيث يُعاد إنتاج الاستعمار على أنه خطة سلام وتنمية، ويُطلب من الضحية أن ترى في هذه التسويات فرصًا سياسية كبرى للتقدم والنهوض.
الكلمات المفتاحية

تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية
في المراحل الانتقالية، لا تُقاس جدّية السلطة الجديدة بتصريحاتها المستقبلية، بل بكيفية إدارتها للإرث المؤسسي والقانوني الذي ورثته

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي




