الخبير الاقتصادي عامر ديب لـ"الترا سوريا": شحّ الدولار وانخفاض الاحتياطي أبرز عوامل تقلب سعر الصرف
13 سبتمبر 2025
سجل سعر صرف الدولار في السوق السوداء ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأسبوع الجاري، ليصل إلى عتبة الـ11,600 ليرة سورية، بعد أن كان بحالة شبه مستقرة عند الـ10 آلاف خلال الفترة الماضية، واللافت كان تزامن هذا الارتفاع مع اقتراب موسم المدارس.
حول هذا التغير بسعر الصرف، كان للخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري، عامر ديب، لقاء مع موقع "الترا سوريا" للوقوف عند أسباب وتداعيات ارتفاع سعر الصرف على السوق السورية.
انعكاس تراجع الاحتياطي النقدي على سعر الصرف
يفترض ديب في بداية حديثه ألا يؤثر ارتفاع سعر الصرف على أسعار قرطاسية المدارس، لأن تلك المواد دخلت بسعر صرف 10,700، وبيعها وفق 11 ألف منطقي، ويحافظ على عائديته المالية، أما تحجج البائعين بأنهم إذا باعوا وفق سعر 11 ألف، وتساؤلهم عن خسارتهم في حال شراء بضاعة جديدة بسعر11,500 ليرة، فهي حجة غير منطقية لأن القرطاسية ليست سوق دائمة والطلب عليها موسمي، أي ينعدم في باقي الأشهر.
ويضيف: "هذه الحجة غير منطقية، وتجارنا في الأصل يبحثون عن بضائع من النخب المنخفض لزيادة أرباحهم، لكن مع غياب دور حماية المستهلك والمجتمع الأهلي، يبقى المواطن عرضة لأصحاب النفوس الانتهازية. ورأى ديب أن أبرز العوامل الاقتصادية والسياسية التي تقف وراء ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء، تتمثّل في شحّ موارد العملة الصعبة واحتياطيات المصرف المركزي، وانقطاع أجزاء كبيرة من الصادرات التقليدية، مثل النفط والسياحة والتصدير صناعي، بالإضافة إلى تدني الإيرادات بالعملة الصعبة.
ومن الأسباب أيضًا، العقوبات وقيود التعامل المصرفي الدولي التي تعقّد وصول النقد الأجنبي، وفقدان الثقة في السياسات الحكومية أو تبدّلها المفاجئ، مثل تعدّد أسعار الصرف أو تذبذب السياسات النقدية، بالإضافة إلى تدخل المضاربين وتكوّن سوق موازٍ، صرافين غير مرخّصين، ما يسرّع التقلبات.
وفي معرض إجابته عن سؤال انعكاس تراجع الاحتياطي النقدي وانخفاض موارد القطع الأجنبي على سعر الصرف، قال ديب: "الاحتياطي هو "وسادة" لامتصاص طلب العملة الصعبة؛ عند نفادها يفقد المصرف المركزي القدرة على التدخّل وبيع دولارات لتثبيت السعر، وبالتالي يسجل ارتفاع سريع في سعر السوق". واعتبر أن "نقص الاحتياطي يزيد من مخاطر أزمة السيولة النقدية ويحفز المواطنين والتجار على تحويل مدخراتهم إلى دولار، ما يفاقم الطلب ويزيد السعر".
سياسات نقدية غير موحدة
وحول السياسات النقدية المتبعة من قبل المصرف المركزي ودورها في تفاقم الأزمة أم الحد منها، بيّن ديب أن هناك سياسة نقدية غير موحّدة، من ضمنها تعدد أسعار الصرف، طباعة نقدية للاحتواء، قيود على رأس المال، وهي قد تفاقم الانقسام بين السوق الرسمي والموازي وتُشجّع المضاربة.
ويرى أنه بالمقابل، هناك إجراءات متقنة، مثل توحيد السعر، سياسات نقدية تقشفية لوقف تمويل العجز، تشديد على مسارات التحويل عبر المصارف، يمكن أن تحدّ من الأزمة، لافتًا إلى صدور تقارير وإعلانات مؤخرًا تشير إلى أن هناك توجه لـ"توحيد السعر وإدارة عائمة مدارة كخطوة نحو الاستقرار".
وبالنسبة لتأثير العقوبات الاقتصادية على حركة الدولار داخل السوق السورية، يوضح الخبير الاقتصادي أن العقوبات تقلّص قنوات الاستيراد والتصدير الرسمية والتعامل عبر البنوك الدولية، ما يضغط على تدفّقات العملة الصعبة ويزيد الاعتماد على طرق بديلة، مثل التهريب وسوق الممنوعات والتحويلات غير الرسمية.
وبيّن أن العقوبات الدولية تزيد من تكلفة التعامل وتخيف المستثمرين الأجانب، ما يقلل تحويلات رؤوس المال إلى الداخل، مضيفًا أن كل ذلك يرفع الطلب على الدولار ويضغط على الليرة. كما أشار إلى دور المضاربات والتجار الكبار في رفع سعر الصرف بشكل متسارع، إذ إن المضاربين يشترون دولارات بكميات كبيرة عندما يتوقّعون ارتفاعًا، أو عند الإشاعات، ما يخلق ضغطًا عرضيًا مفاجئًا.
أما التجّار الكبار، المستوردون أو الموزعون، فإنهم يحتجزون كميات كبيرة من السلع/العملات أو يطلبون تحويلات خارجية لتأمين مستلزمات وارداتهم، فيرفعون الطلب على الدولار، ويستغلّون الفجوات السعرية لتحقيق أرباح سريعة. كما أن غياب سوق صرف موثوق ومخازن شفافة لتلبية الطلب يجعل السوق السوداء المكان الوحيد لامتصاص هذه الكميات.
انعكاس ارتفاع الدولار على أسعار المواد الغذائية الأساسية
يؤكد ديب أن معظم المواد المستوردة، مثل الحبوب والزيوت والسكر والأعلاف والمدخلات صناعية، تُسعر بالدولار أو تتأثر بتكلفة الشحن والتأمين بالدولار، وأن ارتفاع سعر الصرف يرفع التكلفة المحلية للسلع. أضاف أن مضاعفة التأثير عبر التكلفة التشغيلية، بما في ذلك الوقود والكهرباء وقطع الغيار، يؤدي إلى انتقال الارتفاع مباشرة إلى أسعار التجزئة ويقلّص وزن الحصص الاجتماعية، كما الحال مع دعم الخبز.
وبالنسبة لتأثير ارتفاع سعر الصرف على رواتب الموظفين ومستوى القدرة الشرائية، يوضح ديب أنه عندما ترتفع الأسعار بسرعةً، بينما الرواتب ثابتة أو تتأخّر في التعديل، تنخفض القدرة الشرائية الحقيقية بشدة، ويؤدي ذلك إلى تآكل المدخرات، زيادة الفقر، وطلب على زيادات أجور أو دعم موجه من الحكومة، وفي كثير من الأحيان نرى تأخّرًا في تعديلات الأجور الرسمية مقابل ارتفاع الأسعار.
وعن تأثر القطاع الصناعي والتجاري بارتفاع سعر الدولار، يوضح ديب أن الصناعات المعتمدة على مستوردات المواد الخام أو الآلات تتكبّد تكاليف أعلى، تقلّ أرباحها، وقد تُوقف بعض خطوط الإنتاج. كما أن التجار المستوردون يتحمّلون مخاطر سعر الصرف أو ينقلونها للمستهلك، ما يضعف السوق المحلي ويزيد البطء في دوران السلع، موضحًا أن ارتفاع تكلفة المدخلات يقلل القدرة التنافسية للصادرات، ويثني المستثمرين عن توسيع أعمالهم.
وفي إجابته عن سؤال هل يمكن أن يؤدي استمرار تدهور العملة المحلية إلى مزيد من البطالة والفقر؟ يقول ديب: "نعم، لأن فقدان القدرة الشرائية يؤدي لانكماش الطلب المحلي، الشركات تُخفض التوظيف أو تغلق، ويزيد الفقر بصورة مباشرة وغير مباشرة؛ مثل انخفاض الاستثمار وتراجع الخدمات"، لافتًا إلى أن "التاريخ الاقتصادي يربط بين انهيار العملة وزيادة معدلات البطالة والفقر".
وحول الإجراءات التي يمكن أن تتخذها الحكومة للتخفيف من حدة أزمة الدولار، بيّن ديب أنها متوافقة على مستوى الخبرة الدولية؛ بعضها جذري ويتطلب وقتًا وسياسة ثقة، مثل:
- توحيد أسعار الصرف تدريجيًا وإعلان جدول واضح للتحوّل إلى آلية مُدارة أو عائمة مدارة.
- إعادة بناء الاحتياطي عبر اتفاقات تجارية، جذب استثمارات مباشرة، تسهيلات ائتمانية مع شركاء إقليميين ودوليين بشروط شفافة.
- تشديد الرقابة على السوق الموازية بترخيص الصرافين، وجعل العمليات التجارية المصرفية هي القناة الرئيسية للتحويلات.
- سياسة نقدية متشددة مؤقتًا لكبح التضخم، ووقف تمويل العجز بالنقد.
- حماية الفئات الضعيفة عبر دعم مستهدف للسلع الأساسية والوقود والرواتب الدنيا مؤقتًا.
- شفافية في تبيان مستويات الاحتياط والسياسات لرفع الثقة لدى المتعاملين.
وعن مدى مساهمة تشجيع التحويلات الخارجية أو الاستثمار المحلي في استقرار سعر الصرف، يؤكد ديب أن تحويلات الخارج والاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) يجلبان دولارات ويخفّضان الضغط على السوق. ومع ذلك، تحتاج هذه السياسات إلى بيئة سياسية واقتصادية مستقرة، ضمان حماية للاستثمارات، وقنوات مصرفية دولية موثوقة حتى تكون فعّالة.
السيناريوهات المتوقعة لسعر الصرف خلال الأشهر المقبلة
أما بالنسبة للسيناريوهات المتوقعة لسعر الصرف خلال الأشهر المقبلة، يقول ديب: "قدمنا عدة حلول بعقلية السوق لإعادة دور مصرف المركزي بعيدًا عن البيروقراطية، لكن لم نسمع إجابة لإستقرار سعر الصرف"، مضيفًا أن "الدور ليس فقط على المركزي، وإنما دور حماية المستهلك في ضبط الأسواق ومواجهة جشع التجار والباعة له دور رئيسي في مؤشر أسعار المستهلكين".
وأشار ديب إلى دور وزارة الاقتصاد والصناعة والهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في تنظيم حركة الاستيراد والتصدير، وذلك بحسب حاجة السوق المحلية، فالاستيراد إذا كان لتغطية فائض الطلب، فإن دوره إيجابي. كما في الحقيقة، لا يمكن أن يعول على الإنتاج المحلي في ظل تراجع القطاع الزراعي والثروتين المائية والحيوانية، إذ إن منع الاستيراد سيشكل عامل أساسي لرفع مستويات التضخم، وبالتالي على الليرة السورية.
وتحدث ديب عن سيناريو استقرار مشروط، والذي يرى أنه يتلخص بالتالي:
- أفضل حال: تنفيذ حزمة إصلاحات نقدية وبدء وصول دولارية عبر اتفاقات تجارية أو استثمارات، لأن السوق يتراجع تدريجيًا ويضيق الفارق بين الرسمي والموازي.
- تذبذب مستمر "متوسط": يكون عبر تدخلات قصيرة النفس من المصرف المركزي، واستمرار تدفّقات غير كافية ووجود مضاربات، وهي تقلبات متكررة مع موجات ارتفاع وانخفاض.
- تدهور أعمق "الأسوأ": فشل في إعادة بناء ثقة الأسواق أو احتياطيات كافية، استمرار الطلب على الدولار، وارتفاع أكبر في الأسعار وموجات تضخم إضافية.
وعند سؤاله إن كان هناك فرصة لإعادة الثقة بالليرة السورية مستقبلًا، وكيف يكون ذلك؟ أكد ديب أن هناك فرصة لكنها مشروطة، تحتاج لبرنامج إصلاحي واضح وطويل الأمد يجمع بين توحيد سعر الصرف، وسياسة مالية ونقدية منضبطة، وحماية اجتماعية للفئات الأضعف، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات لتحفيز دخول الدولارات، مثل التحويلات والاستثمارات والصادرات والشفافية. ولفت إلى أنه يجب تقييد السوق الموازية، واستعادة قنوات مصرفية دولية أو بدائل قانونية ضرورية لإعادة بناء الثقة تدريجيًا.
لقد كانت الأخطاء في السياسة النقدية خلال الأشهر الستة التالية لسقوط النظام، خاصة خطوات تضخيم فرق أسعار الصرف، وطباعة النقد لتغطية العجز، أو فشل في حماية احتياطيات العملة الصعبة، من العوامل المحورية التي سرّعت انهيار الثقة وسمحت للمضاربين والسوق الموازي بالهيمنة على السعر. ولعل هذه التراكمات كلّفت البلاد فقدان قدرة التحكم بالأسواق المالية، وأدت إلى تبعات سريعة على الأسعار والبطالة والمعيشة، حيث تستمر معركة سعر الصرف، في الوقت الذي يتطلب الحلّ حزمة سياسات اقتصادية-نقدية واجتماعية متزامنة وواضحة.
الكلمات المفتاحية
أسواق إدلب قبل رمضان 2026.. موجة غلاء غير مسبوقة تضرب المواد الأساسية
تشهد أسواق محافظة إدلب موجة غلاء واسعة وغير مسبوقة طالت معظم المواد الغذائية الأساسية، مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك
أسواق سوريا قبل رمضان 2026.. ركود في الألبسة وإقبال على المواد الغذائية
بين محاولات التجار تحريك السوق بالعروض، وترقب المواطنين لأي انفراج في الأسعار، تبقى حركة الشراء مرهونة بتحسن القدرة الشرائية وحدوث انفراجة في الأوضاع الاقتصادية
عودة صحة أعزاز للخدمة بعد الإضراب.. ومديرية حلب توضح مسار الدمج مع الوزارة
بين عودة الكوادر الصحية في أعزاز للعمل بعد الإضراب، وحديث المديرية عن إجراءات إدارية قيد الاستكمال، يبقى ملف الدمج وصرف الرواتب معلّقًا بانتظار الموافقات المركزية
أسواق سوريا قبل رمضان 2026.. ركود في الألبسة وإقبال على المواد الغذائية
بين محاولات التجار تحريك السوق بالعروض، وترقب المواطنين لأي انفراج في الأسعار، تبقى حركة الشراء مرهونة بتحسن القدرة الشرائية وحدوث انفراجة في الأوضاع الاقتصادية
بين منشآت متهالكة وملاعب طينية… من يتحمّل مسؤولية تراجع البنية التحتية الرياضية؟
مدربون ومختصون يكشفون لـ"الترا سوريا" واقع المنشآت والملاعب الرياضية في سوريا، بين اعتراف بحجم التراجع وترقب حذر لمحاولات المعالجة الجارية
"ميتافورا" تطرح الإعلان الترويجي لمسلسل "الخروج إلى البئر".. عمل درامي يستعيد أحداث صيدنايا
يظهر في المقطع الفنان جمال سليمان بشخصية سلطان الغائب، وهو سجين سابق في "سجن صيدنايا"، قاتل في العراق ضد الاحتلال الأميركي قبل أن يقع في قبضة النظام السوري
"بنت النعمان".. عمل كوميدي يجمع محمد أوسو وريام كفارنة في رمضان
تتناول حلقات المسلسل المتصلة المنصلة مواقف يومية تعكس تفاصيل الحياة وهمومها، بروح ساخرة ولغة قريبة من الجمهور