الرواية السورية في مواجهة النسيان: التوثيق الأدبي للحرب والثورة
10 أبريل 2025
على مدار أكثر من عقد، شهدت سوريا زلزالًا اجتماعيًا وسياسيًا أعاد تشكيل حياة السوريين في شتى مجالاتها. في ظل هذا الدمار، لم يكن الأدب غائبًا عن المشهد، بل ظهر كأحد أهم وسائل التوثيق، حيث لجأ العديد من الكتّاب السوريين إلى الرواية لنقل معاناة الأفراد، ورصد تحولات المدن، وتوثيق آلام الحرب والثورة.
ولم تكتفِ الرواية السورية برصد الحرب كحدث سياسي، بل تعمّقت في أبعادها الإنسانية والاجتماعية والنفسية. فمن خلال شخصياتها المتنوعة، استطاعت أن تعكس تعقيد المشهد السوري، حيث تداخلت الثورة بالحرب، والأمل بالخذلان، والوطن بالمنفى. وبينما تختلف أساليب السرد وزوايا الطرح، تبقى هذه الروايات شاهدًا أدبيًا على واحدة من أكثر الفترات دموية في التاريخ السوري الحديث.
وهناك عدة أعمال أدبية تناولت هذه المرحلة بأساليب سردية مختلفة، مقدّمة شهادات روائية تقترب من الواقع حتى حدود التوثيق. من بين هذه الأعمال:
• "مترو حلب"، مها حسن: تقدم الرواية صورة مغايرة لمدينة حلب خلال الحرب، عبر حكاية إنسانية توثق التغيرات التي طالت المكان وساكنيه.
•"مدن اليمام"، ابتسام تريسي: تتناول الرواية تفاصيل الصراع السوري من زوايا متعددة، كاشفةً عن تعقيداته وتأثيراته على مختلف فئات المجتمع.
•"قميص الليل"، سوسن حسن: تروي الحرب من منظور نسائي، مركزةً على التحولات النفسية والاجتماعية التي تعيشها الشخصيات في ظل النزاع.
•"موسم سقوط الفراشات"، عتاب أحمد شبيب: تتأمل الرواية مصير الثورة، وتطرح أسئلة حول التحولات العنيفة التي طالت الحلم السوري.
•"أيام في بابا عمرو"، عبد الله مكسور: تستند الرواية إلى شهادات حقيقية عن واحدة من أكثر محطات الثورة السورية دموية، مقدمة صورة قاسية عن القمع والمقاومة.
التوثيق الأدبي: عن الرواية والتاريخ
لكن، هل يمكن اعتبار الرواية بديلًا عن التاريخ؟ كيف يواجه الكتّاب تحديات الكتابة عن الحرب؟ وكيف يؤثر المكان ــ سواء داخل سوريا أو في المنفى ــ على صوت الكاتب ورؤيته؟
في هذا السياق، التقى "الترا سوريا" بالكاتب السوري عبد الله مكسور، صاحب رواية "أيام في بابا عمرو"، ليحدثنا عن تجربته في الكتابة خلال الحرب، وتحديات التوثيق الأدبي، ودور الأدب في حفظ الذاكرة الجمعية للسوريين.
وحول الدافع وراء كتابة "أيام في بابا عمرو" يرى عبد الله مكسور أن الكتابة ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة حتمية. يقول: "الكتابة بالنسبة لي ليست خيارًا، بل ضرورة. منذ اللحظة التي انطلقت فيها الثورة السورية، راهنت بداية على حلٍّ ما، كان من المستحيل البقاء على الهامش، سواء كإنسان أو ككاتب. الدافع شخصي، نعم، لأن الحرب لم تكن مجرد مشهد بعيد أراقبه، بل كانت جزءًا من تكويني، يمسني مباشرة، يمس ذاكرتي الشخصية والجمعية. لكنها أيضًا مسؤولية أدبية، لأن الحروب لا تُكتب فقط بالدماء، بل بالكلمات التي تحفظ حقيقة ما جرى من التشويه والنسيان".
التوازن بين التوثيق والتخييل الأدبي
يشير مكسور إلى أن الرواية ليست وثيقة تاريخية، لكنها أيضًا ليست خيالًا مطلقًا. يؤكد أنه حاول خلق توازن دقيق بين التوثيق والتخييل، بحيث تكون الرواية شاهدة على التاريخ دون أن تتحول إلى تقرير صحفي:
"الرواية ليست تقريرًا صحفيًا، لكنها أيضًا ليست خيالًا مطلقًا. أنا أؤمن أن الأدب قادر على التقاط ما تعجز عنه الوثائق الجامدة. لذلك، حاولت أن أخلق توازنًا دقيقًا بين الحدث الحقيقي والتخييل، بحيث لا تصبح الرواية وثيقة مباشرة، ولكنها تبقى شاهدة على التاريخ، تاريخ أولئك المهمشين الذين عاشوا التجربة بالكامل".
وفيما يخص مصادره أثناء الكتابة، يوضح أنه لم يعتمد فقط على تجربته الشخصية، بل استمع إلى شهادات حقيقية، وقرأ وثائق، وعايش الأحداث عن قرب: "لا يمكن فصل التجربة الشخصية عن الكتابة، لكنني أيضًا استمعت إلى شهادات حقيقية، قرأت وثائق، وعايشت الأحداث عن قرب. هناك تفاصيل لا يمكن تخيّلها، لأنها ببساطة أقسى من الخيال، وهناك لحظات لا يمكن أن تُكتب إلا عبر عيون من عاشوها".
التحديات والرقابة الذاتية
الكتابة عن الحرب ليست بالأمر السهل، إذ يواجه الكاتب الخوف، الرقابة الذاتية، والضغوط النفسية. يقول مكسور: "الخوف رفيق دائم. ليس فقط الخوف من السلطات أو الرقابة، بل الخوف من أن تخون الحقيقة، من أن تخذلك اللغة، من أن تصبح الكتابة مجرد تكرار لمأساة دون أن تضيف إليها بُعدًا جديدًا".
ويضيف أن أسلوبه السردي تغيّر مع الوقت، حيث بدأ بالاعتماد على التوثيق المباشر ثم انتقل إلى الرمزية: "في البداية، كنت أميل إلى التوثيق المباشر، لأن حجم الألم كان يتطلب مواجهة بلا أقنعة. لكن مع الوقت، أدركت أن الرمزية تمنح النص بعدًا آخر، تُخفي في طياتها تفاصيل لا يمكن البوح بها علنًا، وتجعل القارئ شريكًا في إعادة اكتشاف المعنى".
مستقبل الأدب السوري بعد الحرب
يرى مكسور أن الأدب السوري لا يمكن أن يبقى أسير المأساة، وأن هناك حاجة للتطرق إلى موضوعات أخرى:
"الحرب ليست حدثًا عابرًا، بل هي زلزال يمتد أثره لعقود. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن يبقى الأدب السوري أسير المأساة. هناك حاجات إنسانية أخرى، للحب، للحياة، للخيال. للصراع الاجتماعي والسياسي، ما نحتاجه هو أدب يعترف بالجراح لكنه لا يغرق فيها".
ويؤكد أن الأدب هو أرشيف المشاعر، وهو ما يجعل دوره في المصالحة الوطنية وحفظ الذاكرة ضروريًا:
"الأدب هو أرشيف المشاعر، وهو المساحة الوحيدة التي يمكن أن يلتقي فيها الجميع دون خوف. لا يمكن للمصالحة أن تتم دون مواجهة الحقيقة، ودور الأدب هو أن يكون تلك المرآة الصادقة، التي تعكس وتعترف بالألم لكنها أيضًا تفتح نوافذ للأمل".
ختامًا
في ظل الحرب والثورة، لم تكن الرواية السورية مجرد انعكاس للأحداث، بل تحولت إلى أداة توثيقية تلتقط التفاصيل التي قد يغفلها التاريخ الرسمي. من خلال شخصياتها وسردها، يعول عليها أن تحفظ الذاكرة الجماعية للسوريين، وتنقل معاناتهم إلى الأجيال القادمة. وهكذا يبقى الأدب شاهدًا حيًا على ما حدث، يحفظ الحقيقة من النسيان، ويعيد تشكيل الحلم السوري رغم كل الألم.
الكلمات المفتاحية

"فضاءات ميديا" تجمع منصاتها تحت سقف واحد في معرض دمشق الدولي للكتاب
سجّلت مجموعة فضاءات ميديا حضورًا بارزًا ولافتًا في معرض دمشق الدولي للكتاب، من خلال جناح إعلامي متكامل جمع تحت سقف واحد أبرز منصاتها

"رويترز": معرض دمشق للكتاب يعكس تحولات ثقافية بعد سقوط نظام الأسد
سلّط تقرير لوكالة "رويترز" الضوء على التحولات التي يشهدها معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية، بوصفه أول معرض يُنظم بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية
خلف الضجيج السياسي حول حصص المياه، وبعيدًا عن تقارير المناخ التي تتحدث عن جفاف يلوح في الأفق، يجري نهر آخر في عروق السوريين على ضفاف الفرات

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


