المجتمع والهوية.. من الخوف إلى الكلام المباح
25 ديسمبر 2025
بعد سقوط النظام، لم يدخل السوريون زمن الحرية بقدر ما خرجوا من زمن الخوف، والفرق بين الأمرين كبير. فالخوف كان بنية كاملة شكّلت اللغة، والعلاقات، والهوية، وحتى صورة الذات، وحين تراجع فجأة، لم يترك خلفه فراغًا ناعمًا، بل مساحة فوضوية مليئة بالأصوات المكبوتة والذاكرة الثقيلة. أول ما انكشف في هذا التحول كان اللغة، تلك التي عاش السوريون لعقود يتقنون فن الالتفاف بها على المعنى فكان الكلام محمّلًا بالحذر، مليئًا بالإيماءات، يهرب من التسمية المباشرة، ويتقن السكوت أكثر من النطق.
في الإعلام، كانت اللغة مؤدلجة، خشبية، أحادية الاتجاه، لا تعكس الواقع بقدر ما تفرض عليه تفسيرًا واحدًا. بعد التحرير، تغيّر هذا المشهد جذريًا، لكن ليس بالضرورة نحو النضج. إذ خرج الكلام دفعة واحدة، غاضبًا، صادمًا، وأحيانًا بلا ضوابط، وكأن المجتمع كله يعوّض سنوات الصمت الطويل في لحظة واحدة. فتحوّلت اللغة إلى أداة تفريغ نفسي، تُقال فيها الأشياء كما تُحس لا كما تُفكّر، فاختلط الصدق بالقسوة، والبوح بالاتهام. حيث انتقل الإعلام الرسمي من سلطة الصوت الواحد إلى فوضى الأصوات المتنازعة، فغابت المعايير في كثير من الأحيان، وحلّت مكانها الشعبوية أو تصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الاستقطاب بلغة جديدة.
تقول مؤمنة عكاش: "عشنا النصف الأخير من الحرب في مخيمات اللجوء، وعندما عدنا كان هاجسنا الأكبر هو الأمان قبل الحرية.. إلا أن مقياس الأمان تحول من موالاتك للسلطة في عهد الأسد إلى انتمائك لفكر أو طائفة معينة بعد التحرير. أما عن الحرية فإن مخزون الخوف الذي عايشناه لقرون مازال يشكل جدارًا ثخينًا بين المواطن السوري وأي سلطة حاكمة، ولو أن لغة الشارع بدت أكثر انفتاحًا على المستوى السياسي".
هذا التحول في اللغة ليس مسألة شكلية، بل دليل على انتقال المجتمع من الخوف إلى الكلام دون المرور الكافي بمرحلة الوعي، وكأن الحرية سبقت أدواتها. وفي قلب هذا الارتباك اللغوي، يطفو سؤال الهوية والوطنية بوصفه السؤال الأكثر حساسية وإيلامًا. ما معنى أن تكون سوريًا اليوم؟ هل الوطنية هي مجرد الانتماء إلى أرض أنهكتها الحرب؟ أم هي موقف أخلاقي مما جرى؟ أم هي ذاكرة مشتركة لم تعد مشتركة فعلًا؟ الوطنية التي رُوّج لها سابقًا كانت مرتبطة بشخص السلطة أكثر من ارتباطها بالمجتمع، وحين سقطت تلك الصيغة، لم تكن هناك رواية بديلة جاهزة.
اليوم تتصارع داخل المجتمع تصورات مختلفة للوطن: وطن الضحية، حيث تُختزل الهوية في الألم والخسارة. وطن الناجي، حيث يُنظر إلى الماضي بوصفه عبئًا يجب تجاوزه سريعًا. ووطن الحلم، الذي يسعى إلى تخيّل مستقبل جديد دون أن يعرف بعد كيف يتعامل مع الذاكرة الجريحة.
إعادة تعريف الوطنية السورية لا يمكن أن تنجح إذا تجاهلت هذه التناقضات، ولا إذا حاولت فرض سردية واحدة جديدة كبديل عن تلك القديمة. الوطنية بعد كل هذا الخراب لا يمكن أن تكون عاطفة مجردة أو شعارًا تعبويًا، بل يجب أن تُبنى على الاعتراف بالاختلاف، وعلى فكرة أن الانتماء الحقيقي لا يعني التطابق في التجربة، بل القبول بها. وطن ما بعد القمع لا يُبنى على النسيان القسري، لأن الذاكرة المنكرة تتحول إلى قنبلة مؤجلة، ولا يُبنى أيضًا على استدعاء الألم كهوية دائمة تمنع أي أفق مشترك.
وبين الذاكرة الجريحة والحلم، تقف الوطنية السورية اليوم في منطقة رمادية، تبحث عن صيغة أخلاقية لا تبرر الماضي ولا تهرب منه. لكن هذا البحث يصطدم بواقع اجتماعي متصدع، فسنوات القمع والحرب لم تترك مجتمعًا متماسكًا ينتظر فرصة للتلاقي، بل خلّفت انكسارات عميقة في الثقة بين الأفراد والجماعات.
السؤال "هل ما زلنا مجتمعًا واحدًا؟" لم يعد سؤالًا نظريًا، بل تجربة يومية تظهر في أدق التفاصيل: في نظرة الشك، في اللغة المستخدمة في وصف الآخر المختلف، في سرعة التصنيف، وفي الخوف المتبادل. الطائفة، المنطقة، الموقف السياسي،
وتجربة الحرب الشخصية، تحوّلت إلى هويات فرعية غالبًا ما تتقدم على صفة المواطنة.
يقول الباحث السياسي حميد التيناوي: "كثير من السوريين لم يعودوا يرون بعضهم البعض بوصفهم شركاء في وطن، بل بوصفهم شهودًا محتملين أو متهمين محتملين".
إن هذا التآكل في الثقة مفهوم نفسي، لكنه خطر اجتماعي إذا لم يُعالج. فالمجتمع الذي عاش طويلًا تحت القمع يتعلم النجاة الفردية أكثر مما يتعلم التضامن، وحين تزول القبضة الأمنية، لا تزول معها آثارها النفسية والثقافية.
يضيف تيناوي: "الأخطر من التصدعات ذاتها هو تطبيعها، أي التعامل معها كواقع نهائي لا يمكن تجاوزه. عندها، يتحول الاختلاف من ظاهرة صحية إلى قطيعة دائمة، ويتحوّل الكلام من وسيلة فهم إلى أداة عنف رمزي. إن إعادة بناء المجتمع السوري لا تعني العودة إلى وهم الوحدة السابقة، بل بناء وحدة جديدة أكثر تواضعًا وصدقًا، تعترف بالشرخ وتعمل على ترميمه بدل إنكاره. وهذا يتطلب مسارًا طويلًا يبدأ بالعدالة والمساءلة، ويمر بالتعليم والإعلام، ولا ينتهي عند إعادة الاعتبار للفرد كقيمة إنسانية مستقلة لا كرقم داخل جماعة".
إن التحرير، في جوهره، ليس لحظة انتصار بل بداية امتحان صعب: هل يستطيع السوريون تحويل الخوف الذي انكسر إلى وعي، والكلام الذي انفجر إلى حوار، والذاكرة التي تنزف إلى أساس لمستقبل مشترك؟ لا إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة، وربما لن تأتي قريبًا، لكن مجرد طرحها علنًا، بعد عقود من الصمت، يعني أن المجتمع السوري، رغم كل ما أصابه من تشظٍ وألم، ما زال يحاول أن يعيد تعريف نفسه، وأن يبحث عن وطن لا يُفرض بالقوة، ولا يُختزل بالذاكرة وحدها، بل يُبنى ببطء، وبكلفة أخلاقية عالية، على الاعتراف، والمسؤولية، وإمكانية العيش معًا رغم كل شيء.
الكلمات المفتاحية

إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية
أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية

لماذا رفضت رابطة الصحفيين السوريين "مدونة السلوك" الصادرة عن وزارة الإعلام؟
أصدرت رابطة الصحفيين السوريين، بيانا ترفض من خلاله، مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، مؤكدة بطلان الوصاية الحكومية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا
الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


