المؤشر العربي لعام 2025: قراءة في واقع السوريين اليوم
7 يناير 2026
بعيدًا عن تعبير 80–94% من السوريين عن شعورهم بالأمل والسعادة بسقوط نظام الأسد، كما ورد في "المؤشر العربي 2025" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فإن 80% عبّروا في الوقت نفسه عن مشاعر القلق أو حالة من عدم اليقين، ما يجعل من هذه الأرقام مدخلًا لفهم الحالة العامة التي تعيشها البلاد منذ سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024. فهي لم تعد مجرد أرقام، بقدر ما تدل على حالة عامة تجمع بين الارتياح بانتهاء مرحلة طويلة، والقلق من حالة الاستقرار الأمني الهش.
ولا يمكن النظر إلى هذه الأرقام باعتبارها مجرد نسب مئوية، أو التعامل معها بمعزل عن سياقها في الفضاء العام، إذ تعكس حالة عدم استقرار مجتمعي ممتدة منذ عام 2011، عقب اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الأسد، قبل أن تدخل البلاد نفقًا مظلمًا مجهول المصير. وبالمجمل، لا تشير الأرقام التي يقدمها المؤشر العربي إلى تعافي المجتمع السوري؛ فإذا نظرنا إلى معدل تناول السوريين لحم الدجاج واللحم الأحمر نجده لا يتجاوز 1% يوميًا، بينما لا تتجاوز نسبة من يتناولون السمك مرة واحدة في الأسبوع 5%، ما يدل على أن البلاد لا تزال تعيش حالة من الإرهاق الاقتصادي، الذي فاقمه توقف أو انحسار الدعم الدولي.
لكن على المستوى السياسي، تُظهر الأرقام في المقابل نوعًا من النضوج النسبي، رغم حالة الاستقطاب الطائفي التي تعيشها البلاد، يضاف إليها توغلات جيش الاحتلال الإسرائيلي التي تحولت إلى احتلال صامت لجنوب البلاد. كما تُبيّن النتائج أن نحو ربع السوريين يميلون إلى الرأي المحافظ، وعلى الرغم من تقارب النسب، فإن حالة الاستقطاب تظهر جليًا على منصات التواصل الاجتماعي، وهي حالة أفرزتها سنوات طويلة من العنف والانقسام القائمين على أساس طائفي، من دون أن يفقد المجتمع قدرته على التفكير السياسي رغم الظروف القاسية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في أرقام المؤشر العربي هو تأييد 65% محاسبة أي شخص تورّط في انتهاكات، حتى لو كان من المعارضة أو من الفصائل المسلحة، مقابل 25% يفضّلون محاكمة رموز وضباط نظام الأسد. تبدو هذه النسب متباعدة، لكنها تعكس تنوّع المجتمع السوري، واتجاه الغالبية نحو عدالة انتقالية واضحة المعايير لا تميّز بين الأفراد المتورطين في انتهاكات إنسانية. كما تعطي هذه الأرقام انطباعًا أوليًا، بناء على وصف 50% أداء الحكومة القائمة بـ"جيد"، أن الانتماء السياسي أو العسكري لم يعد مبررًا مقبولًا لارتكاب الانتهاكات.
وعند الانتقال إلى مسألة شكل الدولة، لا يمكن تجاهل، مرة أخرى، أن 42% من السوريين يفضّلون الدولة المدنية مقابل 28% للدولة الدينية، بينما لا يشكّل شكل نظام الحكم فرقًا لدى 22%، ما يعكس انقسامًا واضحًا حول تصور الدولة المستقبلية. وإذا نظرنا إلى نسب مؤيدي الدولتين المدنية والدينية، نجد أن نسبة الـ22% قد يكون لها دور بارز في حال إجراء استفتاء على شكل نظام الحكم، إذ ستجد هذه الشريحة نفسها أمام صراع أيديولوجي تحكمه صناديق الاقتراع، ضمن إطار من أشكال الديمقراطية التي يؤيدها 67% من مستجيبي 15 دولة شاركوا في استطلاع المؤشر العربي.
من أكثر الأرقام تناقضًا التي يقدّمها الاستطلاع يبرز رقمان يسيران في اتجاهين متعاكسين؛ إذ قال 64% بوجود انصهار وطني بدرجات متفاوتة، في حين رأى 70% أن الخطاب الطائفي منتشر. كما أبدت الأغلبية، بنسب تراوحت بين 66% و78%، عدم ممانعة أن يكون الجيران من ديانات وطوائف أخرى، في مقابل تجاوز نسبة الإقرار بوجود التمييز على أساس طائفي أو مذهبي 55%. ويُعد هذا التناقض جوهر الحالة السورية، إذ يدل على أن المجتمع، بصورة عامة، لم يتعافَ بعد من أزمة متشابكة الأبعاد تحوّلت في سنواتها الأخيرة إلى صراع بالوكالة، كانت الهويات والنوع الاجتماعي من أبرز محركاته.
وتعكس هذه الأرقام قراءتين محتملتين: الأولى يمكن فهمها بوصفها انفصالًا جزئيًا عن التوترات الأمنية القائمة على أساس طائفي على أرض الواقع، والثانية أن المستجيبين ميزوا بين المجتمع والخطاب السائد، معتبرين أنهم ليسوا غرباء عن مجتمعهم بقدر ما يعيشون في فضاء عام يهيمن عليه الاستقطاب الطائفي. ومع ذلك، تكشف النتائج أن العيش المشترك لا يزال قائمًا، رغم الأوضاع الاقتصادية المتردية والاستقرار الأمني الهش، الذي يغذّيه الخطاب التحريضي عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وفي سياق موازٍ، جاء صدور نتائج المؤشر العربي بالتزامن مع البيان السوري–الأميركي–الإسرائيلي المشترك، الذي يفيد بتوصل الحكومة السورية وإسرائيل إلى اتفاق ينص على إنشاء آلية تنسيق مشتركة. في المقابل، تُظهر الأرقام أن 70% من السوريين يعارضون عقد أي اتفاق مع إسرائيل من دون عودة الجولان المحتل. وبالعموم، تشير النتائج إلى أن غالبية السوريين يتفقون على أن إسرائيل تشكّل تهديدًا لأمن البلاد واستقرارها، ما يدل على وجود إجماع وطني، رغم حالة الاستقطاب الطائفي، على وحدة الأراضي السورية، وهو إجماع يبدو غير قابل للمساومة.
وإذا وضعنا هذه الأرقام في سياق واحد، يمكن النظر إلى المجتمع السوري من زاوية أوسع؛ فرغم سوء الأوضاع الاقتصادية والخدمية، لا يزال قادرًا على التمييز بين العدالة الانتقائية والعدالة الانتقالية، وبين شكل الدولة الغائب والحالة الفصائلية، وبين هوية المجتمع ككل والخطاب السائد. وهنا تطرح هذه الأرقام سؤالًا مفتوحًا حول ما إذا كان السوريون أنفسهم مستعدين لبناء دولة جديدة، أو ما إذا كانت هناك إمكانية فعلية لتحويل هذه المؤشرات، بمعزل عن العوامل الاقتصادية والخدمية، إلى مسار سياسي لبناء دولة اعتادت النجاة أكثر مما اعتادت الحكم.
الكلمات المفتاحية

تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية
في المراحل الانتقالية، لا تُقاس جدّية السلطة الجديدة بتصريحاتها المستقبلية، بل بكيفية إدارتها للإرث المؤسسي والقانوني الذي ورثته

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي




