ultracheck
ثقافة وفنون

الحرية جوهر الإنسان: كيف جسّد أدب السجون السوري معنى المقاومة والوجود؟

1 نوفمبر 2025
أدب السجون
تنبع تجربة السجين السياسي من ذات ناطقة بالوجع وتجربة حارقة (مواقع التواصل/الترا سوريا)
دعد ديب
دعد ديبكاتبة وناقدة سورية

يعكس أدب السجون العلاقة الجدلية بين مفهوم الحريات بجميع تجلياتها والأنظمة المعادية له، متخذًا صورة فعل مقاومة أخلاقي لأناس اتخذوا من الكلمة سلاحهم الوحيد لمواجهة قسوة الطغاة وعسفهم، فتحملوا بسببها القهر والظلم وآلام التعذيب الجسدي والنفسي المروّع.

ومن المعترف به أن السجون السورية كانت من أشرس المعتقلات، وعليه حفلت المكتبة السورية بعدد كبير من الأدباء الذين عبّروا بشرف عن تجاربهم داخل تلك الجدران، وانعكاس تلك التجارب في إنتاجهم الأدبي المتنوع بين الشعر والسرد، من الكتابة الروائية إلى اليوميات والسير الذاتية والمذكرات.

حسيبة عبد الرحمن

لا تبتعد التجربة الأدبية للكاتبة حسيبة عبد الرحمن عن واقعها الشخصي في المعتقلات، حيث أمضت تسع سنوات في زنزانات النظام السوري السابق، ووثقت شهادتها الحية في نصها الأول "الشرنقة" عن الزمن المفقود من عمرها والتمزق الروحي الذي عاشته، مجسدةً الأزمات النفسية التي يعيشها السجين حين تتحول معركته إلى تفاصيل الحياة اليومية من طعام وشراب وملبس وزيارات، حسب تعبيرها.

واصلت حسيبة بعد ذلك توثيق تلك المرحلة في روايتها الأخيرة "السماق المر" (دار نينوى، 2025)، التي تحكي قصة من أحرق زمنها ودمر شبابها، وذلك بتفكيك وتوثيق تاريخ الديكتاتور الذي أمسك بسوريا بالحديد والنار طوال أربعة وخمسين عامًا.

تستحضره الكاتبة من الموت وتستنطقه، فتعود تارة إلى بواكير نشأته، وتارة أخرى إلى صراعاته مع رجالات دولته وتصفية رفاق السلاح واحدًا تلو الآخر، وصولًا إلى مجازر حماة وانتهاء بحرب الأخوين. كما تتناول كيفية ترويضه لطبقة التجار الدمشقية والبورجوازية المحلية لخدمة مخططاته، ومحاولته الهيمنة على القرار الفلسطيني.

واعتمدت في حبكتها الدرامية على تقنية الفلاش باك، مقدمة الحوار على شكل محاورة بين صوت الضمير وصاحب الإثم والجريمة، الذي بقي وحده ماسكًا برقاب البلاد والعباد، حيث يصبح السجن أو القبر مصير كل من يتوجس منه خطرًا على إمبراطورية الموت، عبر أربع وخمسين صورة بعدد سنوات المرحلة الأسدية التي أطبقت على سوريا.

وبوصف حسيبة عبد الرحمن، ابنة البيئة ذاتها التي أنتجت الطاغية، كانت الأقدر على تصوير الطريقة التي استغل بها فقراءها وجعلهم حطبًا في محرقته، بعد أن حاصرهم في السبيل الوحيد المتاح للقمة العيش. 

كما سعت إلى توثيق حالات اعتقال النساء، حيث يشكل السجن والاعتقال جزءًا كبيرًا من هويتها الشخصية والأدبية، في ترابط واضح بين وجعها الشخصي والهم العام والقضية الأساسية لديها، ألا وهي رفض الظلم والمطالبة بالحريات كفعل ثبات ومقاومة.

وفي هذا الصدد، يقول المفكر الروسي نيكولاي بيرديائيف: "الحرية ليست خاصية من خصائص الإنسان، بل هي جوهر وجوده. لو نُزعت الحرية من الإنسان، لانتهى معنى الإنسان ذاته".

محمود عيسى

من أجل هذه الحرية، قدّم محمود عيسى شبابه قربانًا، بعد أن أمضى في السجن ما يقارب عشرين عامًا. فالعمل السياسي كان بالنسبة إليه أسلوب حياة وتمثيلًا حقيقيًا للمعنى الحرية. وقد رصد في كتابه "مطر الغياب"، الذي أنجزه داخل المعتقل، أيام الملاحقات والاعتقال وواقع السجون في ثمانينيات القرن الماضي. 

ثم تابع محمود توثيق تجربته في كتابه "صفحات من طوفان حمص" الصادر حديثًا (دار نينوى، 2025)، مقتربًا من أدب اليوميات في محاولة لتوثيق الذاكرة المختومة بوجع مرورها بزنزانات الوطن، من سجن عدرا في دوما إلى صيدنايا الشهير وصولًا إلى سجن الرعب في تدمر، وهو الذي كان نزيلًا متعاقبًا فيه منذ عام 1978.

يستعيد عيسى في كتابه يوميات الاعتقال والوقوف أمام محكمة أمن الدولة والتنقل بين الزنازين، كتوثيق للذاكرة السورية، وكان لقاؤه بميشيل كيلو بتهم مشتركة بابًا لصداقات عميقة.

كما عمل على توثيق الادعاءات التي روّجت لاعتقاله ورفاقه بتهمة التوقيع على إعلان "بيروت – دمشق" عام 2006. ورغم تأكيد محمود عيسى أن المشروع المدني الديمقراطي اليوم هو مواجهة للديكتاتورية والفكر السلفي التكفيري معًا، وأن الصيغة الحقيقية للحرية هي الديمقراطية كممارسة يومية تلتزم بها جميع الأطراف، فقد وُجهت إليه اتهامات عديدة مثل إذاعة أخبار كاذبة تنال من هيبة الدولة وإضعاف الشعور القومي وإثارة النعرات الطائفية والعنصرية.

وإضافة إلى ذلك، استعرض الكاتب رفقة الزنازين والأيام الصعبة، أولئك الذين قضوا نحبهم وآخرين خرجوا بإعاقات دائمة، جسدية ونفسية، ومن بينهم المفكر الفلسطيني سلامة كيلة، الذي أفرد له صفحات في كتابه عرّف فيه به وبمنجزه الفكري. 

على الصعيد الشخصي، يروي محمود عيسى ما يحز في نفسه ويكسر قلبه، وهو اعتقاله وتكبيله بالأصفاد مرتين أمام طفليه وزوجته، بهدف كسر إرادته داخل محيطه الاجتماعي. ومع ذلك، يستعيد عبارة سعد الله ونوس الذهبية: "إننا محكومون بالأمل".

ويستعرض أيضًا اعتصام الساعة في حمص عام 2011، الذي جاء بعد تشييع جثامين ضحايا وُزعت على مقبرتين، ويسجل مناداته عبر شبكة "BBC" بقطع الطريق على من يحاول حرف الحراك باتجاه طائفي لتدمير الوحدة الوطنية. 

ولم تنم حمص تلك الليلة، حيث بدأت زخات الرصاص ودعوات الجهاد واختلطت الأمور بين اختباء واعتقال ومواجهة، ليعتقل مرة أخرى صبيحة اليوم التالي بعد تأليب الشارع المؤيد ضده، لتتكتمل دورة جديدة من العنف والرعب.

محمد برّو

أما في كتاب محمد برّو "ناج من المقصلة.. ثمانية أعوام في سجن تدمر" (جسور للترجمة والنشر، بيروت، 2021)، فيعيد سرد حكايات الرعب لرد الاعتبار لمن قضوا ولمن نجوا، كي لا يُذبحوا مرة أخرى بسكين النسيان. 

اعتقل برّو في سن السابعة عشرة بتهمة قراءة إحدى المنشورات السرية، ومارس الجلادون عليه ألوانًا شتى من التعذيب والتنكيل، من "الدولاب" إلى "بساط الريح" و"الكرسي الألماني"، وهي مفردات يعرفها جيدًا كل من تعثر طريقه بالسجون السورية، لينتهي به المطاف في سجن تدمر الرهيب، ذلك المسلخ الجهنمي حيث يُستقبل الوافد بالسياط والكبلات الكهربائية، والمكان الذي ينفث الجلاد سموم حقده وكراهيته على أجساد بشرية تجمدت أرواحها من هول ما لاقت.

وقد سبقته إلى هناك أخبار المجزرة التي نفذتها قوات رفعت الأسد شقيق الطاغية بأمر مباشر منه، عندما فتحت النيران على سجناء عزل وأزهقت أرواح ما يقارب ألف إنسان في ثمانينيات القرن الماضي، حيث يصبح الموت أمنية للهروب من هذا المسلخ البشري، مما دعاه إلى تشبيهه بسجون النازية في عهد هتلر، لما شهدته من فظاعات وانتهاكات في عهدي الأسدين. 

وربما مر وقت طويل حتى استطاع أن يستوعب أحداث ذلك الزمن الأسود ويستعيد معاناته ويسطرها على الورق، بعد أن أنهكت روحه وحلّت في كوابيسه.

لا يستطيع أحد المزاودة على تجربة السجين السياسي ومعاناته، لأنها نابعة من ذات ناطقة بالوجع وتجربة حارقة. وإن كنا نستحضرها اليوم، يحدونا الأمل بأن ينتهي جحيم السجون التي تحاصر فضاء الحياة إلى الأبد، وأن تُدك كافة الحواجز والمعوقات التي تحول دون إرادة الإنسان وحريته.

الكلمات المفتاحية

معرض الكتاب

"فضاءات ميديا" تجمع منصاتها تحت سقف واحد في معرض دمشق الدولي للكتاب

سجّلت مجموعة فضاءات ميديا حضورًا بارزًا ولافتًا في معرض دمشق الدولي للكتاب، من خلال جناح إعلامي متكامل جمع تحت سقف واحد أبرز منصاتها


معرض الكتاب

"رويترز": معرض دمشق للكتاب يعكس تحولات ثقافية بعد سقوط نظام الأسد

سلّط تقرير لوكالة "رويترز" الضوء على التحولات التي يشهدها معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية، بوصفه أول معرض يُنظم بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024


الفرات

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية

خلف الضجيج السياسي حول حصص المياه، وبعيدًا عن تقارير المناخ التي تتحدث عن جفاف يلوح في الأفق، يجري نهر آخر في عروق السوريين على ضفاف الفرات


معرض الكتاب

بطلب من بغداد: دمشق تمنع عرض كتاب يضم خطب الزرقاوي في معرض الكتاب

أفادت وكالة "رويترز" بأن الحكومة السورية منعت عرض كتاب مرتبط بـ"تنظيم القاعدة" في معرض الكتاب بدمشق، عقب طلب تقدّمت به بغداد

الجزيرة السورية
مجتمع واقتصاد

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع

يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

جرم ترك العمل
أخبار

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة

أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"


ما اختلفنا 3
منوعات

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد

يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مخيم الهول
أخبار

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات

تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول

الأكثر قراءة

1
قول

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية


2
مجتمع واقتصاد

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري


3
منوعات

في ختام الجولة الثامنة بالدوري الممتاز: دمشق الأهلي يتجاوز الشرطة بثنائية نظيفة


4
أخبار

تقرير: لاجئ سوري يحوّل رحلة اللجوء إلى استوديو تصوير في فيينا


5
أخبار

واشنطن تدعو دمشق للمرونة وترحب بالتقدم في الاتفاق مع "قسد"


advert