العشائر العربية.. الانقسام السياسي سيد الأحكام
21 نوفمبر 2025
أفضى التعويل على العشائر ومحاولة جذبها، في خضم الحدث السوري، إلى انقسامات عمودية وأخرى أفقية في موقفها، وبالتالي لم يكن ثمة ميل واحد، على أساس العرق أو الدين أو التوجه السياسي، يشمل مجموع العشائر العربية الكبرى في سوريا.
الانقسام العامودي
الانقسام العامودي مصطلح يمكن البناء عليه لفهم مواقف العشائر الكبرى خلال الحدث السوري، ويُقصد به انحياز كامل العشيرة لصالح طرف بعينه، وذلك بناء على مواقف مشايخ هذه العشيرة أو تلك، وعلى سبيل المثال الا الحصر تحضر قبيلة "شمر"، التي تُحسب على قبائل البدو في سوريا، والتي أخذت خيارًا سياسيًا وعسكريًا شبه مستقل من خلال الابتعاد عن النظام السوري والتنسيق مع القوى الكردية إلى أن تشكلت "قوات سوريا الديمقراطية"، وذلك بناء على الموقف المسجل لشيخ القبيلة، الراحل حميدي الدهام، في أحداث العام 2004 (الصدام بين الكرد والقوى الأمنية في مناطق شمال شرق سوريا)، حيث أعلن الدهام حينها وعبر اتصال هاتفي مع واحدة من كبرى القنوات الإخبارية العربية موقف "وحدة الحال والمصير مع الكرد"، في محاولة منه للضغط على دمشق آنذاك لأخذ ملف الجزيرة السورية نحو التهدئة، وعلى الرغم من تشكيل أحمد الجربا لـ "تيار الغد المعارض"، عقب إقالته من منصب رئيس "ائتلاف قوى المعارضة" بنحو سنتين ورفده لهذا التيار بقوة عسكرية أطلق عليها اسم "قوات النخبة" والتي كان لها دور في معارك "شرق الرقة" قبل خروج تنظيم داعش منها في العام 2017، إلا أن هذا التيار سرعان ما خرج من الخارطة السياسية والميدانية للشرقية، وأبقى على انحياز شمر شبه الكامل لصالح "قوات سوريا الديمقراطية"، إلى جانب عشائر أخرى.
ولم يكن هناك انقسامات حادة على المستوى العامودي في الموقف السياسي، وغالبًا ما يكون بناء هذا الموقف على أساس الجهة المسيطرة على الجغرافيا التي تعيش فيها هذه القبيلة، مثل قبيلة "طيء"، التي تعيش بالجزء الأكبر من مكوناتها في مناطق شمال محافظة الحسكة، وتحديدًا في مدينة القامشلي ومحيطها، ونتيجة لبقاء أماكن عيش هذه القبيلة تحت سيطرة نظام الأسد حتى تاريخ سقوطه، بقي أمير القبيلة محمد عبد الزراق الطائي محافظًا على موقف لصالح دمشق رغم الانتقادات الحادة التي كان يوجهها لقيادات النظام، خاصة بعد معركة حي "حارة طيء"، في مدينة القامشلي خلال العام 2021، بين أبناء هذه العشيرة وقسد، والتي تخلى فيها النظام عن الحي وسكانه نتيجة لضغوط روسية كانت في ظاهرها نتيجة الرغبة بـ التهدئة، فتم تسليم الحي لـ "قسد" إلا أن موقف القبيلة ظل مواليًا لنظام الأسد بفعل سيطرته على القرى التي تعيش فيها جنوب القامشلي.
وبالتالي فإن انحياز الجزء الأكبر من عشيرة ما مع الزعامات الكلاسيكية لها، (بمصطلح أدق تعبيرًا: الشيوخ الحقيقيين)، كان نتيجة التعامل مع الجهة المسيطرة على مكان إقامتهم، لا نتيجة موقف سياسي ثابت، وهذا لا ينتقص من العشائر بل يشير إلى الهوة التي أخذت الحرب العشائر إليها، فهي الأقل تسليحًا غالبًا ولا تمتلك تحالفات واضحة وراسخة مع الجهات المسيطرة، نتيجة تهميش هذه الجهات لدور العشائر على امتداد الحرب.
الانقسامات الأفقية
بدأ هذا النوع من الانقسام مع ظهور شخصيات نصبّت أنفسها، أو نُصبّت من قبل قوة ما، في منصب "شيخ العشيرة"، وعلى سبيل المثال ظهرت شخصيات موالية لـ "قسد" تحمل لقب "شيخ العشيرة سين"، في حين أن العشيرة "سين" يكون لها شيخ آخر يظهر في وسائل الإعلام الحكومية في زمن النظام، وشيخ ثالث يظهر في وسائل الإعلام التابعة أو القريبة لـ "الائتلاف المعارض".
ومن أمثلة الانقسام الأفقي تحضر قبيلة "البكارة"، والتي لها أمير هو نواف راغب البشير، والأخير كان من أوائل الشخصيات العشائرية الوزانة التي أعلنت معارضتها للنظام منذ العام 2011، علمًا أنه كان عضوًا منتخبًا عن قائمة "الجبهة الوطنية التقدمية" في "مجلس الشعب"، وعلى المستوى السياسي كان من كوادر "الحزب الوحدوي الاشتراكي"، الذي كان يعد من الأحزاب الناصرية في البلاد، إلا أن سنوات من التهميش السياسي للبشير من قبل المعارضة، رغم مكانته العشائرية، دفعته لعقد مصالحة مع نظام الأسد رعتها إيران، وتم نقله من تركيا إلى طهران ومنها إلى بيروت فدمشق، ليشكل قوة مسلحة حملت اسم "لواء الباقر"، لتقاتل لصالح النظام في مناطق ريف دير الزور، إلا أن الرجل الثاني في العشيرة هو ابن عمه "حاجم البشير"، الذي بقي في مناطق شرق الفرات من ريف الدير الزور ولم يغادرها على الرغم من تعاقب القوى في السيطرة على المنطقة، ويمكن وصفه بـ "الرجل البراغماتي" الذي أجاد التنسيق مع كل القوى مرت على شرق الفرات (الجيش الحر، تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، قوات سوريا الديمقراطية)، فقد تمكن من قيادة مكونات قبيلة البكارة في مناطق شرق الفرات وحضر عدة اجتماعات مع قيادات "قسد" والقوات الأميركية، إلا أن هذا لا يعني حصر الانقسام الأفقي لقبيلة البكارة في "قسد" والنظام، بل كان هناك شخصيات ميالة للمعارضة، وأخرى منخرطة في العمليات القتالية لصالح الفصائل التي كانت متمركزة في إدلب.
الانقسام نفسه ينطبق على عشيرة الشعيطات التي خسرت نحو 1150 شخصًا في مجزرة نفذها تنظيم داعش بحق سكان من قرى "غرانيج" و"الكشيكشة" و"أبو حمام"، بريف دير الزور الشرقي خلال تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2014، وذلك عقب قمعه عصيان بعض من أبناء العشيرة في قرية "أبو حمام"، وهذه العشيرة فعليًا قاتل أبناؤها لصالح النظام كما هو حال فصيل "أسود الشرقية"، الذي كان يقوده "أبو محمد الشيعطي" في دير الزور إلى أن قتل (أو تمت تصفيته كما يشاع)، كما يتواجد عدد من أبناء العشيرة في صفوف "قسد"، وكانوا قد شكلوا قوة باسم "برق الشعيطات"، والتي كانت رأس حربة في الهجوم على آخر معاقل تنظيم داعش في منطقة "باغوز فوقاني"، في آذار/ مارس من العام 2019، والتي يقودها شخص يحمل لقب "خبات الشيعطي"، كما يتواجد أبناء هذه العشيرة ضمن قوام الفصائل التي تجمع أبناء المنطقة الشرقية في شمال غرب سوريا، سواء كانت من مكونات "الجيش الوطني"، أو من مكونات "هيئة تحرير الشام"، وهما من المكونات العسكرية للمشهد السوري قبل سقوط النظام واندمجا لاحقًا ضمن "الجيش السوري"، الذي شكلته الحكومة الانتقالية.
قبيلة الجبور، التي تعد من كبرى العشائر العربية في المنطقة الشرقية، هي الأخرى كانت منقسمة على كامل القوى، ففي حين أن مصادر من العشيرة تؤكد أن أميرها، نواف عبد العزيز المسلط، غادر في وقت مبكر من الحدث السوري إلى السعودية قاصدًا الحياد أول الأمر، إلا أنه وعقب مغادرته المملكة وزيارته العراق ولقائه هناك بالرئاسات الثلاث (الجمهورية – الحكومة – البرلمان)، قرر العودة إلى دمشق، وعمل على التنسيق مع الحكومة السورية في زمن النظام لإنهاء حالة الانقسام التي تعيشها المنطقة الشرقية، ومن ثم تحجيم النفوذ الذي تمارسه "قسد" في المنطقة، إلا أن مساعيه قابلها رفض من بشار الأسد نفسه إذ اعتبر أن الرجل شخصية غير وطنية لكونه قرر الحياد في مسألة كبرى بالنسبة له، ولهذا قدم الأسد أبناء عمومة نواف من آل المسلط ومكنهم من الدخول إلى البرلمان، إلا أن الخلاف في هذه النقطة أساسًا بدأ عقب تولي نواف إمارة القبيلة التي تنتشر في سوريا والعراق بشكل أساسي، ومجموعة من الدول العربية، ومنصبه كـ "أمير" يقابل بالكثير من الرسمية والاحترام في العراق، فهو أمير لقبيلة يقارب تعدادها في العراق 6 ملايين نسمة، ولأن الجبور من القبائل الوزانة في المنطقة الشرقية حاولت الأطراف المتدخلة في الملف السوري استثمار هذه القبيلة، فنُصب سالم المسلط، الأخ غير الشقيق لـ نواف، في منصب الرئيس ما قبل الأخير لـ "الائتلاف" الذي حلّ نفسه عقب سقوط النظام، وفي الوقت ذاته عينت الولايات المتحدة الأميركية محمود المسلط في منصب "الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية"، عقب انتخابات صورية شارك فيها بشكل غير متوقع بعد دعوته لحضور مؤتمر "مسد"، قادمًا من الولايات المتحدة الأميركية، وبحسب المعلومات فقد كان الغرض من تعيينه محاولة خلق تقارب في الموقف السياسي وعقد مصالحة ما بين قسد والائتلاف من قبل الأميركيين.
على ذلك يبنى فهم قائم على أن العشائر العربية هي القوة التي أهمل أو أسيء توظيفها من قبل كامل اطراف النزاع السوري منذ بداية العام 2011، وكانت هذه العشائر منقسمة في الموقف السياسي والعسكري، فقد تجد أبناء العشيرة الواحدة موزعين بين الجيش قبل سقوط النظام، وقسد، وهيئة تحرير الشام، والجيش الوطني، وجيش سوريا الحرة الذي كان قوة مستقلة عن كل الأطراف ويعمل في منطقة التنف تحت إشراف القوات الأميركية حتى سقوط النظام واندماجه في الجيش الذي تشكل، وهذا يعني عدم وجود موقف واضح يجمع العشائر السورية، على أنه من الضروري التمييز ثقافيًا ومجتمعيًا بين قبائل البدو وقبائل حوض الفرات والجزيرة السورية، كما إنه من الضرورة بمكان فهم أن مصطلح "عشائر" لم يكن مستخدمًا بمعناه الحرفي أو معناه من قبل سكان سهل حوران الذين يستخدمون لفظ "حمولة"، في إشارة إلى التقسيم العشائري لسكان السهل.
الكلمات المفتاحية
السياسة السورية.. بين الخيارات الوطنية والرهانات الخارجية
السوريون متعبون ومنهكون، وقد سئموا الحروب، ولا يريدون سوى الحد الأدنى من شروط الحياة الطبيعية والسياسية لا أكثر
بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية
التعميم الصادر عن المديرية العامة للمصالح العقارية في 14/1/2026 قُرئ سريعًا بوصفه خلافًا تقنيًا حول نوع الوكالة المقبولة أمام السجل العقاري
ملف "قسد": الاندماج كاختبار للسيادة وإعادة تشكيل الدولة
ما يميز التطورات منذ مطلع 2026 هو الانتقال من عناوين عامة عن "اندماج تدريجي" إلى تفاصيل تمس البنية العميقة للسلطة
أسواق سوريا قبل رمضان 2026.. ركود في الألبسة وإقبال على المواد الغذائية
بين محاولات التجار تحريك السوق بالعروض، وترقب المواطنين لأي انفراج في الأسعار، تبقى حركة الشراء مرهونة بتحسن القدرة الشرائية وحدوث انفراجة في الأوضاع الاقتصادية
بين منشآت متهالكة وملاعب طينية… من يتحمّل مسؤولية تراجع البنية التحتية الرياضية؟
مدربون ومختصون يكشفون لـ"الترا سوريا" واقع المنشآت والملاعب الرياضية في سوريا، بين اعتراف بحجم التراجع وترقب حذر لمحاولات المعالجة الجارية
"ميتافورا" تطرح الإعلان الترويجي لمسلسل "الخروج إلى البئر".. عمل درامي يستعيد أحداث صيدنايا
يظهر في المقطع الفنان جمال سليمان بشخصية سلطان الغائب، وهو سجين سابق في "سجن صيدنايا"، قاتل في العراق ضد الاحتلال الأميركي قبل أن يقع في قبضة النظام السوري
"بنت النعمان".. عمل كوميدي يجمع محمد أوسو وريام كفارنة في رمضان
تتناول حلقات المسلسل المتصلة المنصلة مواقف يومية تعكس تفاصيل الحياة وهمومها، بروح ساخرة ولغة قريبة من الجمهور