التمكين السياسي للنساء أداة لصناعة السلام المستدام
13 مارس 2026
في المجتمعات الخارجة من وطأة الحروب والأزمات، تبرز المشاركة النسائية في الحياة السياسية وصناعة القرار كأداة من أدوات بناء المجتمع، فعندما تدخل النساء السياسة يدخل المجتمع كله إلى طاولة القرار، وإقصاء النساء من السياسة يعني إقصاء نصف المجتمع من صناعة المستقبل.
مع كل اجتماع وبعد كل لقاء رسمي، تعود التساؤلات حول دور المرأة في سوريا ما بعد الحرب للواجهة، ويتم تداول صور الاجتماعات التي تفتقد بشكل شبه كامل لوجود السوريات في المحافل، وتتردد الأوقاويل حول إقصاء النساء عن الواجهة السياسية وعن مواقع صناعة القرار، ومنحهن مساحات محدودة تأتي تبعا للضغوطات والمطالبات بوجودهن فيما لا يتعدى هذا الوجود الطابع الشكلي.
في هذا التقرير يرصد "الترا سوريا" أهمية التواجد النسائي في صناعة القرار وسن التشريعات والقوانين والعقبات التي تواجه هذا التواجد وآليات مواجهتها.
موقع المرأة السورية في الحياة السياسية
مديرة الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري، الباحثة كندة حواصلي، تتحدث عن واقع مشاركة المرأة السورية في الحياة السياسية اليوم، حيث شاركت المرأة السورية مع انطلاق شرارة الثورة، وذلك لأول مرة بعد حوالي نصف قرن من تجميد الحياة السياسية في سوريا، وأدرك الجميع أهمية المشاركة في السياسة لإحداث التغيير وتحسين الواقع، وبدأ بناء المعرفة السياسية بشكل تراكمي، مشيرة إلى حالة النضج التي يتميز بها جمهور الثورة، نظرًا لمشاركتهم الواقعية في هذه التجربة وإن كانت التجربة غير مكتملة أو مثالية إلا أن المرأة شاركت في أجسام المعارضة وحصلت على دعم وتمكين من المنظمات المعنية بالتوعية السياسية ومشاركة المرأة.
وتصف الحواصلي واقع المرأة السورية اليوم في الحياة السياسية بأنه شبه متجمد، نظرًا لعدم إقرار قانون الأحزاب حتى الآن، ما يعني حالة من الجمود تسود الواقع السياسي بالكامل، لافتة إلى وجود بعض البذور التي تشير إلى انطلاق بعض الأنشطة المتسارعة التي تشهدها الساحة السورية، والتي تتمثل في النقاشات التي تدور حول بعض المواضيع التي كانت محظورة في السابق، بالإضافة لانعقاد الفعاليات والمحاضرات والمبادرات المجتمعية والكتابات السياسية التي تشهد حضورًا للنساء، ولكنه ليس بالكم المطلوب مع ملاحظة اهتمام الجيل الجديد من الشابات بلعب أدوار فاعلة في الشأن العام، أما على المستوى الحكومي فلا يزال حضور المرأة ضعيفًا على مستوى مراكز صناعة القرار في الوزارات والمناصب التنفيذية.
وتضيف الحواصلي أن التواجد النسائي يعاني أيضًا من ضعف التركيز عليه، فعلى سبيل المثال في صندوق الاستثمار توجد سيدات أكثر من الرجال ضمن الطاقم، ولكن لا يتم التركيز عليه، مشيرة إلى رغبة النساء في المشاركة، مستدلة بعدد النساء اللواتي ترشحن لمجلس الشعب.
وتؤكد الحواصلي أن وجود النساء في المرحلة الانتقالية مهم جدًا، وذلك يعود لعدة أسباب منها أن فترة ما بعد الحروب والأزمات يصبح عدد النساء أكبر من عدد الرجال، بالإضافة إلى تحمل النساء لتبعات الحرب وتداعياتها، مشيرة إلى الدور الكبير الذي لعبته النساء في تجارب عدة في إعادة الإعمار ما بعد الحروب وعمليات تثبيت السلام، كما في ألمانيا وراوندا، ولذلك يعتبر الكثيرون، وفقًا للدراسات، أن إشراك النساء في صناعة السلام يجعله أكثر استدامة، فالمرأة لا تميل للحرب والعنف وفقًا لطبيعتها وتميل إلى الاستقرار والتعافي من آثار الصراع، فالسلام الذي لا تشارك في صناعته النساء يبقى سلامًا هشًا.
وتخضع مشاركة النساء في مراكز صناعة القرار، وفقًا لحواصلي، للسياسات غير المكتوبة، حتى في الدول التي وصلت فيها المرأة لمناصب عليا لا تزال تعاني من فرص نجاح أقل ووصول أصعب للمراكز التنفيذية، وذلك يعود لحالة الوعي المجتمعي التي تتطلب وعيًا من النساء بأدوراهن، بالإضافة إلى تكافؤ الفرص، مشيرة إلى أن الكوتا التي تتعلق بفرض عدد من النساء في الأجسام السياسية لها جانب إيجابي من حيث إتاحة الفرص في المجتمعات التي تحيد مشاركة النساء فتقوم بحجز مقاعد لهن وإجبار صناع السياسة على وجودهن، ما يساعد على ضمان خوض التجربة العملية، إلا أنها قد تسمح بوصول سيدات غير مؤهلات في حين يجب أن تمنح المناصب وفقًا للكفاءة والمؤهلات وليس الجنس.
التحديات التي تواجه العاملات في الشأن العام
الباحثة الاجتماعية والناشطة السياسية والنسوية، مي العربي، أشارت خلال حديثها لـ "الترا سوريا" إلى بعض التحديات التي تواجه النساء خلال العمل في الشأن العام، والتي تتمثل في الموروثات الثقافية والاجتماعية إلى جانب عدم إدراك بعض النساء بأهمية مشاركتهن في العمل السياسي، بالإضافة إلى ضعف الثقة المجتمعية بجدوى مشاركة النساء في الحياة السياسية، تبعًا للصورة النمطية للمرأة وضعف برامج التمكين الموجهة للسوريات في الداخل، والتي عززتها المخاطر الأمنية التي تحيط بعمل النساء وتواجدهن بالشأن العام.
وتلفت العربي إلى أن حالة التنمر والهجوم التي تعرضت لها النساء العاملات بالشأن العام، سواء ضمن الأجسام السياسية أو الإعلامية التي تكونت خلال سنوات الثورة وما بعدها، ساهمت في تعميق خوف النساء من الانخراط في الشأن العام، موضحة أنه ليس كل السيدات تحظى ببيئة داعمة تساعد على تخطي ومواجهة التحديات، إذ تتعرض النساء للمحاربة في أشكالهن ولباسهن ومظهرهن وحياتهن الشخصية بغض النظر عن كفاءتهن ومؤهلاتهن.
تهميش النساء يقوض بناء المجتمع
وتضيف العربي أن واقع المرأة السورية اليوم، في الحياة السياسية والدبلوماسية، ليس جيدًا بما يكفي، فتواجدهن محدود في الاجتماعات واللقاءات والمحافل الدولية بالمقارنة مع أقرانهن من الرجال، ويتم حصرهن بأدوار نمطية وتغييب شبه كامل عن مواقع صناعة القرار، مؤكدة أن تغييب النساء عن مواقع صناعة القرار ورسم السياسات ينعكس سلبيًا على بنية المجتمع.
آليات مواجهة هذا الواقع
ترى الحواصلي أن ما تحتاجه المرأة اليوم حالة من الوعي الداخلي والمبادرة لأخذ زمام التجربة والإدراك لدورها في صناعة التغيير والعمل على تطوير الأدوات التي تتيح لها الوصول، مشددة على التوعية المجتمعية بضرورة وجود بيئة ومحيط داعمين لمشاركة المرأة، تبدأ من الأسرة والزوج والأبناء، والمشاركة في تحمل الأعباء، بالإضافة إلى تأمين الاحتياجات الأساسية والحصول على التعليم اللازم.
وفي هذا السياق تدعو الحواصلي إلى تمكين النساء لدخول المعترك السياسي من خلال اختيار السيدات اللواتي يمتلكن حس القيادة والرغبة في المشاركة في الحياة السياسية، وتمكينهن وتطوير قدراتهن عبر برامج تدريبية نوعية وتحقيق الاكتفاء المادي لهن وضمان الحماية من حالة الاغتيال المعنوي التي تتعرض لها العاملات في الشأن العام، والتي تجعل أغلب النساء يعزفن عن خوض غمار هذا المجال.
بدورها تشدد العربي على ضرورة سيادة العدالة الجندرية وتكافؤ الفرص والمساواة في القوانين والتوظيف لبناء المجتمع تبعًا للكفاءة والمؤهلات بغض النظر عن الجنس.
الكلمات المفتاحية
الناجون من سجون الأسد في مواجهة الفراغ المؤسسي وغياب الرعاية الصحية
يكشف انتحار معتقل سابق معاناة الناجين من سجون الأسد وسط غياب الرعاية وتبادل المسؤوليات واستمرار الفراغ المؤسسي دون حلول فعلية
لماذا تنشغل هيئة العدالة الانتقالية بقانون الجنسية وتترك محاسبة الجناة؟
أثار تنظيم هيئة العدالة الانتقالية مؤتمرًا حول قانون الجنسية تساؤلات حول مبدأ الاختصاص النوعي
مجالس الصلح.. بين حاجة المجتمع وتهميش مؤسسات القضاء
تعتبر لجان ومجالس الصلح هيئات أو أذرعًا شبه رسمية، تنشأ بتشكيلات مجتمعية، مهمتها تسوية النزاعات بين الأفراد أو الجماعات بطرق سلمية
في الدوري الممتاز: الكرامة يحسم قمة الجولة وأهلي حلب يعلن تعليق مشاركته
شهدت أولى جولات مرحلة الإياب فوز الكرامة على الوحدة وتعادل الجيش وتشرين، مقابل تصاعد أزمة أهلي حلب وتعليق مشاركته رسميًا
من تلوين البيض إلى إنهاء الخصومات.. كيف احتفل شرق سوريا بالعام الإيزيدي الجديد؟
أحيا أبناء المجتمع الإيزيدي في مناطق شرق سوريا طقوس عيد "الأربعاء الأحمر" إيذانًا ببدء رأس السنة الإيزيدية الجديدة وسط أجواء احتفالية وتجمعات شعبية حاشدة
الناجون من سجون الأسد في مواجهة الفراغ المؤسسي وغياب الرعاية الصحية
يكشف انتحار معتقل سابق معاناة الناجين من سجون الأسد وسط غياب الرعاية وتبادل المسؤوليات واستمرار الفراغ المؤسسي دون حلول فعلية
حوار| مازن الناطور: القرار في النقابة ليس صوتًا واحدًا.. والحزم ضرورة في بعض المواقف
في هذا الحوار مع نقيب الفنانين السوريين مازن الناطور، لم يطرح موقع "الترا سوريا" الأسئلة فقط، إنما فتح النوافذ على مرحلة كاملة، بكل ما فيها من ارتباك وأمل