الجفاف يواصل تهديد القمح في شمال وشرق سوريا.. ومطر متأخر يثير الأمل الهش
17 نوفمبر 2025
مع اقتراب النصف الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، كان الصمت المناخي يخيّم على شمال وشرق سوريا. أسابيع طويلة مرّت بلا أمطار، فيما كان يراقب الفلاحون السماء وكأنهم ينتظرون إشارة حياة. لم يكن الجفاف هذه المرة حالة عابرة، بل امتدادًا لمواسم متتالية من التراجع المطري، ما زاد المخاوف حول الأمن الغذائي لمناطق تعتمد أساسًا على الزراعة المطرية.
في القرى الممتدة بين القامشلي والحسكة وتل حميس وعامودا، لم تعد الأنهار الصغيرة – مثل الجغجغ وفروع الخابور – تحمل سوى قلة قليلة من الماء. بعضها تحوّل إلى ممرات ترابية متشققة، بينما انخفض منسوب الآبار المنزلية إلى مستويات غير مسبوقة، ما هدد مصادر الشرب والري البسيط الذي تعتمد عليه الأسر الريفية.
الأنهار والآبار بين جفافٍ غير مسبوق
في ريف القامشلي، يقف عباس سلو (60 عامًا) أمام أرضه التي يزرعها منذ عشرين عامًا. يحدّق في التربة المتشققة، ويقول بصوت يملؤه القلق:"في مثل هذا الوقت كنا قد زرعنا البذار وبدأنا نسمع المطر على الصفيح. الآن لو زرعت الطيور تأكل البذار قبل أن تعود الأرض لترطب نفسها".
يشير سلو إلى أن أكثر من 70% من أبناء قريته يعتمدون على زراعة القمح كمصدر أساسي للدخل والمعيشة. ويضيف: "الجفاف هذا الموسم يجعل أي قرار بالزراعة مخاطرة كبيرة. كثيرون يفكرون بتأجيل الزراعة، وبعضهم قد يترك الأرض بلا زرع".
على بعد عدة كيلومترات، في ريف عامودا، يقف محمود خليل (39 عامًا) أمام أرضه التي يعتمد فيها على الزراعة المروية، يقول لموقع "الترا سوريا": "كنت أعتمد على البئر لري الأرض، لكن منسوب المياه انخفض بشكل كبير هذا الموسم. تشغيل المضخة أصبح مكلفًا جدًا، ومع ذلك لا يكفي الماء لكل الأرض".
ويضيف محمود: "الموسم أصبح أصعب من أي وقت مضى. حتى مع وجود الماء، لا يمكنك ري كل الحقول كما تريد، وكل يوم يمر بدون مطر يزيد الضغط علينا". يشير محمود إلى أن اعتماده على المياه الجوفية المروية يجعل الزراعة أكثر هشاشة، خاصة مع استمرار تراجع منسوب الآبار. ويختم بالقول: "الزراعة ليست مجرد عمل، إنها مقامرة يومية مع الطبيعة. من دون ماء، كل شيء قد يضيع".
بينما يتابع الفلاحون في القرى الأخرى المشهد نفسه، تتضح صورة تدهور مصادر المياه الطبيعية؛ الأنهار الموسمية لم تعد تحمل سوى خطوط متقطعة من الماء، والشلالات الجافة تحولت إلى تجاويف صخرية، بينما الآبار المنزلية تفقد منسوبها بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. هذا التدهور لا يهدد الإنتاج الزراعي فحسب، بل يمتد ليشمل الأمن الغذائي للقرى بأكملها.
شهادات من الأرض: فلاحون ينتظرون السماء
ومساء يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، وبعد أسابيع من انتظار طويل، هطلت أولى زخات المطر على القامشلي وبعض القرى المحيطة، بعد أن سبقتها عاصفة غبارية شديدة أضافت القلق إلى أجواء الفلاحين. كانت الأمطار قصيرة ومتفرقة، لكنها أثارت فرحة الأطفال، بينما وقف الفلاحون يراقبون بحذر.
في ريف ديرك، تقول نعيمة مراد (45 عامًا)،وهي ربة منزل ومزارعة في مشروع خضروات موسمية، لـ"الترا سوريا": "حتى المطر الذي هطل لم يغطي كل الأرض، لكنه أشعل شعور الأمل. الأطفال خرجوا للعب، ونحن نراقب هل سيكفي الموسم للقمح والخضار". وتضيف: "هطول المطر كان بداية مبشرة، لكنه غير كافٍ لإنعاش الموسم الزراعي. نحتاج إلى استمرار الأمطار لضمان نمو المحاصيل بشكل سليم".
ووفق بيانات مراكز الأرصاد المحلية، سجّلت المنطقة خلال الأسابيع الماضية عجزًا مطريًا تجاوز 80% مقارنة بمتوسط الهطل في السنوات العادية. خبراء زراعيون يوضحون أن القمح يحتاج إلى 40–60 ملم من الأمطار في الشهر الأول من الزراعة للنمو بشكل سليم، بينما لم تسجّل المنطقة سوى زخات قليلة لا تكاد تُقاس.
ومساء يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، شهدت عدة مناطق في شمال وشرق سوريا – بما فيها القامشلي وديرك والحسكة – هطولات مطرية متوسطة الشدة، تراوحت بين 5 و10 ملم. هذا الهطول المسائي أعطى دفعة أمل إضافية لدى الفلاحين، خصوصًا وأن التربة كانت متعبة من الجفاف الطويل. بعضهم وصفه بأنه قد يسهم في ترطيب سطح التربة بعمق متواضع، لكن المخاوف قائمة من أن تكون هذه الأمطار غير كافية لإنقاذ الموسم ما لم تتبعها موجات مطرية أخرى.
الجفاف وقيود حركة الطرق يضغطان على الأسواق المحلية
الجفاف لم يبقَ حصرًا في الحقول. في أسواق القامشلي والحسكة والمدن والبلدات المجاورة، ارتفعت أسعار الخضروات المحلية بين 20 و40% خلال شهر واحد. سجل البصل المزروع مبكرًا نموًا ضعيفًا نتيجة نقص الرطوبة، بينما قلّ إنتاج البطاطا بسبب شح المياه للري، وتوقفت بعض البيوت الزراعية عن الإنتاج مع ارتفاع كلفة المازوت لتشغيل مضخّات الري.
إلى جانب ذلك، يواجه المزارعون والتجار عائقًا إضافيًا يتمثّل في تذبذب فتح وإغلاق الطرق بين مناطق الإدارة الذاتية ومناطق الحكومة، خصوصًا الطرق الحيوية التي تُستخدم لنقل الخضروات والحبوب إلى الأسواق. هذا التقطّع يزيد كلفة الشحن، ويؤخر وصول المحاصيل، ويؤدي أحيانًا إلى تلفها أو نقصها في الأسواق، ما يضاعف من تأثير الجفاف على الأسعار.
الجفاف يعيد تشكيل الريف ومستقبل الشباب
تشير تقديرات منظمات زراعية محلية إلى أن أكثر من نصف سكان الريف يعتمدون على الزراعة المطرية، أي على الأمطار الموسمية فقط لري القمح والمحاصيل الأساسية، سواء للاستهلاك المنزلي أو للبيع. ومع انخفاض منسوب المياه الجوفية للسنة الثالثة على التوالي، أصبحت هذه الزراعة أكثر هشاشة، ما يزيد من المخاطر على إنتاج الغذاء وتأمين لقمة العيش للأسر الريفية.
مختار إحدى القرى القريبة من عامودا، عبد الرحمن سعيد (62 عامًا)، يقول لـ"الترا سوريا": "في السنوات الثلاث الماضية، ترك الكثير من الشباب الزراعة المتعبة وتوجهوا للعمل اليومي في المدن بحثًا عن دخل ثابت. الأرض بلا ماء تعني موسمًا ضعيفًا، والموسم الضعيف يعني أن شبابنا يواجهون مستقبلًا صعبًا في الريف".
المطر المتأخر: أمل هش ومخاوف مستمرة
يؤكد خبراء زراعيون أن زخّة المطر الأولى، مهما كانت مبهجة، لا تكفي لإنقاذ موسم القمح في شمال وشرق سوريا، المنطقة التي تُعرف بـ"السلة الغذائية للبلاد" لمساهمتها بمحاصيل أساسية تغذي المحافظات المجاورة.
يشرح المهندس روبار حمو، وهو من القامشلي، لـ"الترا سوريا" الوضع بحذر: "القمح يحتاج إلى أمطار متتابعة خلال الأسبوعين القادمين، لا تقل عن 20 ملم لكل موجة، لضمان تغذية التربة بشكل مستمر". وأضاف: "أي انقطاع في المطر سيعرض النباتات لإجهاد شديد وقد يؤدي إلى ضعف المحصول. كما أن استقرار درجات الحرارة أمر بالغ الأهمية، فالهبوط المفاجئ للحرارة يضر بالنباتات الصغيرة ويقلل جودة الحبوب".
ويضيف المهندس روبار:"الوضع معقد أيضًا بسبب استمرار انخفاض منسوب المياه الجوفية. حتى مع هطول المطر، إذا استمر هذا التراجع، لن تتمكن الأراضي من الاستفادة الكاملة من الأمطار. وفي حال تأخر هطول المطر أكثر من أسبوعين، قد تصل الخسائر إلى نحو 40% من محصول القمح، وهو خطر كبير يهدد الأمن الغذائي للمنطقة بأكملها".
بين صوت المطر الخفيف الذي هطل ليلة 14 و15 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري ووجوه الفلاحين التي تراقب السماء كما لو كانت تحكم مصيرهم، تبدو الصورة معلّقة بين الأمل والخوف. المطر المتأخر أشعل شعورًا بالأمل، لكنه لم يبدد القلق من موسم قد يمضي بلا غيث كافٍ.
في شمال وشرق سوريا، حيث تتبع الحياة دورة بسيطة وواضحة: مطر = زرع = حصاد، يبقى الناس يترقبون الغيمة التالية، لا زخة مطر قصيرة تشبه تحية عابرة، آمِلين أن تمنحهم الموسم فرصة جديدة للحياة، وللأرض التي يعرفونها منذ الطفولة، ويأملون أن تستعيد قوتها كما كانت في السابق.
الكلمات المفتاحية

ما بعد قانون قيصر: هل يفتح رفع العقوبات باب التعافي المعيشي أم يؤجل الأزمة؟
يفتح رفع قانون قيصر نافذة اقتصادية مشروطة، ويجعل تحسّن معيشة السوريين رهين إصلاحات داخلية وقدرة مؤسسية فعالة مستدامة حقيقية

عام على تحرير سوق السيارات: استنزاف للنقد الأجنبي وازدحام مروري ومخاطر بيئية متزايدة
يرصد هذا التقرير مرور عام على تحرير سوق السيارات، وسط تحذيرات من استنزاف النقد الأجنبي وتفاقم الازدحام المروري وارتفاع المخاطر البيئية

السويداء على أعتاب شتاء قاسٍ: وقود مفقود وأسعار ملتهبة وبدائل خطرة للتدفئة
يرصد التقرير تصاعد أزمة التدفئة في السويداء مع غلاء الوقود وتأخر الرواتب وعودة الأهالي لبدائل خطرة شتوية

ما بعد قانون قيصر: هل يفتح رفع العقوبات باب التعافي المعيشي أم يؤجل الأزمة؟
يفتح رفع قانون قيصر نافذة اقتصادية مشروطة، ويجعل تحسّن معيشة السوريين رهين إصلاحات داخلية وقدرة مؤسسية فعالة مستدامة حقيقية

وصف بـ"الخطير".. قتلى وجرحى أميركيين جراء تعرض قوة مشتركة لهجوم في تدمر وسط سوريا
تعرض أفراد من قوات الأمن السورية والقوات الأميركية لإطلاق نار قرب تدمر، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وتعطيل مؤقت للطريق الدولي

عام على تحرير سوق السيارات: استنزاف للنقد الأجنبي وازدحام مروري ومخاطر بيئية متزايدة
يرصد هذا التقرير مرور عام على تحرير سوق السيارات، وسط تحذيرات من استنزاف النقد الأجنبي وتفاقم الازدحام المروري وارتفاع المخاطر البيئية

"أسوشيتد برس": تأسيس أول منظمة سورية يهودية لإعادة تأهيل الكُنس المتضررة في البلاد
سجّل يهود سوريون أميركيون أول منظمة يهودية مرخّصة في سوريا لإحياء التراث بعد سقوط نظام الأسد والكنس المتضررة


