الفول السوداني في إدلب.. زراعة مهددة من الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج
10 نوفمبر 2025
في ظل الأزمة متعددة الأوجه التي تعصف بسوريا، تبرز أزمة الجفاف كتحد بيئي واقتصادي طاغٍ، حيث لا تكاد منطقة تنجو من تبعاته. وفي إدلب تتشابك هذه الأزمة مع تحديات محلية لينتج عنها واقع مرير يهدد القطاع الزراعي، حيث يواصل محصول الفول السوداني، الذي كان يومًا مصدرًا للدخل والأمن الغذائي، مسيرة تراجعه تحت وطأة التكاليف الباهظة والظروف المناخية القاسية.
وتعاني سوريا من موجة جفاف تاريخية، أدت إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية، وجفاف العديد من الآبار والينابيع، وهو ما انعكس بشكل مباشر على القطاع الزراعي. وتفاقم هذا الوضع بسبب شح الموارد وتراجع كميات الأمطار، ما زاد من الضغط على المزارعين الذين يعتمدون الزراعة البعلية أو مصادر مائية محدودة.
ومنذ عام 2015، يُعتبر الفول السوداني محصولًا رئيسيًا لمزارعي إدلب، نظرًا لمقاومته للتربة الفقيرة وقلة احتياجاته المائية النسبية، وهي ميزة أصبحت أكثر أهمية في ظل أزمة الجفاف. ومع ذلك، فشلت هذه الميزة في وقاية المحصول من انخفاض الإنتاج بشكل ملحوظ هذا الموسم. ويرجع المزارعون والخبراء هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، يأتي في مقدمتها الظروف المناخية غير المتوقعة، والتي أصبحت سمة لمنطقة تعاني من تداعيات التغير المناخي إلى جانب نقص الموارد.
سلسلة ضربات متتالية لزراعة الفول السوداني
من أطراف مدينة سرمين في ريف إدلب الشرقي، يروي المزارع سائر المحمود معاناته مع زراعة الفول السوداني لـ"الترا سوريا" قائلًا: "الارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات الإنتاج من بذور وأسمدة ومبيدات، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، شكّل سلسلة ضربات متتالية للمحصول، يضاف إليها أزمة الجفاف التي جعلت من توفير المياه تحديًا إضافيًا يزيد من تكاليف التشغيل".
ويضيف المحمود أن تكاليف العمالة الزراعية شهدت بدورها ارتفاعًا حادًا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، مما يجعله أمام تحدٍ شبه يومي لتحقيق أي ربح من زراعة الفول السوداني. هذا الواقع يدفعه كما العديد من المزارعين، إلى التفكير الجدي في تقليص المساحات المزروعة أو التحول إلى محاصيل أخرى كالقمح والشعير، التي قد توفر عائدًا أفضل في ظل هذه الظروف القاسية.
لا تتوقف التحديات عند حدود الحقل، فتكاليف النقل والتسويق تشكل عبئًا إضافيًا بسبب ارتفاع أسعار الوقود، ما يؤدي إلى تقليص هامش الربح حتى عندما ترتفع أسعار البيع، وينعكس هذا الواقع سلبًا على حياة المزارعين وعائلاتهم الذين يعتمدون على هذا المحصول كمصدر رئيسي للدخل، الأمر الذي يهدد قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
من جهة أخرى، يؤثر انخفاض المعروض من الفول السوداني محليًا على جيوب المستهلكين، بحسب شهادة كريم الحداد، أحد سكان إدلب، وتابع أن الارتفاع الكبير في أسعار الفول السوداني الذي وصل إلى دولارين ونصف للكيلو غرام الواحد بقشره بعد أن كان دولارًا ونصف، منعه من شرائه كما السابق، خاصة أن هذا المحصول يشكل مكونًا أساسيًا في العديد من الأطباق الشعبية التي اعتادوا عليها. ويتمنى الحداد، كونه منتجًا محليًا وليس مستوردًا، أن تشهد الأسعار بعض الاستقرار والانخفاض.
الفول السوداني على حافة منحدر خطر
من ناحيته، يوضح المهندس الزراعي وائل النبهان الأهمية الاستراتيجية للفول السوداني في إدلب، مشيرًا إلى أنه ليس ركنًا من أركان الأمن الغذائي المحلي فقط، بل أيضًا كعامل محوري في تنمية الاقتصاد وتوفير فرص عمل لعشرات العمال.
ويقول لـ"الترا سوريا" إن الفول السوداني دخل إلى سوريا في النصف الأول من القرن العشرين، ووجد في محافظة إدلب، ذات التربة الطينية والمناخ الملائم، بيئةً خصبة للانتشار، وعلى مر العقود، لم يعتمد كمحصول تقليدي فحسب، بل اكتشف المزارعون أهميته الكبيرة لتحسين خصوبة التربة.
ويعتبر الفول السوداني من النباتات البقولية التي تسهم في تثبيت النيتروجين من الغلاف الجوي وتحويله إلى شكل يمكن للتربة امتصاصه، حيث تثري هذه العملية الحيوية التربة بشكل طبيعي، وهو ما يقلل الحاجة للأسمدة النيتروجينية باهظة الثمن ويحسن إنتاجية المحاصيل التي تزرع بعده في الدورة الزراعية، مثل القمح والشعير.
وحذّر النبهان من أن الفول السوداني يقف على حافة منحدر خطير، فالجفاف المستشري في سوريا والمنطقة، متزامنًا مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وعدم الاستقرار يخلق عاصفة كاملة يهدد إنقاذ هذا المحصول والمزارعين المعتمدين عليه، وهو ما يتطلب تدخلًا عاجلًا وحلولًا اقتصادية وزراعية مبتكرة، تبدأ بدعم المزارعين مباشرة وتنتهي بمواجهة التحديات البيئية الكبرى مثل أزمة الجفاف، لضمان عدم اندثار هذا المورد الحيوي الذي يمس حياة آلاف العائلات.
ويطالب النبهان الجهات المعنية بتحسين تقنيات الزراعة وتقديم دعم فني ومادي عاجل للمزارعين، يشمل توفير بذور محسنة مقاومة للجفاف، وتدريبًا على أساليب الزراعة المستدامة التي ترشد استهلاك المياه، وتقديم قروض ميسرة.
وفي حزيران/يونيو 2025 أطلقت منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو" تحذيرًا من موجة الجفاف الأخيرة التي تشهدها سوريا. وحذّرت المنظمة من تداعياتها السلبية، التي قد تسفر عن خسائر كبيرة في الناتج الزراعي وتشكل تهديدًا للأمن الغذائي. ودعت المنظمة المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى التحرك العاجل لدعم القطاع الزراعي في سوريا وتخفيف آثار هذه الأزمة.
الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث
الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية
تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


