ultracheck
ثقافة وفنون

الصمت والذاكرة في رواية "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"

17 ديسمبر 2025
لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة
أقوى ما في الرواية هو تركيزها على تأثير السلطة داخل البيت (مواقع التواصل/الترا سوريا)
هبة راغب الصالح
هبة راغب الصالحكاتبة سورية

تبدأ رواية "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" من نقطة تبدو بسيطة: عائلة عادية في حلب، تسكن بيتًا قديمًا، وتحاول العيش قدر استطاعتها في بلدٍ صار الخوف جزءًا من أسلوب حياة أهله.

لا يلجأ خالد خليفة إلى أحداث صاخبة أو حبكات معقدة، بل يترك القارئ أمام تفاصيل صغيرة تَكشِف حجم الضغط الذي يعيشه الناس. الفكرة الأساسية هنا ليست: ماذا يحدث للعائلة؟ بل: كيف تغيرت حياتها تحت سلطة طويلة ومرهقة، سلطة لا تحتاج إلى مواجهة مباشرة كي تكون مؤذية.

سردٌ يشتغل على الصمت أكثر من الحدث

اختار خليفة أسلوبًا يقوم على مقاطع قصيرة، ويتنقل بين الشخصيات من دون التزام بتسلسل زمني صارم. ما يمنح الرواية طابعًا قريبًا من دفتر يوميات مشتت أكثر من كونه سردًا خطيًا.

هذه الطريقة تنجح في مواضع لأنها تعكس التشتت الداخلي للشخصيات، لكنها أحيانًا تربك القارئ وتشعره بأن الرواية تتجنب المواجهة المباشرة مع الحدث. الصمت والفراغ بين الجمل يلعبان دورًا أكبر من الحوار أو التطورات الدرامية، وكأن الكاتب يقول إن الخوف لا يحتاج إلى وصف، بل يكفي أن تُحس بآثاره.

الشخصيات.. بين الرمز واللحم والدم

تتحرك الشخصيات الأساسية – الأم والابن والأخت – في مسارات مليئة بالانكسار. الأم تذبل ببطء، والابن يتأرجح بين أحلام صغيرة وواقع يسحقه، والأخت تلاحق حياة مختلفة لكنها تُسحب دائمًا إلى الوراء.

ورغم أن لكل شخصية ملامح خاصة، إلا أن الرواية تعيدها أحيانًا إلى موقع رمزي: ضحايا سلطة، ضحايا خوف، ضحايا العائلة نفسها. هذا يمنح النص قوة من جهة، لأنه يجعل الشخصيات تعبيرًا عن زمن كامل، لكنه يضعف الجانب الإنساني أحيانًا، ويجعل بعض التفاصيل أقرب إلى التقريرية منها إلى الحياة الحقيقية.

المدينة كجسد يتعب

تظهر حلب في الرواية كفردٍ من العائلة، تتغير وتمرض وتشيخ. لا يستخدم خليفة وصفًا رومانسيًا للمدينة، بل يعرضها كفضاء يتراجع ببطء تحت وطأة القهر والفقر والرقابة.

أحيانًا تحتل المدينة موقع البطولة، وأحيانًا تختفي بشكل كامل، ما يجعل حضورها غير متوازن. لكن بشكل عام، وجود المدينة في الخلفية يضيف طبقة إضافية من الفهم: ليس الأفراد وحدهم من يتأذى، بل المكان بأسره.

العنف بوصفه ظلًا طويلًا

لا نجد في الرواية مشاهد صدامية، ولا تحقيقات أمنية مفصلة، ولا وصفًا مباشرًا للتعذيب. العنف موجود كظل، كشيء يعرفه الجميع من دون أن يروه. هذا الأسلوب يمنح الرواية طابعًا واقعيًا، لأن كثيرًا من العنف في الحياة اليومية لا يحدث أمام العين، بل في تأثيراته: نظرة مذعورة، حلم مكسور، خطوة محسوبة. لكنه يحمل مخاطرة: فقد يشعر بعض القراء بأن الرواية تبقى في حدود التلميح أكثر مما ينبغي، أو أنها تتجنب مواجهة بنية القمع مواجهة واضحة.

لغة متوازنة.. لكن تميل إلى الاسترجاع

اللغة في الرواية مشغولة بعناية، لكنها ليست تجميلية. أحيانًا تطول الجملة أكثر من اللازم، خصوصًا في استعادة ذكريات الطفولة، أو في التأملات عن المدينة. قد يرى بعض القراء أن هذه المقاطع تبطئ السرد وتؤخر تقدمه. لكن في الوقت نفسه، هذه اللغة جزء من أسلوب خليفة الذي يميل إلى المزج بين السرد واليوميات والحنين، من دون أن يتحول إلى خطاب مباشر أو خطابي.

ما تكشفه الرواية.. وما تتجنبه

أقوى ما في الرواية هو تركيزها على تأثير السلطة داخل البيت. لا تسعى إلى خطاب سياسي مباشر، بل تسأل: كيف يصنع الخوف علاقات جديدة داخل العائلة؟ كيف يصير الصمت بين الأم وأبنائها نتيجة سنوات من الحذر؟ هذه الزاوية تجعل الرواية مختلفة عن نصوص تكتفي بوصف الخارج. لكن الرواية، رغم قوتها، تتجنب أحيانًا طرح الأسئلة الكبرى: كيف يتواطأ المجتمع مع إنتاج الخوف؟ ما الذي يسمح لهذه السلطة بالاستمرار؟ تبقى الأسئلة في الخلفية، وتكتفي الرواية بإظهار النتائج.

خلاصة قراءة لا تخلو من التحفظ

"لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" رواية صادقة في نبرتها، وقاسية في طريقة تصويرها لحياة تتآكل ببطء. تمتلك طاقة خاصة تجعل القارئ يشعر أن الشخصيات تعيش على حافة الانهيار.

لكن الرواية ليست بلا نقاط ضعف: فهناك تذبذب في الإيقاع، وميل إلى الرمزية أحيانًا، وتفاصيل تُترك معلقة بلا حل. ورغم ذلك، تبقى واحدة من النصوص القليلة التي استطاعت أن تصور الحياة السورية قبل الانفجار، من الداخل، من داخل البيوت المرهقة لا من الشوارع فحسب.

الكلمات المفتاحية

معرض الكتاب

"فضاءات ميديا" تجمع منصاتها تحت سقف واحد في معرض دمشق الدولي للكتاب

سجّلت مجموعة فضاءات ميديا حضورًا بارزًا ولافتًا في معرض دمشق الدولي للكتاب، من خلال جناح إعلامي متكامل جمع تحت سقف واحد أبرز منصاتها


معرض الكتاب

"رويترز": معرض دمشق للكتاب يعكس تحولات ثقافية بعد سقوط نظام الأسد

سلّط تقرير لوكالة "رويترز" الضوء على التحولات التي يشهدها معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية، بوصفه أول معرض يُنظم بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024


الفرات

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية

خلف الضجيج السياسي حول حصص المياه، وبعيدًا عن تقارير المناخ التي تتحدث عن جفاف يلوح في الأفق، يجري نهر آخر في عروق السوريين على ضفاف الفرات


معرض الكتاب

بطلب من بغداد: دمشق تمنع عرض كتاب يضم خطب الزرقاوي في معرض الكتاب

أفادت وكالة "رويترز" بأن الحكومة السورية منعت عرض كتاب مرتبط بـ"تنظيم القاعدة" في معرض الكتاب بدمشق، عقب طلب تقدّمت به بغداد

الجزيرة السورية
مجتمع واقتصاد

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع

يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

جرم ترك العمل
أخبار

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة

أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"


ما اختلفنا 3
منوعات

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد

يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مخيم الهول
أخبار

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات

تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول

الأكثر قراءة

1
قول

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية


2
مجتمع واقتصاد

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري


3
منوعات

في ختام الجولة الثامنة بالدوري الممتاز: دمشق الأهلي يتجاوز الشرطة بثنائية نظيفة


4
أخبار

تقرير: لاجئ سوري يحوّل رحلة اللجوء إلى استوديو تصوير في فيينا


5
أخبار

واشنطن تدعو دمشق للمرونة وترحب بالتقدم في الاتفاق مع "قسد"


advert