الفلاحون ينتظرون بشائر السماء.. ومقترحات عملية لإدارة النقص في الموارد المائية
23 نوفمبر 2025
لم يتجرأ أحمد، من ريف حماة، على زراعة أرضه حتى الآن بانتظار هطول الأمطار والتأكد من وضع الموسم، فالعام السابق زرع أرضه في شهري تشرين الثاني/نوفمبر وبداية كانون الأول/ديسمبر، لكنه لم ينجح في حصاده بسبب قلة الأمطار، وعدم تركيبه طاقة شمسية لبئر الماء، الأمر الذي حال دون سقاية مزروعاته بشكل كاف، ويقول: "كما وضعتها، حصدتها".
وبسبب خسارته العام الفائت وضعف موسمه الصيفي، قرر التريث ليعرف كيف سيتصرف، كما أنه استعد مسبقًا، فجهز منظومة طاقة شمسية لسحب الماء من بئره، ويوضح لموقع لـ"الترا سوريا" أن البئر وحده لا يكفي لمساحة أرضه الكبيرة، فضلًا عن ملاحظته انخفاضًا في حوضه العام الماضي، الأمر الذي يعني تهديدًا للمياه الجوفية إن بقي الاعتماد على الآبار وحدها.
الأمر ليس أفضل مع هدى، المقيمة في قرية حمورية بغوطة دمشق، فهي تملك قطع أرض صغيرة فيها أشجارًا مثمرة، متل الزيتون والمشمش، وتزرع فيها أنواعًا أخرى كالفول والبازلاء والخس والبقدونس، ولتضمن بقاء المزروعات دفعت هذا العام 14 مليون ليرة، كي توفر طاقة شمسية تسحب الماء من البئر.
اضطرت هدى للاستدانة كي توفر المبلغ، وتشعر بالخوف من موسم قد يحمل الجفاف. تقول لـ"الترا سوريا": "لم يمر جفاف مثل هذه الأيام"، كانت تتمنى استخدام التنقيط للسقاية، لكنها خسرت المنظومة التي كانت تملكها خلال الحرب، ولا تملك اليوم تكاليف تأسيس غيرها، ولا تملك حاليًا سوى التأمل بموسم مقبول يمكنها من تركيب منظومة التنقيط ثانية.
تشهد سوريا منذ سنوات، تراجعًا وتأخرًا في معدلات الأمطار، حيث بلغت 291.59 ملم في عام 2024، منخفضة عن 299.42 ملم في عام 2023، مع العلم أن هطول الأمطار في سوريا بلغ متوسطه 308.13 ملم منذ عام 1901 حتى عام 2024، ووصل إلى أعلى مستوى على الإطلاق ببلوغه 451.22 ملم في عام 1988، فيما بلغ أدنى مستوى قياسي 172.96 ملم في عام 1989.
وهذا العام لم تبدأ بشائر الأمطار إلا في منتصف شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، ما عمق مخاوف المزارعين بموسم سيئ. يذكر سومر محمد، من ريف مصياف، أن قريته تضم الكثير من الينابيع، التي اعتاد المزارعون الاعتماد عليها لسقاية الأراضي، لكن هذا العام الوضع صعب، بسبب ضعف الينابيع. يقول لـ"الترا سوريا": "بعض المزارعين لم يزرعوا، وبعضهم سقى من مياه الشرب، متسببًا بخلق أزمة مياه في القرية، حيث انقطعت المياه عن كثير من البيوت".
ورغم كل المخاوف والتقديرات، لكن استشاري البيئة وإدارة الموارد الطبيعية، الدكتور موفق الشيخ علي، يرى أنه من الصعب الحكم على الموسم المطري منذ الآن، لأننا اعتدنا منذ قرابة 20 سنة على التأخر ببدء الموسم المطري، وبالتالي تأخر الزراعات الشتوية ولاسيما الحبوب.
ويستطرد الدكتور موفق في حديثه لـ"الترا سوريا" موضحًا أن الوضع لا يبشر بالتفاؤل، على اعتبار أن تتالي سنوات سابقة غير مطيرة مع فقدان الإدارة الرشيدة للموارد المتاحة، أدت إلى استنزاف الموارد المائية الجوفية وعدم تعويض مخازين السدود، التي شكلت لعدة سنوات الاحتياط الإسترتيجي وخط دفاع، لتقديم ما نسميه الري التكميلي لمواسم الحبوب والمصدر الرئيسي لمياه الزراعات الصيفية.
حلول ومقترحات
بالإضافة إلى الطاقة الشمسة، قرر أحمد اعتماد عدة خطط هذا العام لتخفيف الخسارة، فلن يزرع القمح بعد خسارات متتالية، ولأنه محصول يستهلك كمية من الماء لا تتوفر لدى أحمد، خاصة إن بقيت السماء تقنت على المزارعين بالأمطار. كما قرر أحمد الاتجاه للأصناف التي لا تستهلك مياهًا كثيرة، مثل الحمص والكمون والكزبرة بالإضافة إلى الأشجار. وأضاف أنه سيلجأ إلى اتباع طريقة قديمة في التعامل مع الأراضي البعلية، تقوم على تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: "قسم يتم بذره، وقسم ثاني يُترك "بورًا"، وثالث يُهيء للزراعة، أي يُفلح من دون زراعته"، ويعلق بأن هذه التقسيمات ستكون "دوارة"، بحيث يتم تبديلها مع كل موسم.
وفي قرية سومر، اعتاد المزارعون، تنفيذ حلول آنية وبسيطة، مثل القيام بحفر تجميعية للماء عمقها حوالي المتر، وكانت تتجمع فيها فيستفيد منها المزارع بالزراعة، لكن نتيجة ارتفاع الحرارة بشكل كبير هذه السنة، لم تعط النتائج المرجوة منها.
وينشط سومر، وهو خبير في صناعة سماد الفيرمي كمبوست، في الترويج والتعريف بهذا النوع من السماد العضوي، ويعتبر استخدامه وسيلة لتقليل استهلاك الماء. يقول إن الفيرمي كمبوست يضم نسبة كربون بحدود 40% وملمسه خفيف، وهو أشبه بالإسفنج، لهذا يتشرب الماء بشكل كبير إلى حد يتراوح من 50-60%.
وينصح سومر بحفر خندق لحد 30 سم حول الشجرة، وبوضع الفيرومي قريبًا من الأوبار الماصة الطرفية للشجر، بحيث يمتص مياه الأمطار أو مياه الري ويعطيها بشكل تدريجي للشجرة، وبالتالي يوفر كهرباء وديزل وماء، فإذا كانت المزروعات تُسقى كل خمسة أيام ستُسقى كل أسبوع، لكن اقتراحات سومر لا تلقى دائمًا التنفيذ من الفلاحين، بسبب خوفهم من التغير، فهم لا يريدون المخاطرة بموسمه، كما أن سوء الوضع المادي يقف عقبة أمام رغبتهم بالتجريب.
ويقترح الدكتور موفق مجموعة من الحلول العملية لإدارة النقص في الموارد المائية، وتتمثل بتركيز الزراعات الشتوية في المناطق والأراضي ذات المأمولية المطرية الأوفر حظًا خلف الخط المطري 350 مم، بالإضافة إلى الإسراع في عمليات تعزيل السدود وتأهيلها لتصبح ذات فعالية استثمارية أعلى من حيث تقليص الحجم أو السعة الميتة، وإعادة تأهيل شبكات الري على السدود لتخفيف التسربات والضياعات.
ويؤكد على ضرورة التعاون مع الجهات البحثية للاستفادة من التجارب الدولية في تخفيف التبخر المباشر من المسطحات المائية لبحيرات السدود، باعتبار أن ما يقارب 35% من حجوم التخزين، يتم خسارتها بسبب التبخر المباشر، على حد تعبير الدكتور موفق.
ويختم الدكتور موفق حديثه لـ"الترا سوريا" مشيرًا إلى أن هذه المقترحات تشمل أيضًا العودة لزراعة الأصناف المحلية، مدعومة من الأصناف المستنبطة محليًا ذات التحمّل الأفضل لظروف الجفاف، والتقليص التدريجي للزراعات المحصولية وحتى الشجرية ذات الاحتياج المائي العالي.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


