الكتب الممنوعة في سوريا: هل نشهد تحولًا حقيقيًا نحو حرية الكتابة؟
17 فبراير 2025
لطالما كانت الكلمة الحرة في سوريا محفوفة بالمخاطر، تكتب بحذر، وتُنشر بمراوغة، ثم تختفي أحيانًا في أدراج الرقباء، أو تسلك طرقًا سرية لتصل إلى قرائها. لعقود، فرضت السلطة رقابة صارمة على النشر، فاختفت عناوين، وتبدّلت أخرى، وباتت المكتبات تقتني ما هو مسموح، فيما كان المحظور ينتقل همسًا بين القرّاء. ومع التغيّرات السياسية والاجتماعية التي طرأت مؤخرًا، يتساءل كثيرون: هل نحن أمام انفتاح حقيقي يتيح للكتّاب تجاوز الخطوط الحمراء، أم أن الرقابة تغيّر شكلها فحسب؟
لماذا مُنعت الكتب في سوريا؟
لم يكن منع الكتب في سوريا مجرد قرار إداري، بل انعكاسًا لمنظومة كاملة ترى في الكلمة خطرًا محتملًا. تنوعت أسباب الحظر بين ما هو سياسي، حيث مُنعت الأعمال التي تتناول السلطة أو تقدم سرديات تاريخية مغايرة للرواية الرسمية، وما هو ديني، حيث أُبعدت الكتب التي تطرح قراءات غير تقليدية للنصوص، وما هو اجتماعي، حيث واجهت الكتب الجريئة في تناول قضايا المرأة والجنس والهوية المنع بذريعة حماية الأخلاق العامة.
لكن الرقابة لم تكن ذات قواعد واضحة، بل أشبه بحقل ألغام غير مرئي.
لم يكن منع الكتب في سوريا مجرد قرار إداري، بل انعكاسًا لمنظومة كاملة ترى في الكلمة خطرًا محتملًا
التاريخ تحت سطوة الرقابة
لم تكن الرقابة على الكتب مقتصرة على الأدب والفكر، بل امتدت إلى التاريخ، حيث ظلّت الكتابة عن شخصيات وأحداث معينة خطًا أحمر لعقود. خلال العقود الستة الماضية، عانى الكتّاب السوريون من رقابة غير واضحة المعالم ومتغيرة باستمرار، مما جعل الكتابة محفوفة بالمخاطر. فقد كان من الممكن أن يكون موضوع ما مقبولًا في وقت معين، ثم يتحول لاحقًا إلى محظور، ليُحاسب الكاتب عليه بأثر رجعي، حتى بعد مرور سنوات.
يقول المؤرخ سامي المبيض: "فرضت هذه الضبابية نوعين من الرقابة: الرقيب الفعلي، الذي يمارس سلطة المنع المباشرة، والرقيب المتخيَّل، الذي ترسَّخ في أذهان الكتّاب نتيجة الخوف المستمر من المحاسبة".
ويضيف: "كان التاريخ السوري أحد أبرز المجالات الخاضعة للرقابة، حيث ظل توثيق الأحداث التاريخية خطًا أحمر حتى النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي. ومع تصاعد نفوذ حافظ الأسد، تراجع الاهتمام الرسمي ببعض القضايا التاريخية، مما سمح بظهور كتب تناولت تاريخ سوريا بأسلوب حذر. ومع ذلك، بقيت بعض المواضيع محظورة، مثل الحديث عن شكري القوتلي، ودور صالح العلي، وسيرة صلاح البيطار، أحد مؤسسي حزب البعث".
ومن أبرز الكتب التي حُظرت رسميًا:
• مذكرات منيف الرزاز، التي وثّقت انقلاب 23 شباط 1966.
• جميع مؤلفات صلاح البيطار، بسبب موقفه المعارض داخل حزب البعث.
• مذكرات خالد العظم بأجزائها الثلاثة، التي ظلت محظورة رغم انتشارها بطرق غير رسمية.
• مذكرات أكرم الحوراني، التي لم يُسمح بتداولها في سوريا.
• كتب مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، مثل مؤلفات مصطفى السباعي وعصام العطار.
ويقول المبيض: "لم تكن الرقابة المباشرة على الكتب هي العائق الوحيد الذي واجهه الكتّاب السوريون، بل كانت هناك عوامل أخرى ساهمت في الحد من انتشارهم، مثل صعوبة النشر والتوزيع. فقد كان من المستحيل تمرير كتاب يتناول التاريخ السوري من منظور مختلف عن الرواية الرسمية، كما حدث مع كتاب شرق الجامع الأموي، الذي تناول دور الماسونية في القرن التاسع عشر، وقدم قراءة مغايرة للسردية البعثية التي تربط الأحداث التاريخية بالمؤامرات الاستعمارية. كذلك، لم يكن من الممكن نشر كتب تناولت السياسات الاشتراكية لعبد الناصر والبعث، مثل عبد الناصر والتأميم، أو كتاب 1860، الذي وثّق أحداث المذبحة الطائفية في دمشق".
إضافة إلى ذلك، واجه قطاع النشر في سوريا تحديات أخرى، مثل الحدّ من مشاركة دور النشر المحلية في المعارض العربية، وتحويل معرض دمشق الدولي للكتاب إلى حدث محلي محدود، فضلًا عن تراجع القوة الشرائية للقارئ السوري، مما أثّر سلبًا على انتشار الكتب ذات الطابع الجريء. ونتيجة لهذه العوامل، بات وصول الكتب المحظورة سابقًا إلى الجمهور أكثر تعقيدًا، حتى مع تراجع الرقابة الرسمية.
الكتابة اليوم: بين الانفتاح والحذر
يرى الكاتب ممدوح حمادة أن كل تغيير سياسي يحمل معه تحوّلات فكرية، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه التحولات ستفضي إلى حرية مستدامة أم أنها مجرد فترة مؤقتة. يقول:
"في مثل هذه المراحل الانتقالية، تحاول السلطات عادةً خطب ود الجماهير وتغض الطرف عن الكثير من الأمور. لكن من خلال تجاربنا كشعب سوري، نعلم أن السلطة تغيّر قناعها بمجرد أن تثبت أقدامها. لنتذكر جوّ الانفتاح الذي شاع في بداية حكم بشار الأسد، والذي تجلّى فيما سُمّي بربيع دمشق، لكنه ما إن ثبتت السلطة حتى أطاحت به. حتى الآن، لا نعرف إلى أين ستؤول الأمور، فإما أن ننتقل إلى دولة مواطنة تضمن الحريات، مما سيؤدي إلى نهضة ثقافية وأدبية، أو أن تترسخ ديكتاتورية جديدة، وعندها سيكون الوضع أسوأ مما كان عليه".
أما عن مستقبل الكتابة التوثيقية، فيشير حمادة إلى أن المرحلة الحالية تشهد صراعًا بين تيارات تسعى لترسيخ أشكال تقليدية من الحكم وأخرى تطمح إلى دولة حديثة. لكنه يحذر من أن القمع لا يحتاج بالضرورة إلى أدوات تقليدية، إذ أصبحت الرقابة الرقمية والاغتيال المعنوي عبر الجيوش الإلكترونية بديلًا عن الرقابة المباشرة.
النشر في سوريا: تحديات جديدة أم حرية حقيقية؟
شهدت دور النشر في سوريا تاريخًا طويلًا من الرقابة، لكن هل تغيّر الوضع اليوم؟ الناشر سعيد البرغوثي يرى أن التجربة لم تكن دائمًا صارمة بالدرجة نفسها، حيث لم يُمنع له سوى كتاب واحد من أصل 300 نشرها، ومع ذلك، لم تكن الرقابة غائبة تمامًا، بل ظلت حاضرة في ما يخص المواضيع الحساسة.
يقول البرغوثي: "المشكلة ليست في تناول مواضيع مثل السياسة أو الدين أو الجنس، بل في كيفية طرحها. حين تكون موظفة توظيفًا صحيحًا وتخدم النص، لا تواجه اعتراضًا، بينما عندما تبدو مقحمة بشكل مفتعل، تصبح مثار جدل ورقابة".
لكن التحدي الأكبر برأيه ليس فقط في إمكانية نشر الكتب، بل في مدى تأثيرها، إذ باتت الرقابة الذاتية هي العائق الأهم أمام حرية التعبير، إضافة إلى تراجع معدلات القراءة نفسها.
ويختم: "لم تقتصر الرقابة على النصوص، بل وصلت في بعض الفترات إلى التدقيق في تصميم الأغلفة. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ظن البعض أن هذه المنصات قد تكون بديلًا للنشر التقليدي، إلا أن المشكلة ليست في توفر منصات النشر، بل في غياب القراءة العميقة".
إلى أين تتجه الكتابة السورية؟
اليوم، يقف المشهد الثقافي السوري عند نقطة مفصلية. قد يكون الانفتاح الحالي بوابة لعبور الكتابة إلى مساحات أكثر جرأة وحرية، أو مجرد هدنة مؤقتة قبل أن تعود الرقابة بوجه جديد. لكن ما يبدو واضحًا أن الكتابة، رغم كل القيود، لم تتوقف يومًا، بل وجدت دائمًا طرقًا للالتفاف على المنع، سواء بالرمزية، أو التهريب، أو حتى بالنشر خارج الحدود.
وبينما يحاول الكتّاب اليوم إعادة رسم حدود الحرية، يبقى السؤال الأهم: هل ستكون الكلمة في سوريا أخيرًا قادرة على العبور بلا حواجز، أم أن رقابة الماضي ستعود في شكل جديد، بوسائل أكثر تعقيدًا؟
الكلمات المفتاحية

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية
خلف الضجيج السياسي حول حصص المياه، وبعيدًا عن تقارير المناخ التي تتحدث عن جفاف يلوح في الأفق، يجري نهر آخر في عروق السوريين على ضفاف الفرات

بطلب من بغداد: دمشق تمنع عرض كتاب يضم خطب الزرقاوي في معرض الكتاب
أفادت وكالة "رويترز" بأن الحكومة السورية منعت عرض كتاب مرتبط بـ"تنظيم القاعدة" في معرض الكتاب بدمشق، عقب طلب تقدّمت به بغداد

من "دريد ونهاد" إلى "أسعد وجودة": تطور الثنائيات الكوميدية في الدراما السورية
حظيت الثنائيات الكوميدية في الأعمال الدرامية السورية بنجاح وانتشار واسعين على المستويين المحلي والعربي

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


