ultracheck
قول

الخلاص من قانون قيصر .. وما تبقى لا يقل أهمية

21 ديسمبر 2025
الكونغرس
يأتي رفع قانون قيصر كتحول مهم في السياسة الأميركية نحو سوريا (مواقع التواصل/ الترا سوريا)
قصي زهر الدين
قصي زهر الدينكاتب وصحفي

منذ إقراره، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، استُخدم قانون حماية المدنيين في سوريا، المعروف بقانون قيصر، كأداة ضغط سياسية واقتصادية هدفت إلى محاسبة نظام بشار الأسد على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها بحق المدنيين والمعتقلين، وكذلك إلى ردع أي أطراف خارجية عن تقديم الدعم لممارسات القمع التي طالت مختلف المدن السورية. وقد حمل القانون في جوهره بعدًا يتجاوز العقوبات الاقتصادية، ليشكل رسالة سياسية وأخلاقية مفادها أن الإفلات من العقاب لن يكون مقبولًا دوليًا.

إلا أن الواقع العملي للسياسة الأميركية تجاه سوريا أظهر، خلال السنوات الأخيرة، قدرًا متزايدًا من المرونة والمراجعة. فقد شهدنا تقديم إعفاءات وتخفيفات جزئية على العقوبات، لا سيما في عام 2025، عندما أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تراخيص عامة سمحت بتعليق بعض بنود قانون قيصر لفترات مؤقتة، من أجل دعم النمو الاقتصادي وفتح المجال أمام الاستثمار في ظل إدارة سورية جديدة. كما جرى تعليق العمل ببعض العقوبات لمدة 180 يومًا مع الإبقاء على استثناءات واضحة تتعلق بالتعامل مع روسيا وإيران، في محاولة لتحفيز انفتاح اقتصادي مدروس دون المساس بالأهداف السياسية الكبرى. غير أن التطور الأبرز تمثل مؤخرًا في تصويت الكونغرس على إلغاء قانون قيصر كليًا ضمن مشروع قانون ميزانية الدفاع للفترة 2026، وهو ما يعني سحب الإطار القانوني الذي حكم السياسة العقابية الأميركية تجاه سوريا لسنوات طويلة.

من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الخطوة الحالية بوصفها إجراءً منفصلًا أو طارئًا، بل هي امتداد لمسار طويل من التحولات في مقاربة واشنطن للملف السوري، مسار يتأرجح بين الضغط وإعادة التقييم تبعًا للمتغيرات السياسية والإقليمية والدولية. غير أن ما يميز هذه المرحلة هو أن رفع قانون قيصر يبدو أكثر جدية واستدامة من المحاولات السابقة، إذ لم يعد محصورًا في قرارات تنفيذية أو تراخيص مؤقتة صادرة عن وزارة الخزانة، بل انتقل إلى مستوى التشريع داخل الكونغرس الأميركي، وارتبط بقانون محوري مثل ميزانية الدفاع. وهذا التحول يمنح القرار ثقلًا مؤسساتيًا أكبر، ويعكس قدرًا من التوافق بين البيت الأبيض والكونغرس، ويحدّ من احتمالات التراجع السريع عنه بقرار رئاسي منفرد.

ترافق هذا المسار مع دعم سياسي وإداري معلن من مؤسسات أميركية أساسية، وعلى رأسها وزارة الخارجية، التي رأت أن استمرار العقوبات لم يعد ينسجم مع الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة، سواء لجهة تحقيق قدر من الاستقرار، أو في سياق مكافحة الإرهاب، أو حتى في إعادة ترتيب العلاقات مع شركاء إقليميين. كما أن التغيرات المتسارعة في البيئة الدولية، بما في ذلك إزالة سوريا من بعض قوائم الإرهاب ورفع العقوبات عن شخصيات سورية سابقة من قبل دول غربية مثل كندا، تشير إلى موجة أوسع من إعادة إدماج سوريا سياسيًا في النظام الدولي.

ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا بقوة داخل الأوساط السورية السياسية والمجتمعية: ما الذي يتوجب على السلطة المؤقتة القيام به كي لا تعود العقوبات، تحت عناوين جديدة؟ فرفع العقوبات بحد ذاته لا يشكل ضمانة دائمة، ما لم يُرفق بالتزامات واضحة وإصلاحات فعلية. إذ يُتوقع من الحكومة السورية الجديدة الالتزام بقواعد الشفافية والمساءلة، وتقديم تقارير دورية تتعلق بمكافحة الإرهاب، واحترام حقوق الأقليات الدينية والسياسية، وتأمين بيئة آمنة للاستثمار والتجارة، إضافة إلى تبني سياسة خارجية قائمة على علاقات سلمية مع دول الجوار. كما يُنتظر منها الشروع في إصلاحات قانونية ومؤسساتية عميقة، تشمل إعادة بناء النظام القضائي والتجاري، وتعزيز سيادة القانون، وضمان استقلال المؤسسات بعيدًا عن التدخلات التعسفية.

إلى جانب ذلك، تشكل الإصلاحات الاجتماعية والسياسية شرطًا لا غنى عنه، سواء من خلال بسط السيادة على كامل الأراضي السورية، أو حماية الحريات الأساسية، أو العمل الجاد على توحيد مؤسسات الدولة بعد سنوات من التفكك والصراع. ويبقى ملف حقوق الإنسان ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أحد أكثر الملفات حساسية، إذ إن أي تقاعس في هذا المجال قد يوفر مبررًا جاهزًا لإعادة فرض العقوبات مستقبلاً، حتى وإن تغيّر الإطار القانوني الحالي.

يفتح إلغاء قانون قيصر الباب أمام تحولات اقتصادية وسياسية مهمة. اقتصاديًا، يزيل هذا الإجراء أحد أكبر العوائق أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية، لا سيما في قطاعات حيوية مثل الطاقة والبنية التحتية والزراعة، ويمكّن سوريا من الانخراط مجددًا في شبكات التجارة الإقليمية والدولية، وتحسين موارد الدولة عبر الوصول إلى التمويل الخارجي وفتح قنوات مصرفية مع البنوك العالمية. غير أن هذا التعافي، إن تحقق، سيكون تدريجيًا وبطيئًا، ويتطلب إدارة رشيدة وإعادة هيكلة عميقة للاقتصاد المتضرر.

سياسيًا، قد يسهم رفع العقوبات في تحسين موقع سوريا الدبلوماسي، وفتح قنوات تواصل أوسع مع العواصم الإقليمية والأوروبية، كما يمكن أن يعزز من مصداقية السلطة الجديدة في الخارج ويدفع باتجاه حلول سياسية داخلية قائمة على التوافق بدل العنف. ومع ذلك، تبقى السياسة الدولية متقلبة، وقد تعيد متغيرات جيوسياسية جديدة رسم المشهد في أي لحظة.

في الخلاصة، يأتي رفع قانون قيصر كتحول مهم. غير أن هذا التحول يظل مشروطًا بمتابعة دقيقة وإجراءات إصلاحية حقيقية. فإذا ما أحسنت السلطة المؤقتة استثمار هذه الفرصة، يمكن أن يشكل رفع العقوبات نقطة انطلاق نحو استقرار اقتصادي وسياسي نسبي، أما على المستوى الاجتماعي، فإن المصالحة السورية–السورية تبقى أولوية قصوى، تجنبًا لانزلاق البلاد مجددًا إلى دوامة صراع لم تندمل جراحه بعد.

الكلمات المفتاحية

رتل تابع لوزارة الدفاع في مدينة اللاذقية

تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية

في المراحل الانتقالية، لا تُقاس جدّية السلطة الجديدة بتصريحاتها المستقبلية، بل بكيفية إدارتها للإرث المؤسسي والقانوني الذي ورثته


احتجاجات

أنت حر.. فقط في أن تمدحني

يبدو أن المعادلة الذهبية في نظر المسؤول كانت على النحو التالي: نعطيكم حرية القول شريطة أن تظلوا صامتين


الشرع

ملف "قسد".. الحل السياسي بديلًا من الاحتراب

أجمع أغلب المراقبين على وصف الاتفاق بأنه "خطوة مهمة، يمكن أن تشكل نقطة تحول مفصلية في مسار الحل السياسي


نتنياهو

إسرائيل على الأرض.. إسرائيل في خطاباتنا

منذ عقود، والخطاب السوري المعلن إزاء إسرائيل يشوبه هذا القدر من اللا واقعية والخفة

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
عدالة انتقالية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا


2
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


3
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


4
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


5
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


advert