ultracheck
قول

الشرع في واشنطن.. حدث تاريخي "ولكن"

13 نوفمبر 2025
زيارة الشرع
الشرع هو أول رئيس سوري منذ الاستقلال يزور العاصمة الأميركية (مواقع التواصل)
فيصل علوش
فيصل علوشصحافي سوري

دعونا نتفق أولًا على أنّ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، هي حدث "تاريخي"، كما وصف تمامًا، ذلك أنّ الزائر هو بالفعل أول رئيس سوري منذ الاستقلال سنة 1946، يزور العاصمة الأميركية ويلتقي رئيسها في البيت الأبيض، مع ما تنطوي عليه هذه الخطوة من إمكانية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في المنطقة، وحصول تحولات استراتيجية عميقة في المشهد الشرق أوسطي؛ من قبيل أن تصبح سوريا من الدول الحليفة للغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، واحتمال انضمامها إلى نادي التطبيع الإبراهيمي، نزولًا عند الرغبة (المشيئة) الترامبية، على الضد مما كان عليه الحال في الحقبة الأسدية، حين كانت دمشق حليفًا موثوقًا لـ"الكتلة الشرقية"، في العهدين السوفييتي ومن ثم الروسي، ومحسوبة على "محور المقاومة" المناهض للتطبيع مع إسرائيل، وحليفًا استراتيجيًا كذلك لإيران ومشاريعها في الشرق الأوسط عامة.

ولا يقلل من رمزية هذا "الحدث التاريخي" أيضًا، إن كان الرئيس السوري قد دخل إلى البيت الأبيض من بوابته الرئيسة أم من باب خلفي، ففي الواقع، إن مجرد حدوث الزيارة واللقاء مع الرئيس دونالد ترامب سيعزز من شرعية الشرع كرئيس لسوريا ما بعد الأسد، ويمنحه قوة إضافية إزاء خصومه أو منافسيه المفترضين في الداخل. وهو كان حصل على موافقة أولية على هذه الشرعية، أميركيًا، منذ حصول المصافحة العلنية بينه وبين ترامب، لأول مرة، في الرياض في أيار/ مايو الماضي، وصولًا إلى اللقاء الأخير معه في البيت الأبيض، (الذي تمّ على الأرجح بمبادرة مزدوجة؛ خليجية وتركية)، وقد حظي خلاله بحفاوة الاستقبال الودي، على الرغم من "تاريخه الصعب"، على حدّ تعبير الرئيس ترامب، إذ كان قبل سنة فقط، قائدًا لفصيل جهادي انشق عن تنظيم "القاعدة" الذي نفّذ هجمات نيويورك الشهيرة، وكان قبلها مقاتلًا ضد القوات الأميركية في العراق، حيث سجن سنوات عدة. وقبل الزيارة بأيام قليلة فقط، رفع مجلس الأمن الدولي العقوبات المفروضة عليه وعلى وزير داخليته بسبب ارتباطاتهما السابقة بمنظمة القاعدة. أما الآن، فقد توجّه إلى واشنطن ليعلن استعداده لانضمام سوريا (رسميًا) إلى التحالف الدولي الذي شكلته واشنطن في عام 2014 لمحاربة "داعش"، وربما الموافقة، أيضًا، على إنشاء قاعدة عسكرية أميركية بالقرب من دمشق، حسب ما أشارت "رويترز" ومصادر دبلوماسية عدة.

محطة نوعية إنما..

وهكذا، فقد مثّلت الزيارة غير المسبوقة محطة نوعية في سياق التطوّرات السياسية المتصلة بسوريا الجديدة ودورها في المنطقة، وذلك بعد أن شكّلت دول الخليج العربيّ، وخصوصا السعودية وقطر والإمارات، إلى جانب تركيا، الحاضنة العربية والإقليمية، والدعامة الاقتصادية والسياسية والأمنية الوازنة للحكم الجديد في سوريا. 

لكن وعلى الرغم مما ذكرناه آنفًا، فمن الخطأ الاعتقاد أن الزيارة ستؤتي أكلها وتعود بالفائدة كاملة على سوريا وشعبها، لأن الأمر لا يتعلق بها كحدث مجرد فحسب، إنما يتصل كذلك بطبيعة (ماهية) الأطراف المعنية به، ومنظومة التفاعلات التي قد يخلفها هذا الحدث على مختلف الصعد المحلية والإقليمية والدولية. وعلى سبيل المثال، فقد اتضح من سياق اللقاءات التي حصلت على هامش الزيارة، وعلى خلفية اقتناع الرئيس ترامب بتفويض تركيا بالكثير من الحيثيات السورية، أنه تمت دعوة الأخيرة لتكون ضامنًا للاتفاقات المبرمة بين الرئيسين ترامب والشرع، بدلالة اجتماع العمل الذي عُقد في البيت الأبيض بين وزراء الخارجية السوري والتركي والأميركي لمتابعة تنفيذ الاتفاقات، بما فيها اتفاق العاشر من آذار/ مارس الماضي، الخاص بدمج القوات الكردية ضمن صفوف الجيش ومؤسسات الدولة السورية الجديدة.

وإذا كان الرئيس الشرع يأمل أن تشكل الزيارة مدخلًا لرفع العقوبات الأميركية عن سوريا وإدخالها في نظام السويفت، في سبيل الحصول على المساعدات والاستثمارات والتمويل الخارجي اللازم للبدء في عملية إعادة الإعمار، التي تشير التقديرات إلى أنها تتطلب نحو 215 مليار دولار على الأقل، وإذا كان الحديث عن إعادة إعمار سوريا يثير لعاب ترامب وعائلته التي تهتم في شكل خاص بالمشاريع السياحية والمضاربات العقارية، وكانت جهات في دمشق أدركت ذلك ولوّحت بعزمها على تشييد "برج ترامب" الدمشقي، في إطار المساعي التي جرت لترتيب أول لقاء بين الشرع وترامب عند زيارة الأخير للمملكة السعودية قبل أشهر، إلا أن المشرعين الأميركيين يبدون ترددًا في تحقيق هذا "الأمل"، مشترطين على دمشق الالتزام بمبادئ عدة، (منها ضمان حقوق الأقليات والتعددية الدينية في البلاد، وتحسين العلاقات مع إسرائيل). ومن المرجّح أن تخضع هذه العملية لتجاذبات النواب لفترة قد تطول، وبالتالي استمرار العقوبات والمعوقات التي قد تحول دون تعافي الاقتصاد السوري.

ثم حتى لو تم إلغاء العقوبات في شكل كامل، فإن ذلك شرط لازم للبدء في إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، لكنه غير كافٍ، ذلك أن الأمر يستوجب درجة مطمئنة من الأمن والاستقرار في سوريا، وسنّ منظومة من القوانين اللازمة لتأمين المناخ الملائم للاستثمارات الأجنبية، والتي تنظم نشاط البنوك، وتضمن معالجة الفساد وتبييض الأموال، وتنفيذ المشاريع على النحو الأعدل والأمثل.

وكان ترامب علّق العقوبات المفروضة لمدة ستة أشهر إضافية – باستثناء التعاملات المتعلقة بإيران وروسيا – مع تقديم وعد بالتدخل لدى أنصاره من أعضاء الكونغرس لإلغاء المزيد من العقوبات المنصوص عليها في "قانون قيصر"، علمًا أن مجلس الشيوخ وافق على إلغاء هذا القانون، لكن الأمر يحتاج إلى موافقة مجلس النواب أيضاً. ولذلك، فقد عقد الشرع جلسة مباحثات خاصة مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، النائب الجمهوري برايان ماست الذي يُعدّ، إلى جانب السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، من أبرز النواب المعارضين لرفع العقوبات الأميركية نهائيًا عن سوريا.

بين الطموح والواقع

وإلى ذلك، يأمل الشرع في الحصول على دعم سياسي أميركي يمكن أن يشكل جدار حماية لسلطته في مواجهة العربدة الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ سقوط الحكم الأسدي، كأن تساعد واشنطن في إبرام اتفاق أمني مع إسرائيل على غرار اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وأن تنسحب القوات الإسرائيلية بموجبه إلى الحدود التي كان عليها الوضع قبل 8/12/2024، غير أن واشنطن لا تخفي، في المقابل، رغبتها في تحويل المفاوضات بين دمشق وتل أبيب إلى انخراط في التطبيع و"الاتفاقيات الإبراهيمية"، في وقت لا تكفّ فيه إسرائيل عن اعتداءاتها المتكررة على الأراضي السورية، بعد أن وسّعت من نطاق احتلالاتها، وتطالب بـ"شرعنة" احتلالها المستجد لقمة جبل الشيخ، وبوجود منطقة عازلة منزوعة السلاح في جنوب سوريا تشمل معظم أراضي محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، فضلًا عن مطالبتها بتخلي دمشق نهائيًا عن هضبة الجولان التي احتلّتها في عام 1967، وأعلنت ضمّها في عام 1981، وهو الأمر الذي لم يعترف به سوى دونالد ترامب أثناء رئاسته الأولى. كما تتواتر معلومات عن ممارسة ضغوط أميركية لبلورة تفاهم إسرائيلي ـ تركي لتقاسم النفوذ في الجغرافيا السورية.

كما أن انضمام سوريا للتحالف ضد "داعش" ومحاربة الإرهاب، يتطلب من السلطة السورية أن تقطع نهائيًا مع ماضيها الجهادي، لا نقول على مستوى خوض المعركة الفكرية والعقدية المطلوبة أصلًا، ولكن المتعذرة على أرض الواقع، إنما على مستوى تفكيك الجماعات والفصائل الموسومة بالإرهاب، وما ينطوي عليه ذلك من صراعات وصدامات محتملة مع بعضها التي تعتبر أنها ساهمت بإيصال الشرع والنخبة المحيطة به إلى الحكم في سوريا. كما يحتاج الأمر إلى ضمان عدم تسرب عناصر وجهات متطرفة إلى الجيش السوري "الجديد". ويحتاج كذلك إلى وجود توافق مع القوات الكردية التي تخشى من أن يكون نقل مسؤولية محاربة "داعش" إلى سلطة دمشق سيعني التنازل عن خدماتهم، ثم التخلي عنهم من قبل حلفائهم الأميركيين.

كل ذلك في وقت لا زالت فيه السلطة الجديدة في دمشق ضعيفة وهشّة، ولا تحوز على ما يكفي من الرضا والقبول لدى قطاعات واسعة من المجتمع السوري، وخصوصًا بعد المذابح التي حدثت على خلفية طائفية في الساحل والسويداء، وعزّزت من مخاوف الأقليات الطائفية والأثنية إزاء الحكم الجديد في البلاد، الذي لا يبدي، في نظرها على الأقل، ما يكفي من المؤشرات على أنه بصدد بناء دولة وطنية حديثة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وسيادة العدل والقانون، وقيام دولة المؤسسات المحايدة تجاه مختلف الأطياف والمكونات السورية.

الكلمات المفتاحية

سوريون يحتفلون بالسقوط

عامٌ مضى.. هل تستعيد مؤسسات الدولة ثقة السوريين؟

بعد مرور عام كامل على سقوط النظام، يبرز سؤال جوهري: هل نجحت مؤسسات الدولة في استعادة ثقة السوريين؟


ترامب ونتنياهو

ترامب بين نتنياهو والشرع

كان كثير من المحللين رأوا أن الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة في الآونة الأخيرة، تأتي على خلفية شعور إسرائيلي بالغضب جرّاء التقارب الأميركي ـ السوري


النشيد السوري الجديد

عن النشيد الجديد والأحرار والعبيد

إن نشيد "في سبيل المجد" الذي كتب قبل قرن من الزمان، لا يصلح اليوم إن بقي على حاله دون تعديل


حشود

لا صوت يعلو فوق صوت التطرّف

في المحصلة، يظلّ المشهد اليومي في سوريا محكومًا بقانون واحد: في الساحات يُقصى صوت العقل كي لا يعكّر صفو المشهد، ويُهجّر خطاب الاعتدال إلى زوايا لا تُرى

حملة 16 يومًا
مجتمع واقتصاد

حملة "16 يومًا" تناهض العنف ضد النساء وتدعو لمواجهة امتداداته الرقمية والاجتماعية

توحد حملة "16 يومًا" جهود القانونيينات والإعلامييات والمختصات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء وتعزيز حمايتهن

مستشفيات دير الزور
مجتمع واقتصاد

علاج بعيد المنال: قصص مرضى دير الزور تكشف حجم الانهيار في الخدمات الطبية

يعاني سكان دير الزور من أزمة صحية جعلت العلاج رفاهية بعيدة المنال في ظل تراجع الخدمات الطبية


أرشيف الموت السوري
عدالة انتقالية

أرشيف الموت السوري: أدلة مصوّرة جديدة تكشف اتساع جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون نظام الأسد

يكشف التقرير أرشيفًا مسرّبًا يضم عشرات آلاف الصور التي توثّق تعذيب وقتل معتقلين داخل السجون خلال حقبة نظام الأسد

الطاقة الشمسية
مجتمع واقتصاد

من العدّاد إلى الألواح: الدمشقيون يهربون من فاتورة الكهرباء إلى الطاقة الشمسية

ارتفاع أسعار الكهرباء يدفع الدمشقيين للتحول السريع إلى الطاقة الشمسية وتعديل عاداتهم المنزلية بحثًا عن استهلاك أقل

الأكثر قراءة

1
قول

عامٌ مضى.. هل تستعيد مؤسسات الدولة ثقة السوريين؟


2
منوعات

دوري "سيريتل" لكرة السلة.. تسعة أندية في سباق موسم يبحث عن استقرار وتنظيم جديد


3
أخبار

تقرير: شبكات تمويل وتجنيد سرية.. مخلوف وحسن يتنافسان على إعادة تشكيل نفوذ ما بعد الأسد


4
أخبار

قوة إسرائيلية من 6 آليات تتوغل في قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة


5
أخبار

غارة أميركية تستهدف مسؤولًا في "داعش" وتقتل عميلًا سوريًا بشكل خاطئ


advert