المال والنفوذ في الملاعب السورية: كيف تحوّلت الأندية إلى ساحات استثمار رمادي؟
30 ديسمبر 2025
لم تعد الملاعب السورية مجرّد مسارح للتنافس الرياضي الشريف، بل تحوّلت خلال العقد الأخير إلى "مناطق اقتصادية رخوة" تجذب رؤوس الأموال الباحثة عن نفوذ يتجاوز حدود المستطيل الأخضر. ففي ظل غياب الاحتراف بمفهومه المؤسسي، تبرز مفارقة صارخة بين أندية تمتلك أصولًا عقارية ضخمة في قلب المدن الرئيسية، مثل نادي أهلي حلب ونادي الشبيبة (الجلاء سابقًا)، وبين واقعها المالي المتردّي الذي يجعلها عاجزة عن سداد التزاماتها الجارية.
ورغم أن قيمة منشآت هذه الأندية تُقدَّر بمليارات الليرات كسوق عقارية، فإنها تبقى "استثمارًا عقاريًا ساكنًا" يخضع لقوانين إيجار قديمة وريع متواضع، ما يترك أندية عريقة مثل الكرامة وحمص الفداء (الوثبة سابقًا) رهينة لتدفّقات نقدية طارئة من رجال أعمال يضخّون سيولة كبيرة لسدّ عجز لا تنتهي فصوله، في غياب كامل لمفهوم "صناعة كرة القدم" التي تحوّل النادي إلى وحدة إنتاجية مستقلة.
هذا الاندفاع المحموم نحو رئاسة الأندية يطرح تساؤلات حول "الثمن الاجتماعي" الذي يجنيه رجال الأعمال مقابل هذه المليارات؛ فالرئاسة هنا ليست مجرّد عبء مالي، بل تذكرة عبور إلى "الحصانة الشعبية" والوجاهة الاجتماعية التي تمنح صاحبها قاعدة جماهيرية وتأثيرًا في الرأي العام لا توفّره أكبر الميزانيات الإعلانية.
إن السعي لتصدّر المشهد في أندية جماهيرية هو، في جوهره، استثمار في "القوة الناعمة" وبناء شبكات علاقات مع مراكز القرار، حيث تتحوّل المنصّة الشرفية في الملعب إلى مساحة لعقد الصفقات وتثبيت النفوذ. وهو ما يفسّر ارتباط أسماء العديد من كبار الفاعلين الاقتصاديين بالمنظومة الرياضية، حيث يختلط حبّ النادي برغبة جامحة في تسيّد المشهد الاجتماعي والسياسي، والبحث عن خزان بشري انتخابي جاهز للتحرّك عند الحاجة.
وفي خضم هذا الصراع على النفوذ، تبرز أهمية الوعي الإداري في توجيه هذه الثروات، وهو ما تؤكده سلام علاوي، رئيسة نادي الثورة، بقولها: "إن وجود المال ضروري جدًا للرياضة، لكن على من يسعى إلى المنصب الرياضي أن يدرك أنها مسؤولية كبيرة؛ فالمال من دون فهم رياضي وخبرة إدارية حقيقية لا قيمة له، بل قد يتحوّل إلى عبء ثقيل يؤدي إلى نتائج عكسية وتدمير لهوية النادي بدل بنائها".
غير أن الجانب الأكثر قتامة في هذا المشهد يكمن في طبيعة "المال السياسي" و"المال الرمادي" الذي يتسلّل إلى خزائن الأندية تحت مسمّيات الهبات والتبرّعات. فمن الناحية الجنائية والمالية، تمثّل الأندية الرياضية، في بيئة تفتقر إلى الرقابة الصارمة والميزانيات المدقّقة، "ملاذًا مثاليًا" لعمليات غسل الأموال؛ إذ تسمح الفوضى المحاسبية بضخّ أموال مجهولة المصدر عبر تقنيات "التضخّم الوهمي" في عقود اللاعبين والمدرّبين، أو من خلال تضخيم فواتير إصلاح المنشآت والمعسكرات الخارجية التي تُدفع نقدًا بعيدًا عن القنوات المصرفية الرسمية.
وتتيح هذه الثغرات تحويل مبالغ ضخمة من مصادر غير شرعية إلى أصول "نظيفة" تظهر في السجلات كدعم للرياضة والشباب، ما يصعّب على الجهات الرقابية تتبّع مصدرها الحقيقي، خصوصًا في ظل غياب قانون احتراف يفرض التحويلات البنكية حصرًا لكل ليرة تدخل أو تخرج من النادي.
وفي هذا السياق، يقدّم تامر حافظ، عضو إدارة نادي حمص الفداء وأحد أبرز رجال الأعمال الداعمين للرياضة، شهادة من الداخل تكشف هذا الواقع. يقول لـ"الترا سوريا": "ما نشهده اليوم يتجاوز حدود الدعم الرياضي ليصل إلى مرحلة "الارتهان المالي". وبالتدقيق نجد أن العقلية السائدة لدى بعض المموّلين هي "عقلية المنّ"، حيث يُدفع المال مقابل الولاء المطلق والتحكّم بالقرارين الفني والإداري". وأضاف: "نحن أمام معضلة حقيقية؛ فغياب الشفافية المالية والاعتماد على السيولة النقدية المباشرة يجعل الأندية عرضة لتساؤلات قانونية حول نظافة هذه الأموال".
وتابع حافظ: "في حمص الفداء نسعى إلى فكّ الارتباط بين "الوجاهة الشخصية" و"دعم الكيان"؛ فالمموّل الذي يرفض بناء مشروع استثماري مستدام ويفضّل دفع الرواتب نقدًا وبأرقام فلكية، لا يبني ناديًا بل يبني واجهة لنفوذه الخاص. لذلك ندعم الكيان، ويكون التعامل معه لا مع الشخص، وعندما يحتاج أي لاعب أو إداري شيئًا يأخذه من الكيان لا مني مباشرة".
في النهاية، تضع هذه الصورة القاتمة الرياضة السورية أمام مفترق طرق تاريخي؛ إما التوجّه نحو قانون واضح لشركات رياضية يفرض تدقيقًا ماليًا خارجيًا ويمنع التمويل المجهول، أو البقاء في دوّامة "المال الرمادي" التي تحوّل الأندية إلى أدوات في يد إمبراطوريات المال، لتغدو البطولات مجرّد غطاء لعمليات أكبر تُدار خلف الأبواب المغلقة.
الكلمات المفتاحية

اتحاد الكرة يفرض عقوبات على نادي أمية بعد أحداث مباراة حمص الفداء
اتخذت لجنة الانضباط في الاتحاد السوري لكرة القدم إجراءات عقابية عاجلة ضد نادي أمية الرياضي

في الدوري الممتاز: الوحدة يحقق فوزًا عريضًا وحمص الفداء يعود بثلاث نقاط ثمينة
افتُتحت، اليوم الجمعة، مباريات الجولة السابعة من الدوري السوري الممتاز لكرة القدم بإقامة أربع مباريات

نظرة أولى على “السوريون الأعداء”: مشاهد من القمع والخوف في عهد الأسد الأب
كشفت منصة "العربي بلس" عن النظرة الأولى لمسلسل "السوريون الأعداء"، المقتبس عن رواية الكاتب فواز حداد بالعنوان نفسه

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


