"السياحة المسؤولة".. وحراس الأخلاق والفضيلة
11 فبراير 2026
يحار المرء بأيّ من الإيحاءات التعبيرية سيعلق على قرار بلدية سوق وادي بردى (3 شباط/ فبراير 2026)، بشأن المجموعات السياحية المختلطة التي تقيم حفلات رقص وموسيقى؛ هل يضع أحزنني أم أضحكني أم أغضبني، أم يضع كل تلك "الإيموجات" دفعة واحدة، للتعبير عن مدى شعوره بالصدمة والأسى، فضلًا عن حجم المفارقة التي ينطوي عليها القرار.
وقد أثار القرار ردود فعل حادة بين مؤيديه ومعارضيه، مثله مثل كثير من الإجراءات المشابهة. وفيما عدّه بعض السكان المحليين "خطوة إيجابية لحماية الآداب العامة والحفاظ على القيم والتقاليد والهوية الثقافية للمنطقة"، وصفه آخرون بأنه "جائر ويعيق النشاط السياحي في منطقة وادي بردى"، إحدى أبرز الوجهات المعتدلة التي يقصدها الزوار قرب العاصمة دمشق.
تساؤلات سياحية واقتصادية
وفور صدوره، أخذت تطرح أسئلة وتساؤلات كثيرة حول السياحة والحريات في سوريا، وما هو دور وحدود العادات والتقاليد الاجتماعية في تنظيم الشؤون السياحية في هذا البلد. وقد تساءل البعض، بداية، إن كان ثمة "سند قانوني" يخول الجهة التي اتخذت القرار (البلدية) إصداره في الأصل، أم أنه يشكل تخطيًا لحدود المسؤولية التي تتمتع بها، وتعدّيًا، بالتالي، على صلاحيات وزارة السياحة، بوصفه يمثل تدخلًا في تفاصيل السلوكيات داخل المنشآت السياحية الخاصة، بما يشبه "الوصاية الأخلاقية" عليها.
وزادت تصريحات وزير السياحة السوري، مازن الصالحاني، لإحدى الوسائل الإعلامية من الالتباس المتصل بهذه النقطة، إذ قال إنّ ما جرى "حالة فردية جرى تضخيمها"، وإنّ المقصود به "ليس منع الحفلات بحدّ ذاتها، إنّما معالجة حالة محدّدة، جرت خلالها ممارسات تتعارض مع العادات والتقاليد الاجتماعية"، مضيفًا كلمات عامة وفضفاضة حول مهمة وزارته الرئيسة التي تقوم على "تحقيق التوازن بين تنشيط السياحة، واحترام الخصوصية المجتمعية"، وأنّ الوزارة ستعمل في المرحلة المقبلة على "تنظيم هذه الفعاليات، بما يضمن بيئة سياحية منضبطة تحترم المجتمع المحلي، وفي الوقت نفسه تبقى منفتحة ومرحّبة بالجميع".
وريثما يتم اجتراح صيغة قانونية توفّق بين هذين الأمرين، فقد حذر كثيرون من الانعكاسات السلبية لقرار البلدية على النشاط السياحي، كونه يفرض قيودًا دينية وأخلاقية عامة، مقرونة بعقوبات صارمة مثل "الإغلاق والختم بالشمع الأحمر"، في الوقت الذي لم يُستشر فيه أصحاب المطاعم والمنشآت في اتخاذ القرار، ورأى كثيرون منهم أنه يشكل تضييقًا على ممارسة أعمالهم، ويتناقض مع القوانين الاقتصادية السورية التي تكفل حرية ممارسة تلك الأعمال، وتشجّع السياحة الداخلية والخارجية.
وفي تبريره للإجراء المتخذ، الذي يمنع أصحاب المطاعم الشعبية من استقبال المجموعات المختلطة، قال رئيس البلدية إن القرار جاء من أجل "ضبط سلوكيات دخيلة على ثقافة المنطقة"، خالطًا بين شكاوى الأهالي من الضجيج والموسيقى الصاخبة، (التي قد تكون محقة عمومًا، وخاصة في أوقات الراحة والنوم)، وبين "الرقص المختلط" بوصفه "مخلًا بالآداب وغير لائق". وهنا يخطر في البال التساؤل إن كان الأمر سينسحب، مستقبلًا، على الأعراس وغيرها من المناسبات، في البيئات والمناطق الاجتماعية الأخرى التي تقيم عادة حفلات مختلطة؟
ولأن الإجراء ينطوي في جوهره على الحد من الحريات الشخصية، ويفرض قيودًا على معتقدات البشر الأخلاقية لدى كثير من القطاعات الاجتماعية، ومن مختلف أطياف المجتمع السوري، فقد اضطر صاحب الأمر إلى التنويه بأن قراره "لا يفعل ذلك"، إنما يهدف، فقط، إلى "تنظيم السياحة بما يتوافق مع القيم والتقاليد المحلية"، مُطلقًا على هذا الصنف من السياحة صفة "السياحة المسؤولة" التي تحترم خصوصية المجتمع.
وفي المقابل، رأى خبراء اقتصاديون أن فرض القيود الاجتماعية الصارمة وحظر استقبال الوفود المختلطة، قد يؤدي إلى خسارة جزء كبير من السياحة الشبابية والعائلية غير المحافظة، وبالتالي تراجع الأنشطة السياحية في وادي بردى، على النحو الذي يضر بالاقتصاد المحلي الذي يعتمد بشكل أساسي على السياحة والمطاعم والفنادق، خصوصًا في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها السوريون. وأضاف الخبراء أن مثل هذا القرار قد يثير الانقسام الاجتماعي أيضًا، ويخلق حالة من التشنج بين السكان المحليين والزوار، بدلًا من تعزيز صورة المنطقة كوجهة سياحية آمنة ومفتوحة.
وفي الغضون، راح البعض يروج لمصطلح "السياحة المسؤولة المحافظة" التي تحترم القيم المحلية، معتبرين أن هذا النموذج قد يجذب زوارًا من شرائح مجتمعية محافظة داخل سوريا، أو من دول مجاورة، في حين أعرب آخرون عن خشيتهم من أن يزيد القرار من انكماش النشاط السياحي، (المنكمش أصلًا)، ويدفع السياح نحو دول وجهات أخرى أكثر مرونة، وهو ما يحصل عادة، مشيرين إلى أن "السياحة الدينية أو المحافظة" غالبًا ما تكون محدودة الإيرادات، في وقت البلد بأمس الحاجة إلى الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي.
وهنا يتبادر إلى الذهن تساؤل آخر؛ ماذا لو كان الزوار جماعة سياحية مختلطة قدمت من خارج سوريا، (من دول أجنبية، أو حتى من بلدان شقيقة ومجاورة)، ترى هل سيطبق بحقها هذا الإجراء؟ وهل سينبري حراس الفضيلة والأخلاق إلى تعليم هؤلاء السياح أصول الآداب العامة و"السياحة المسؤولة"؟
جدل اجتماعي وحقوقي
وإلى ذلك، فقد فتح قرار البلدية الباب أمام كثير من الأسئلة الأخرى، من قبيل من هي الجهة التي تملك حق تحديد وتعريف "التصرف المخل بالآداب"،داخل المطاعم مثلًا؟ ثم هل نحن بصدد تعميم مبدأ الفصل بين الجنسين وسحبه إلى أماكن ومساحات أوسع؛ مثل الجامعات والمدارس تحت عنوان "منع الإخلال بالآداب"؟ ومن هي المرجعية القانونية والسياسية التي يفترض أن تتحكم بالمجال العام، وتضبط التفاصيل المتصلة بحياة البشر اليومية، في وقت نشهد فيه تزايد القرارات التي تمس الحريات الشخصية. وهل سيفضي هذا بالواقع السوري إلى السير نحو النموذج "السنغافوري"، أم نحو "الأفغنة المتدرجة"؟
وما يغذي هذه المخاوف هو سلسلة الإجراءات المشابهة التي تطال الحياة الاجتماعية في غير مكان، والتي أثارت جدلًا واسعًا في الآونة الأخيرة. من بينها تعميم صادر عن محافظة حماة يُلزم "المرافق العامة والخاصة، من مدرّجات عامة ومطاعم وصالات خاصة، بعدم استقبال أو إقامة أي فعالية غير ما خُصّص له المرفق، إلا بعد إبراز موافقة خطية صادرة عن مكتب الفعاليات"، تحت طائلة التعرّض للمساءلة. وكذلك قرار محافظة اللاذقية بـ"منع وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي".
القرارات الجزئية تلك، التي تُتخذ هنا وهناك، هي ما يمكن أن يفضي إلى بناء نظام شمولي، (على غرار النموذج الأفغاني أو ما هو شبيه به)، كنتاج منطقي لتراكم المنع والخوف والتوجس في مجتمعٍ معزول وخائف في الأصل، وقد افتقد الأمن الحقيقي لمدة طويلة من الزمن. مجتمع فقد ثقته بنفسه وبالآخرين، وبات يخاف من بعضه البعض، ويخشى الاحتكاك مع الآخر، (المختلف على وجه الخصوص)، ومستعدًا للتخلي عن حريته مقابل وهم الأمان الذي قد تعده به السلطة، كما تقول المفكرة الألمانية حنة آرنت.
قد يفكر المرء بمفهوم "الحرية المسؤولة"، والحدود الواجب توفرها للتمتع بالحرية من جهة، وأن تكون هذه الحرية مسؤولة ولا تتعدى على حريات الآخرين، من جهة ثانية، أما مصطلح "السياحة المسؤولة"، والذي يَفترض، في المقابل، أن تكون هناك "سياحة منفلتة" من الواجب ضبطها والحد من آثارها، فهو مفهوم جديد، يوحي بإعطاء الأولوية لحماية "الحدود الأخلاقية" في وقت تتراكم فيه أولويات أخرى؛ (معيشية واقتصادية وتعليمية وصحية، ناهيكم عن أحوال الناس التي لا زالت في المخيمات)، يفترض أنها أكثر أهمية وإلحاحًا؟!
الكلمات المفتاحية
هل تستعيد نقابة المحامين السورية دورها المهني؟
النقابات المهنية ليست مجرد مؤسسات تنظيمية تعنى بشؤون أعضائها، بل هي أحد المؤشرات الأساسية على مستوى الحريات العامة في أي مجتمع
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026