السويداء على هامش الخريطة التعليمية: مصيرٌ مجهول لامتحانات الثانوية ومدارس تتحوّل إلى ملاجئ
24 أكتوبر 2025
في وقتٍ تستعد فيه مديرية تربية السويداء لإجراء امتحانات الثانوية العامة المعادة في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، يعيش آلاف الطلاب في المحافظة حالة من القلق والترقّب، وسط غيابٍ تام لأي توضيحات رسمية حول اعتراف وزارة التربية والتعليم بهذه الامتحانات، وتفاقم الأزمات الأمنية والمعيشية التي شلّت العملية التعليمية في المنطقة.
غياب القرارات التعويضية
تعود فصول الأزمة إلى أحداث العنف الدامية التي شهدها ريفي السويداء الشمالي والغربي في تموز/يوليو الماضي، ما تسبَب بتوقف الامتحانات الرسمية للثانوية العامة. يقول الطالب ق. ج، وهو أحد النازحين من قرية ريمة حازم، لموقع "الترا سوريا" أنه لم يتمكن من استكمال امتحاناته بعد تقديم مادة الفيزياء فقط، قبل أن تتوقف الامتحانات نتيجة اشتداد القصف.
وأضاف: "خرجنا من قريتنا بثيابنا فقط هربًا من جحيم المدافع وأصوات الرصاص. تفاجئنا لاحقًا بأن الوزارة احتسبت لنا علامة الفيزياء فقط، دون قرارات تعويضية لبقية المواد".
ويتابع طالب الثانوية العامة حديثه موضحًا أن "مديرية التربية حددت موعدًا جديدًا لإعادة الامتحان، لكننا نفتقر للكتب والمواد الدراسية"، مشيرًا إلى أن "أحد فاعلي الخير تبرّع بنسخة من الكتب لأتمكن من الدراسة مجددًا".
قرارات "مجحفة" بحق طلاب الريف الشرقي
من جهة أخرى، تصف الطالبة ن. ب، وهي من قرية سالة في الريف الشرقي للمحافظة، قرار مديرية التربية بإجراء الامتحانات في مراكز المدينة بأنه "مجحف بحق طلاب القرى البعيدة". وأوضحت لـ"الترا سوريا" أن أزمة النقل والمحروقات تشكّل عقبة حقيقية أمام وصول الطلاب إلى مراكز الامتحان.
ولفتت الطالبة في حديثها إلى أن "المواصلات شبه معدومة، والأسعار باهظة"، مضيفة "لا أحد يفكر بكيفية وصول طلاب القرى البعيدة إلى المدينة"، مؤكدة غياب أي "دعم أو مساعدات لتسهيل" تنقل الطلاب.
امتحان بلا اعتراف؟
لا يقف الارتباك عند الحدود اللوجستية فحسب، بل يتعدّاه إلى جوهر العملية التعليمية نفسها. يقول زهير، وهو طالب في إحدى ثانويات المدينة، لـ"الترا سوريا": "حتى الآن لم يُحسم موضوع الاعتراف بهذه الامتحانات. لا نعرف ما إذا كانت الشهادة معترفًا بها من وزارة التربية أم لا، لذلك يفكّر كثير من الطلاب في عدم التقدّم إليها".
يؤكد مصدر في مديرية تربية السويداء، فضّل عدم الكشف عن هويته، لـ"الترا سوريا" أن إعادة الامتحانات جاءت استجابة لمطالب الأهالي بإيجاد حلّ بديل للطلاب المتضررين. وأضاف: "عدد الطلاب المتقدمين يقدر بنحو 6200 طالب وطالبة".
وأوضح المصدر أن وزارة التربية والتعليم كانت قد اقترحت نقل الطلاب إلى محافظتي دمشق أو درعا لإجراء امتحانات تعويضية هناك، إلا أن مديرية السويداء رفضت الطرح بسبب المخاوف الأمنية، بالإضافة إلى عدم توفر الضمانات اللازمة لسلامة الطلاب.

وأشار المصدر إلى أن مديرية السويداء قرّرت تنظيم الامتحانات داخل مركز مدينة المحافظة، مع تزويد القاعات بكاميرات مراقبة لضمان "النزاهة والشفافية"، لكنه امتنع عن توضيح الجهة التي ستمنح الاعتراف الرسمي بنتائج الامتحان.
تعليق الدوام المدرسي يثير جدلًا
في موازاة ذلك، أثار قرار مديرية التربية بإيقاف الدوام المدرسي حتى إشعارٍ آخر جدلًا واسعًا في المحافظة. فبينما رأى بعض الأهالي أن القرار سيزيد حالة الإرباك، اعتبره آخرون خطوةً ضرورية لحماية الطلاب في ظل استمرار التوترات الأمنية.
وقد استند القرار إلى البيان الصادر عن "الحرس الوطني" في السويداء، والذي اتهم فيه القوات الحكومية باستخدام الطائرات المسيّرة لتنفيذ "عمليات عدائية"، بعضها استهدف مناطق مأهولة قرب المدارس، ما شكّل تهديدًا مباشرًا لحياة الطلاب. ولاحقًا، أوضحت المديرية أن تعليق الدوام لا يشمل تأجيل امتحانات الثانوية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
بين مدرستين: تعليم بلا أفق
تحذّر أماني، وهي مدرسة لمادة الفيزياء، في حديثها لـ"الترا سوريا" من تداعيات تعليق التعليم على المدى الطويل، مؤكدة أن "إيقاف العملية التربوية بهذه الصورة يهدد جيلًا كاملًا، إذ يعيش الطلاب حالة نفسية مأساوية"، مشيرةً إلى أن "السويداء كانت منارة للعلم، واليوم نخشى أن نفقد أهم ما تميزنا به".
أما نور، وهي مدرسة للغة العربية، فترى أن القرار كان ضروريًا رغم سلبياته، مضيفة لـ"الترا سوريا": "لم نتقاضَ رواتبنا منذ ثلاثة أشهر. المدارس مكتظة بالنازحين، والرصاص يُسمع في محيط المدارس يوميًا. وفي مثل هذه الظروف أصبح التعليم مخاطرة حقيقية".
أزمة مجتمع لا أزمة قطاع
يختصر الطالب هاشم، وهو في الصف الثاني الثانوي، المشهد الإنساني ببساطة مؤلمة قائلًا: "والدي المريض اقترض مالًا ليشتري لي قرطاسية المدرسة. نقف ساعات للحصول على ربطة خبز، فهل يُعقل أن نتابع الدراسة في ظل هذا الواقع؟".
تعكس كلمات هاشم مأساةً أوسع، تتمثّل في انهيار البنية التعليمية في محافظةٍ كانت تُعرف تاريخيًا بتفوّقها الأكاديمي، وتحوّل التعليم فيها إلى عبءٍ إضافي على كاهل الأسر المثقلة بالأزمات المعيشية. وبين قراراتٍ غير واضحة، وتوتّراتٍ أمنيةٍ مستمرة، وغياب التنسيق بين الحكومة المركزية ومديرية التربية في السويداء، يبدو مستقبل العملية التعليمية في المحافظة معلّقًا بخيطٍ رفيع.
وفي النهاية، لا الطلاب يعرفون مصير امتحاناتهم، ولا المعلمون يملكون أدوات الاستمرار في عملهم، فيما تتحوّل المدارس إلى ملاذاتٍ للنازحين بدلًا من أن تكون مناراتٍ للعلم.ويبقى السؤال الأهم، الذي لم تجب عنه أي جهةٍ رسمية حتى الآن:هل ستعترف وزارة التربية بنتائج امتحانات السويداء، أم سيبقى آلاف الطلاب رهائن قراراتٍ مؤجّلة في محافظةٍ لم تعد تعرف أين يبدأ الأمن وأين ينتهي التعليم؟
الكلمات المفتاحية
سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة: بلد يعيش على المساعدات وينتظر التعافي
يكشف واقع الاقتصاد السوري بعد الحرب اتساع الفقر واعتماد ملايين السكان على المساعدات، وسط تعافٍ بطيء وعقبات تعرقل الاستثمار وإعادة الإعمار
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026
إحصاء مخيمات إدلب.. خطوة أولى نحو العودة الطوعية أم مجرد تنظيم للبيانات؟
بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب تنفيذ حملة شاملة لإحصاء العائلات المقيمة في المخيمات بهدف تحديث البيانات وتنظيم خطط عودة قريبة وآمنة
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026