العملة الجديدة: خطوة نحو الاستقرار أم مصدر جديد للمخاوف؟
5 يناير 2026
بين الأمل باستعادة رمز سيادي فقد الكثير من معناه، والقلق من انعكاسات اقتصادية غير محسوبة، يقف السوريون اليوم أمام طرح العملة الجديدة بسؤال واحد "ماذا بعد"؟ فالعملة التي يُفترض أن تكون أداة استقرار وثقة، تحوّلت في وجدان السوريين إلى مصدر هواجس مشروعة، تتراوح بين الخوف من تدهور إضافي في القدرة الشرائية، والشك بقدرة الإصدار الجديد على كبح التضخم أو تحسين الواقع المعيشي.
هواجس الشارع السوري من تبديل العملة
يوضح محمد أفدار، وهو صاحب معمل إكسسورات التاجر، لـ"الترا سوريا" أن هناك مخاوف في بداية تبديل العملة، ريثما يعتاد الناس على الواقع المالي الجديد لقيمة العملة، ولكن الأمر قد ينعكس بشكل إيجابي على المشتري من الناحية النفسية، فبدلًا من أن يكون سعر السلعة 10 آلاف سيصبح سعرها 100 ما يمنح انطباعا أكثر راحة، إلا أن الأمر سيحتاج بعض الوقت، وخاصة فيما يشاع من عدم توفر الفئات النقدية ذات القيمة الصغيرة، والتي يحتاجها تجار السلع والمواد الغدائية لإعادة الباقي للزبائن.
من جانبه، يقول م .ع، صاحب محل إكسسوارات أيضًا، لـ"الترا سوريا" إنه سيلجأ إلى تسعير بضاعته بالدولار في الوقت الراهن، لحين استقرار عمليات التبديل والاعتياد عليها. فيما رأى عبد قصار، صاحب محل أدوات منزلية، أن عملية تبديل العملة قد تساهم في تنشيط الشراء، حيث تصغر فكرة الدفع عند الزبون، فمثلًا طقم الكاسات الذي كان بـ100 ألف أصبح بألف ليرة، وذلك ينعكس بشكل إيجابي على التضخم برأيه.
السيدة أم علاء، وهي تعمل في تنظيف المنازل، أبدت تخوفها وعدم استيعابها لـ"الترا سوريا"، مبينة أنها كانت تتقاضى 200 ألف في اليوم مقابل تنظيف أو تعزيل شقة، واليوم ستأخذ 2000، متسائلة هل سيكفيها ذلك لتؤمن قوت يومها؟ كما أبدت قلقها من آلية الاستبدال نفسها وخوفها من الازدحام على المراكز والتعقيدات، ومن تبعات العمل بالعملتين في فترة الاستبدال، فمن الممكن أن تعطي سائق السرفيس 4000 ليرة قديمة ويعيد لها عشرة جديدة، ما وصفته بالأمر المربك.
أما بسمة عبد الوهاب، فقد أبدت تخوفها من ارتفاع إيجارات المنازل وغلاء أسعار السلع، مؤكدة أن التجار وأصحاب المنازل، غالبًا سيعملون على استغلال تبديل العملة للتلاعب بالأسعار، كما اعتدنا طوال السنوات السابقة، فالأمر بحاجة إلى الرقابة ومنع الاستغلال، لضمان عدم فقدان الثقة بالإجراء.
إلغاء الأصغار إجراء تنظيمي
الصحفي والخبير الاقتصادي، عدنان عبد الرزاق، أوضح لـ"الترا سوريا" أنه لا علاقة بين إلغاء الأصفار وقيمة العملة، فهو مجرد إجراء تنظيمي ونفسي هدفه تعزيز الثقة، مؤكدًا أن محددات سعر العملة وثبات سعر الصرف، تتأتى من حجم الاحتياطي النقدي الأجنبي في المصرف المركزي وحجم الإنتاج وقيمة الصادرات، وكذلك السياحة وما تدره من قطع أجنبي، إلى جانب الاستقرار السياسي وبيئة الاستثمار الجاذبة، والتصنيف الانتمائي، وثقة المدخرين والمتعاملين بالنقد والتي تنتج عن المحددات السابقة.
وأشار عبد الرزاق إلى أهمية هذه العملية في تخفيف العبء على المواطن الذي يضطر لحمل كتل نقدية كبيرة في تعاملاته اليومية، مشيرًا إلى نجاح التجربة التركية في السياق ذاته، حين ألغت من عملتها 6 أصفار عام 2005، كما أن التخلص من عملة مرتبطة بمرحلة الاستبداد والنهب وتحمل صور الديكتاتور البائد ووريثه ضرورة مرحلية ملحة.
إدارة تبديل العملة.. تحدٍ جديد للمسؤلين
يقول المحلل الاقتصادي، رضوان الدبس، لـ"الترا سوريا" إن أنظار المواطنين تتجه نحو قدرة الجهات المختصة على ضبط هذا الاستحقاق وإدارته، والذي يمثل تحديًا جديًا لعملها، ويحتاج لاستنفار تام من عدة جهات تتمثل في وزارات المالية والتجارة والاقتصاد والتموين، إلى جانب البلديات وغرف التجارة، تبعًا لحدوث بلبلة متوقعة في الأسواق نتيجة حذف الأصفار، ما يستوجب تشكيل لجان وسن عقوبات رادعة بحق المخالفين والمستغلين، والعمل على نشر التوعية عن طريق البرامج الإعلامية والقنوات ووسائل التواصل الاجتماعي، عن ماهية تبديل العملة وآليات القيام بذلك والمراكز المختصة.
وتساهم أيضًا الجهات الدينية المختصة المتمثلة في المفتي أو وزارة الأوقاف في ضبط هذه العملية، من خلال إبداء مواقف وإصدار بيانات حول طريقة التعاملات النقدية المرتبطة بهذا الإجراء، ويتضمن ذلك مواضيع تسديد الديون وكيفية سداد الأقساط، وتوضيح وجهة نظر الدين الإسلامي في هذه الأمور تبعًا، لأن غالبية الشعب السوري يهتم لهذه الإجراءات، ويجب أن تقوم وزارة العدل بدور في هذا السياق، عبر توضيح طرق دفع المستحقات من سندات أمانة وشيكات وفواتير حسب العملة الجديدة، تحسبًا لأي فوضى قد تظهر تبعا لأي إجراء مماثل.
ومن المتوقع، وفقًا للدبس، أن تتحول عملية تبديل العملة لذريعة لرفع الأسعار، نتيجة وجود المتنفعين ومستغلي الفوضى وضعاف النفوس، الذين يستغلون البسطاء ويعملون على التلاعب بسعر العملة وأسعار البضائع والسلع والنقل والشحن، بالإضافة ضعف وعي بعض التجار والباعة بعمليات التسعير، ما يفرض وضع قوانين تجرم التلاعب، تتزامن مع حملات مراقبة من الوزارات والغرف المعنية.
آليات استعادة الثقة بالليرة
وأشار الدبس إلى أن استعادة الثقة بالليرة السورية تتجاوز عملية تبديل العملة إلى سن قوانين تشريعية وقرارات إدارية وتنظيمية، بهدف تنظيم عمل المصارف والوزارات المعنية، وإقرار تشريعات لحفظ الحقوق، وتنظيم عمليات البنوك من سحب وإيداع وقروض وعمليات التحويل، ومن ثم مراقبة الالتزام بهذه القوانين، لضمان تحقيق الاستقرار المصرفي، لافتًا إلى أهمية تنظيم وضبط عمليات الاستيراد والتصدير وعمليات الإنتاج وتخديم المناطق الصناعية وتحسين الواقع الخدمي لها، وتأمين المواد الأولية في السوق المحلية، وتحقيق ذلك يحتاج لتضافر الجهود واستغلال الكوادر والخبرات للوصول للاستقرار الاقتصادي بأقرب وقت.
في النهاية، لا تُقاس قيمة العملة الجديدة اليوم بشكلها ورموزها، بل بقدرتها على استعادة الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فالهواجس التي يعبّر عنها السوريون اليوم ليست رفضًا للتغيير، بقدر ما هي خوف من تكرار تجارب سابقة لم تحمل معها سوى مزيد من الأعباء. وبين الوعود الرسمية والواقع المعيشي الصعب، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون العملة الجديدة بداية لمسار اقتصادي مختلف؟ أم محطة أخرى في أزمة لم تجد بعد طريقها إلى الحل؟
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


