الذاكرة الجماعية جسر العبور نحو العدالة
19 نوفمبر 2025
تسعى العدالة الانتقالية إلى معالجة إرث الماضي في المجتمعات التي عانت من الحروب والصراعات، وذلك من خلال كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، ما يبرز دور الذاكرة الجماعية كأداة من أدوات العدالة، حيث تبقى حاضرة في أصوات الضحايا والانتهاكات التي تعرضوا لها، فتحفظ رواياتهم ومآسيهم لضمان عدم تكرار الانتهاكات وبناء السلم الأهلي على أسس سليمة.
أهمية الذاكرة الجماعية في تحقيق العدالة الانتقالية
تقول عضو مجلس الشعب السوري، الكاتبة نور الجندلي، في حديث لـ"الترا سوريا"، إن الذاكرة الجمعية هي أحد المنطلقات التي تبنى عليها العدالة الانتقالية، إذ ترتبط العدالة ارتباطًا وثيقًا بالاعتراف بالوجع الإنساني الذي مر به الناس، والعمل على محاسبة المجرمين وجبر الضرر وتعويض الضحايا وتقديم التقدير الملائم، مؤكدة أن إحياء الذاكرة الجماعية يحفظ كرامة الضحايا ويمنحهم مساحة للاعتراف بهم والتوثيق لمعاناتهم وتكريمهم، ويرسخ في الوعي العام النفور من الانتهاكات ومنع تكرارها مستقبلًا، وهو شكل من الإنصاف المعنوي، فهو يمنح الضحايا وأسرهم شعورًا بأن هناك تقديرا لآلامهم ومعاناتهم، وأن المجتمع لم يتجاهل هذا كله، ومن الإنصاف رواية ما مروا به بصدق وتوثيقه ونشره في كتب أو أفلام أو وسائل متعددة، هكذا تصل الرسالة لهم باحترام معاناتهم وتقدير تضحياتهم.
الكاتبة والمحاضرة في جامعة لوسيل، لبابة الهواري، توضح أن أهمية الذاكرة الجماعية تكمن في أنها أداة لتثبيت الحقيقة وتكوينها في بعض الأحيان، فلولا وجود الشهادات الموثقة لاندثرت كثير من أحداث الثورة السورية ووقائعها، كما تلعب هذه الشهادات دورًا أساسيًا في محاكمة ومعاقبة مرتكبي الانتهاكات وضمان تحقيق العدالة، كما أن الذاكرة الجماعية تمنع حالات الإنكار التي تحدث بعد الصراع، ويظهر ذلك بوضوح فيما جرى بعد التحرير من الترويج لأعمدة النظام المجرم ومحاولتهم إنكار مشاركتهم في جرائم النظام والعودة لتصدر المشهد، لتقف الذاكرة الجماعية لهم بالمرصاد وتعيد الأمور لنصابها ليقالوا من مناصبهم ويمنعوا من المشاركة من خلال إظهار الوثائق والشهادات التي تدينهم وتوثق انتهاكاتهم.
وتضيف الجندلي أن تسييس الذاكرة يعني أن تروى الحكاية من زاوية واحدة، فيتم تجاهل أو استبعاد بعض الضحايا، وتصدير غيرهم وفق الولاءات والمصالح، ومكمن الخطورة هو أن يكون هناك ظلم واقع ويتم التغافل عنه، مما يعمق الفجوة والانقسام بدل أن يساهم في تضميد الجراح، والذاكرة العادلة يجب أن تكون إنسانية جامعة وعادلة في آن معًا.
دور الفعاليات الثقافية في حفظ الذاكرة الجماعية
وحول الفعاليات الثقافية ودورها في حفظ الذاكرة الجماعية، توضح الجندلي أهميتها في حفظ الذاكرة، سواء كانت معارض وندوات ومتاحف وغيرها وهي ترتبط بفئات متنوعة من الناس، ويمكن من خلالها أن بتعرف المجتمع على ماضيه دون خوف، وأن يواجه ما حدث ويكون له دور فاعل فيه، كما أن المؤسسات الوطنية من الضروري أن تتبنى مشروعًا توثيقيًا شاملًا نزيها وشفافا يحفظ الشهادات، ويدرجها في المناهج التعليمية ويدعم الإنتاج الفني والأدبي الذي يعيد سرد التجربة بكرامة واحترام، فمن دون ذاكرة مؤسساتية تبقى الذاكرة هشة وعرضة للنسيان أو للتزييف.
ويلعب الأدب دورًا محوريًا في حفظ الذاكرة الحية التي لا تموت، وفقًا لـجندلي، فهو القادر على استخراج المعنى ورواية الأحداث بكل براعة وإبداع، وبوسعه تحويل الآلام والجراح إلى حكايات يتوارثها الناس والمجتمعات، كذلك الأدب يقاوم للنسيان، فالرواية مثلًا تستطيع أن تخلد ما تعجز التقارير عن نقله من مشاعر ونبض الناس وخوفهم وقصص صمودهم، وكرامتهم، ومن خلاله تتشكل هوية الذاكرة الجماعية مثل بوصلة تكسب المعنى من الماضي وتتجه نحو مستقبل لا يحصل فيه تكرار للمأساة، بل ينطلق من وعي جديد ناضج ويمتلك من الحكمة والمقدرة والقوة على صد ومجابهة كل ما تسبب بمأساة الماضي.
في السياق ذاته، تؤكد الهواري أن دور الأدب لا يقل أهمية عن دور التوثيق التاريخي والإعلامي، فالتوثيق يروي وقائع وحقائق لا مجال لتزويرها، فيما يرويها الأدب بأسلوب عاطفي يتيح للقارئ المشاركة في اللحظة التي دونت كخبر أو حادثة، فينقل ما يرافق الخبر من مشاعر وذكريات تحيط بالخبر، وتجعل منه حالة شعورية لا مجرد خبر.
وتستمد الذاكرة الجماعية قوتها واستمراريتها من قوة القضية التي تحملها ومن قوة الشعب الذي يحافظ عليها، حسب الهواري، وأكبر دليل على أن الذاكرة لا تفقد قوتها بمرور الزمن، ما أثبتته القضية الفلسطينية عبر ذاكرتها وحضورها عبر الأجيال والأزمان، وتضيف أنها كتبت روايتها "نفق من نور" استنادًا على مارواه لها أهلها من الذاكرة الجماعية حين أبعدوا عن سوريا جراء أحداث الثمانينات، فهي لم تزرها ولم تتعرف عليها إلا من خلال ذاكرة من حولها، إلا أنها تمكنت من حمل هذه الرسالة والقضية والكتابة عنها، كما أورثتها لأبنائها أيضا عبر الذاكرة ليدعموا الثورة السورية، مع أنهم ولدوا وتربوا خارج سوريا.
دور الذاكرة الجماعية في بناء الهوية الوطنية
وعن توظيف الذاكرة الجماعية في بناء هوية وطنية جامعة، توضح أن إدراج القصص الحقيقية في المناهج التعليمية أمر مهم لبناء هوية وطنية عبر توظيفها في إطار وطني، وكذلك الأمر بالنسبة للإعلام والثقافة، يجب توجيههما لإنتاج سردية تركز على القيم المشتركة بين أفراد الشعب، والتركيز على القيم الجامعة والأهداف الموحدة بعيدًا عن خطابات التفرقة والطائفية التي تغذي التشتت بدلًا من التوحد، والعناية بالأدب الناتج عن الذاكرة الجماعية، "أدب الثورة"، تأسيًا بأدب المقاومة وأدب السجون، إلى جانب وجود لجان حقيقة تعترف بما جرى وتقوم بإحياء ذكرى الأحداث والضحايا، ترسيخًا لتحقيق العدالة وتكريسًا لمبدأ أن الذاكرة أداة لتحقيق الإنصاف وليست للانتقام، ما يشعر الناس بأن ذاكرتهم المبنية خلال الثورة، لن تذهب أدراج الرياح بل ستكون أداة لتحقيق العدالة أولًا، وبناء السلم الأهلي وإرساء قواعده ثانيًا.
الكلمات المفتاحية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا
الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

شخص واحد في منصبين متعارضين.. قرار وزارة العدل يثير الجدل في الأوساط الحقوقية
أصدر وزير العدل القرار رقم 348، والذي يقضي في مادته رقم 4، بتعيين حسن الأقرع رئيسًا للنيابة العامة العسكرية في حمص، ورئيسًا للمحكمة فيها، ما يعد مخالفة للمبادئ القانونية

انضمام سوريا لاتفاقية "منع الجرائم ضد الإنسانية" وانعكاسه على مسار العدالة الانتقالية
انتخبت سوريا بالتزكية نائبًا لرئيس مكتب اللجنة التحضيرية الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني باتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


