ultracheck
عدالة انتقالية

العدالة الانتقالية في سوريا: من ذاكرة الحرب إلى بناء السلام والمصالحة

4 سبتمبر 2025
عدالة انتقالية
العدالة الانتقالية هي القضية الأكثر إلحاحًا في النقاش حول مستقبل البلاد (مواقع التواصل)
عزيز موسى
عزيز موسى باحث وكاتب صحافي سوري

تبرز العدالة الانتقالية كإحدى أهم القضايا وأكثرها إلحاحًا في النقاش حول مستقبل البلاد وسط ركام الحرب السورية وما خلّفته من ذاكرة مثقلة بالجراح والانقسامات، فبين سرديات الضحايا وما تحمله من ألم وفقدان وحقوق مغيّبة، وبين ضرورات الاستقرار السياسي وما يفرضه من إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز السلم الأهلي، يتشكل مشهد بالغ التعقيد تتقاطع فيه السياسة مع المجتمع، والذاكرة مع المصالحة.

إن الحديث عن العدالة الانتقالية في سوريا لا ينفصل عن إعادة الاعتبار وحفظ الحقوق للضحايا الذين تعرّضوا للجرائم والانتهاكات ضمن مسار كشف الحقيقة بناء على أطر الشفافية والمساءلة العادلة وضمان عدم التكرار، لكنه في الوقت ذاته يرتبط بشكل وثيق بترسيخ أسس الاستقرار السياسي، بما يحمله ذلك من انعكاسات اجتماعية تتعلق بالثقة بين المكونات السورية وتهيئة بيئة آمنة للتنمية وإعادة الإعمار، وبين الحاجة إلى الاعتراف والإنصاف ومطلب الأمن والاستقرار.

عدالة انتقالية تراكمية لا سردية جاهزة

يرى المحامي إبراهيم شاهين أنه لا يمكن الحديث عن إنشاء أو خلق سردية تقدم كمنجز جاهز يجب تقبّله في قضية العدالة الانتقالية وحقوق الضحايا، فالسردية هنا تتكون بفعل أو باجتماع أفعال تراكمية تشارك بها كل الأطراف المعنية بقضية العدالة الانتقالية، إذ تكون الغاية منها إظهار الحقيقة وإزالة الغموض عبر التوثيق والعودة للمصادر الحقيقية وليس الروايات الشائعة التي ربما تموه الحقيقة.

ولفت المحامي شاهين إلى أن إزالة الغموض من نطاق المحاسبة يكون من خلال تحقيق العدالة وجبر الضرر والتعويض من خلال مجموعة آليات يمكن للحكومة السورية القيام بها كتشكيل لجنة أو لجان تحقيق مستقلة وموثوقة تملك الحصانة القانونية التي تتيح لها العمل بمعزل عن أي ضغوط سياسية أو اجتماعية مهمتها توفير قاعدة بيانات وبنك معلومات حول الجرائم والانتهاكات الواقعة من كل أطراف الصراع إضافة للتحقيق والاستماع للشهود بجلسات علنية مع نظام لحماية الشهود، وضبط عمل اللجنة بحيث يكون في خدمة فكرة العدالة وليس التحريض والتشهير وربط كل ذلك بالشفافية عبر إعلام ملتزم بمدونة سلوك أو ميثاق شرف يواكب عمل اللجنة بطريقة تخدم الإجماع الوطني على الرغبة في تحقيق العدالة، لتصل اللجنة في النهاية إلى تقرير يتضمن توصيات واقعية يمكن تنفيذها وفق جدول زمني منطقي .

فيما رأى د. جمعة السهو، أستاذ القانون الدولي، أن المصالحة الحقيقية في سوريا تتطلب توازنًا دقيقًا بين تحقيق العدالة وبناء السلم الأهلي، ولا يمكن أن يتم ذلك عبر تجاوز الماضي كليًا بل لابد من الاعتراف بالانتهاكات التي وقعت من جميع الأطراف، من خلال مجموعة من الآليات الواضحة التي يمكن العمل عليها في عدة مسارات بما يتوافق وتحقيق الاستقرار السياسي في البلاد.

الاعتراف بالضحايا خطوة أولى نحو مصالحة حقيقية

يبدأ مسار تطبيق العدالة الانتقالية بالاعتراف بتاريخ الانتهاكات التي تعرّض لها الضحايا كخطوة أولى يُبنى عليها إطار المحاسبة الشفافة لمختلف أطراف الصراع بما يسهم لاحقًا في التحول إلى المصالحة الحقيقية، إذ يشكل هذا الاعتراف إقرارًا رسميًا وأخلاقيًا بوجود انتهاكات جسيمة وقعت، وبما خلّفته من آثار إنسانية ونفسية واجتماعية عميقة.

إن الاعتراف هنا لا يُختزل في مجرد إعلان سياسي أو خطاب رمزي، بل يتجسد في ممارسات عملية تهدف إلى إعادة الاعتبار للضحايا عبر التوثيق الدقيق، وإتاحة الوصول إلى المعلومات، وكشف الحقائق بعيدًا عن السرديات المُشوَّهة أو الروايات المموِّهة.

يؤكد المحامي شاهين أن مسألة الاعتراف الرسمي بالتاريخ الدامي للحرب هو بداية تشكّل علاقة الحكم الجديد بالمجتمع بطريقة صحيّة، فالاعتراف الرسمي هو اعتراف بحقوق الضحايا ويعني القيام بإجراءات تؤدي لتسهيل الوصول للمعلومات من المصادر الموثوقة لكشف الحقائق، إضافة إلى أن ذلك يؤدي إلى ترسيخ معالم ومسار واضح لمفهوم الدولة الراعية لمصالح مواطنيها من خلال الالتزام بتحقيق العدالة وجبر الضرر، وهي الدولة التي ينشدها السوريون، سيّما أنهم  اعتادوا على دولة ونظام حكم قمعيَين عبر عقود طويلة .لذلك أرى أن الاعتراف الرسمي أمر مهم جدا ولا يمكن تجاوزه.

من جانبه يرى د. السهو أن تجاوز الماضي دون مساءلة قد يؤدي إلى إعادة انتاج الصراع ويقوّض الثقة بالدولة ويزرع بذور العنف من جديد، لذلك تؤدي العدالة الانتقالية دورًا هامًا في محاسبة الانتهاكات الجسيمة وهي ضرورية لإعادة ترميم النسيج المجتمعي السوري ولكنها غير كافية بحد ذاتها بل لابد من أن تواكبها إجراءات أخرى مثل إجراء حوار شامل لكل المكونات السورية دون إقصاء ووضع ضمانات قانونية ودستورية لعدم تكرار هذه الانتهاكات.

العدالة ركيزة للاستقرار 

يعتقد شاهين أن الحديث عن إمكانية تناقض بين المحاسبة وتحقيق العدالة من جهة والاستقرار السياسي وبناء الدولة من جهة ثانية هو خطأ جسيم، فمن أساليب تحقيق العدالة محاسبة الفاعلين، من الأخطر والأهم إلى الأقل أهمية، مع اتخاذ تدابير وإجراءات بالتوازي تجاه الفاعلين الأقل مسؤولية مثل العقوبات البديلة وتخفيف العقوبة في حال التعاون وكشف الحقيقة، إضافة للمساهمة في مشاريع وطنية وأعمال ذات نفع عام على الدولة والمجتمع وإنشاء برامج إعادة تأهيل والعمل على الربط بالمجتمع السوري الجديد بشرط لإقرار واعتراف الفاعلين وتعاون كامل في تقديم المعلومات وكشف الحقيقة، والابتعاد عن استخدام صلاحية العفو الشامل عن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة، إذ أنه من المهم أن يتم عرض الملفات للمحاكم بشكل دقيق وبتقنية قانونية عالية، مع الشفافية وإشراك الرأي العام بتطوراتها وتحديد آليات عادلة وعلنية لجبر الضرر والتعويض وهذا يرتبط بتحقيق السلم الأهلي وحصر السلاح وترسيخ الأمن والاستقرار ووقف إطلاق النار والعمليات العسكرية، التي تشكل بمجملها عوامل لتحقيق الاستقرار السياسي، وضرورة الاستفادة من الدول التي مرّت بتجارب مشابهة مثل كولومبيا إذ يمكن الاستفادة من تجربة إعادة التأهيل عبر ربط المجرمين الأقل مسؤولية ببرامج تمكنهم من الاندماج مع النظام الجديد وتقديم خدمات اجتماعية مفيدة، وفي البوسنة تمت الاستفادة من المحكمة الدولية الخاصة بجرائم الحرب في تأهيل القضاء الوطني، والمملكة المغربية في جبر الضرر والتعويض.

مساعدة من خلال المنظمات

يمكن أن تؤدي المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني دورًا مهمًا في العديد من جوانب تطبيق العدالة الانتقالية، لا سيما من خلال تواصلها مع مختلف المكونات المجتمعية بما يعد أحد أسس تمكين الاستقرار، إذ يرى السهو أنه يمكن أن تلعب المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني دورًا محوريًا في بناء مسار العدالة الانتقالية من خلال توثيق الانتهاكات وتمثيل الضحايا ونشر الوعي في المجتمع والتأثير على صناع القرار لتبني سياسات عادلة ومتكاملة وحشد الرأي العام المحلي والدولي حول هذه المسألة والمساهمة في وضع السياسات والاستراتيجيات لتطبيق العدالة الانتقالية فهي ليست أولوية منفصلة بل نتيجة طبيعية لمسار الحل السياسي الشامل وأحد أعمدته الأساسية، فمن منظور الضحايا تُشكّل أولوية أخلاقية وسياسية لا يمكن تجاوزها إذ لا يمكن بناء سلام حقيقي دون معالجة الانتهاكات الجسيمة التي تم ارتكابها، وهي كنتيجة لمسار سياسي لأنه لا يمكن تطبيق آليات العدالة الانتقالية بدون وجود حد أدنى من الاستقرار السياسي ولذلك فهي تتطلب بيئة سياسية داعمة توفر الارادة والضمانات لتطبيقها.

الكلمات المفتاحية

قيصر

"قيصر" يوجه رسالة لصنّاع الدراما: المآسي ليست فرصة للشهرة أو لتلميع ماضٍ مثير للجدل

شدد المذهان في تصريح له على أن ما جرى في سجون نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد يجب أن يبقى حاضرًا في الذاكرة الجمعية


مدلول العزيز

إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية

أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية


وزارة الإعلام

لماذا رفضت رابطة الصحفيين السوريين "مدونة السلوك" الصادرة عن وزارة الإعلام؟

أصدرت رابطة الصحفيين السوريين، بيانا ترفض من خلاله، مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، مؤكدة بطلان الوصاية الحكومية


السجون

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا

الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

سوق الألبسة
مجتمع واقتصاد

أسواق سوريا قبل رمضان 2026.. ركود في الألبسة وإقبال على المواد الغذائية

بين محاولات التجار تحريك السوق بالعروض، وترقب المواطنين لأي انفراج في الأسعار، تبقى حركة الشراء مرهونة بتحسن القدرة الشرائية وحدوث انفراجة في الأوضاع الاقتصادية

المنشآت الرياضية
منوعات

بين منشآت متهالكة وملاعب طينية… من يتحمّل مسؤولية تراجع البنية التحتية الرياضية؟

مدربون ومختصون يكشفون لـ"الترا سوريا" واقع المنشآت والملاعب الرياضية في سوريا، بين اعتراف بحجم التراجع وترقب حذر لمحاولات المعالجة الجارية


الخروج إلى البئر
منوعات

"ميتافورا" تطرح الإعلان الترويجي لمسلسل "الخروج إلى البئر".. عمل درامي يستعيد أحداث صيدنايا

يظهر في المقطع الفنان جمال سليمان بشخصية سلطان الغائب، وهو سجين سابق في "سجن صيدنايا"، قاتل في العراق ضد الاحتلال الأميركي قبل أن يقع في قبضة النظام السوري

بنت النعمان
منوعات

"بنت النعمان".. عمل كوميدي يجمع محمد أوسو وريام كفارنة في رمضان

تتناول حلقات المسلسل المتصلة المنصلة مواقف يومية تعكس تفاصيل الحياة وهمومها، بروح ساخرة ولغة قريبة من الجمهور

الأكثر قراءة

1
قول

"الترا سوريا" في عامه الأول.. وهذه صحافة أيضًا


2
قول

عام على "الترا سوريا": شهادة من داخل التجربة


3
أخبار

إمساكية رمضان 2026 في سوريا


4
عدالة انتقالية

"قيصر" يوجه رسالة لصنّاع الدراما: المآسي ليست فرصة للشهرة أو لتلميع ماضٍ مثير للجدل


5
أخبار

750 ألف منتج دموي احتياج سوريا السنوي.. وبنوك الدم تعوض النقص تدريجيًا


advert