ultracheck
عدالة انتقالية

المحكمة الدستورية.. بين جدل آلية التعيين وحدود قدرتها على ضبط السلطات

19 يوليو 2026
الجلسة الأولى لأعضاء المحكمة الدستورية
الجلسة الأولى لأعضاء المحكمة الدستورية (سانا/ الترا سوريا)
محمد كساح
محمد كساح كاتب صحافي سوري

أثار المرسوم الرئاسي بتعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا تساؤلات عدة، من أبرزها مدى قدرة هذه المحكمة على أن تكون ضابطًا للسلطات في مرحلة انتقالية صُممت مؤسساتها بقرارات رئاسية.

وكان الرئيس أحمد الشرع قد أصدر مرسومًا بتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا وأعضائها. وذكرت الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، الثلاثاء 7 تموز/يوليو، أن المرسوم رقم 149 لعام 2026 قضى بتعيين الدكتور عصام خالد الخليف رئيسًا للمحكمة الدستورية العليا.

كما نص على تعيين ستة أعضاء في المحكمة، هم القاضي المستشار خير الله نديم غنوم، والقاضي المستشار محمد مصطفى سبيع، والقاضي المستشار إيمان أنطوان نوري، والدكتور إسماعيل حمادي الخلفان، والدكتورة ريعان حسن كحيلان، والمحامي الأستاذ عارف أحمد الشعال.

ونص المرسوم على أن المحكمة الدستورية العليا تضطلع بمهام أساسية ريثما يصدر القانون الذي ينظم آلية عملها واختصاصاتها، وتتمثل هذه المهام في الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وإبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين بناءً على طلب رئيس الجمهورية.

ومن مهام المحكمة، وفق ما نص عليه المرسوم، إبداء الرأي في دستورية اقتراحات القوانين بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب، وكذلك تفسير نصوص الإعلان الدستوري بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب.

جدلية الاستقلال وضبط السلطة التنفيذية

ويرى الخبير في القانون الدستوري ضياء الرويشدي، في حديث إلى "الترا سوريا"، أن فاعلية المحكمة الدستورية تتوقف على ضمان استقلالها ووضوح إجراءات المرافعة أمامها. وعلى سبيل المثال، يرى أن ربط ممارسة بعض اختصاصات المحكمة إجرائيًا بطلب من السلطة التنفيذية يقيّد دورها ويضعف السلطة القضائية، إذ يتوقف عملها على طلب من سلطة يُفترض أن تراقبها المحكمة، كما قد يحرم المواطن من فرصة المشاركة السياسية والاعتراض على دستورية القوانين.

من جانبه، يؤكد السياسي السوري محمد شكيب الخالد أن المحكمة بصورتها الراهنة لا تستطيع ممارسة سلطتها بوصفها ضابطًا للسلطة التنفيذية؛ لأنها تشكلت بقرار من رأس السلطة التنفيذية، من دون تدخل من السلطة التشريعية أو الهيئات المهنية، فضلًا عن ارتباط عدد من مهامها بطلب من رئيس الجمهورية.

يمثل وجود محكمة دستورية في المرحلة الانتقالية خطوة مهمة لترسيخ مبدأ سيادة القانون ومنع تغول السلطات، لكن فاعليتها لا تُقاس بمجرد إنشائها، وإنما بدرجة استقلالها عن السلطة التي أنشأتها

ويضيف الخالد، في حديث إلى "الترا سوريا"، أن المشكلة متعددة المستويات، بدءًا من الجهة التنفيذية التي شكلت المحكمة، مرورًا بآلية اختيار أعضائها، وصولًا إلى صلاحياتها. ويشير إلى أننا أمام سلطة تنفيذية أحادية تمددت إلى بقية السلطات وصادرت صلاحياتها ومنعتها من أداء دورها؛ فلا مجلس الشعب الحالي يرقى، بحسب رأيه، إلى أن يكون سلطة تشريعية، ولا القضاء الحالي يرقى إلى أن يكون سلطة قضائية مستقلة، بينما تبقى السلطة التنفيذية المتمركزة في شخص الرئيس هي الأساس.

ضرورة وجود ضمانات

من الناحية النظرية، يمثل وجود محكمة دستورية في المرحلة الانتقالية خطوة مهمة لترسيخ مبدأ سيادة القانون ومنع تغول السلطات، لكن فاعليتها لا تُقاس بمجرد إنشائها، وإنما بدرجة استقلالها عن السلطة التي أنشأتها.

ويرى المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني، في حديث إلى "الترا سوريا"، أن معظم مؤسسات المرحلة الانتقالية تشكلت استنادًا إلى الإعلان الدستوري وبقرارات رئاسية، بما في ذلك المحكمة الدستورية نفسها، وهو ما يثير تساؤلًا مشروعًا حول مدى قدرتها على ممارسة رقابة فعلية على السلطة التنفيذية التي كانت صاحبة قرار تشكيلها.

في المقابل، يشدد الكيلاني على أهمية تجنب الحكم المسبق على أداء المحكمة، لأن استقلال القضاء يُقاس أيضًا بالممارسة العملية وبطبيعة الأحكام التي ستصدرها مستقبلًا، وليس فقط بطريقة التعيين.

وحول آلية اختيار أعضاء المحكمة، يوضح الكيلاني أن الإعلان الدستوري نفسه هو الذي رسم آلية الاختيار، إذ منح رئيس الجمهورية صلاحية تسمية جميع أعضاء المحكمة الدستورية العليا، مع اشتراط توافر النزاهة والكفاءة والخبرة، لكنه لم ينص على آلية تشاركية أو على دور لسلطات أو هيئات أخرى في عملية الاختيار.

وبناءً عليه، يرى أن النقاش القانوني ينصرف، بالدرجة الأولى، إلى تصميم الآلية المؤسسية أكثر مما ينصرف إلى الأشخاص؛ فاستقلال المحكمة الدستورية لا يتحقق فقط من خلال كفاءة أعضائها، وإنما أيضًا من خلال وجود ضمانات إجرائية تعزز استقلالهم وتمنح المحكمة ثقة الرأي العام. ومن هذه الزاوية، يتعلق الجدل الدائر اليوم بطبيعة النموذج الذي اعتمده الإعلان الدستوري في تشكيل المحكمة، أكثر من تعلقه بأسماء القضاة أنفسهم.

وفي السياق، يؤكد الكيلاني أنه ينبغي ألا يغيب عن النقاش أن الإعلان الدستوري صدر لتنظيم مرحلة انتقالية استثنائية، وقد منح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة في تشكيل عدد من مؤسسات الدولة، وليس المحكمة الدستورية وحدها. وبالتالي، فإن آلية التعيين تنسجم مع فلسفة الإعلان الدستوري في إدارة المرحلة الانتقالية، لكنها تبقى محل نقاش من زاوية مدى توافقها مع أفضل الممارسات الدستورية المتعلقة باستقلال القضاء الدستوري، وهي مسألة قد يُعاد النظر فيها عند وضع الدستور الدائم وإنشاء المؤسسات الدستورية المستقرة.

رئيس المحكمة محل جدل

وأثار تعيين رئيس المحكمة الدستورية جدلًا واسعًا، إذ يرى المعترضون أن اختياره جاء بسبب قربه من السلطة، فضلًا عن أنه لم يتخصص في القانون الدستوري.

وفي هذا الصدد، لا يرى الكيلاني أن تقييم رئيس المحكمة ينبغي أن يُبنى على الانطباعات أو على القرب أو البعد من السلطة وحده، ما لم توجد معطيات موضوعية تثبت تأثير ذلك في استقلاله القضائي. أما فيما يتعلق بالتخصص، فمن المعروف أن كثيرًا من رؤساء المحاكم الدستورية في العالم ليسوا بالضرورة أساتذة في القانون الدستوري، بل قد يكونون قضاة أو قانونيين ذوي خبرة واسعة في القضاء أو القانون العام.

ويضيف الكيلاني أن وجود خبراء في الفقه الدستوري ضمن أعضاء المحكمة يُعد ميزة مهمة تعزز جودة اجتهاداتها؛ لأن المحكمة الدستورية تتعامل مع أكثر القضايا القانونية حساسية.

من جانبه، يشير ضياء الرويشدي إلى أنه لا يمتلك معرفة شخصية برئيس المحكمة الدستورية، لكنه يؤكد أن غياب معايير التعيين هو سمة المرحلة. وبالتالي، فكما افتقدت اللجنة الانتخابية والحوار الوطني معايير واضحة للاختيار، ليس مستغربًا أن يمتد الخلل ذاته إلى تعيين أعضاء المحكمة الدستورية. ويلاحظ أن الفقه الدستوري في سوريا ضعيف، وأن خبراء القانون الدستوري قلّة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.

أما السياسي محمد شكيب الخالد، فيرى أن الدكتور عصام الخليف، رئيس المحكمة، لا يمتلك الخبرة اللازمة ولا الاطلاع المطلوب لممارسة هذا العمل، في حين تزخر سوريا بعشرات الخبراء والمتخصصين في القانون الدستوري. ويلاحظ أن السلطة دأبت على اعتماد آلية محددة في التعيين لم تحد عنها حتى هذه اللحظة. وانطلاقًا من ذلك، يرى أن المحكمة، بالآلية التي أُنشئت وفقها، لن يكون لها دور رقابي، ويمكن وصفها بأنها لجنة استشارية رئاسية.

ما وظيفة المحكمة في المرحلة الانتقالية؟

يوضح ضياء الرويشدي أنه، من حيث المبدأ، تتمثل وظيفة المحكمة في ضمان احترام الإعلان الدستوري وتوضيح معنى بنوده عند تعارض التفسيرات، كما أن لها دورًا في منح المواطن فرصة الرقابة على الدولة. لكن هذه الوظائف يجب أن تُوضح من خلال النظام الدستوري، لا الإعلان فحسب، إذ إن الدستور لا يقتصر على النص، بل يشمل أيضًا المبادئ التي يرسخها.

هل توجد مؤشرات على أن السلطة التنفيذية ستبقى بمنأى عن مساءلة القضاء الدستوري؟

أما المعتصم الكيلاني، فيرى أن وظيفة المحكمة الدستورية في المرحلة الانتقالية تتجاوز الرقابة التقليدية على دستورية القوانين؛ لأنها تمثل الضامن القانوني للإعلان الدستوري الذي يحكم المرحلة بأكملها. ويؤكد أن المحكمة مطالبة بحماية الحقوق والحريات، وضمان التزام السلطات بأحكام الإعلان الدستوري، ومنع تجاوز حدود الاختصاص، إضافة إلى تفسير النصوص الدستورية عند وجود خلاف بشأنها.

ويشير إلى أن المحكمة تكتسب، في المراحل الانتقالية تحديدًا، أهمية مضاعفة؛ لأنها تسهم في بناء الثقة بالمؤسسات الجديدة، وتمنح المستثمرين والمجتمع الدولي والمواطنين ضمانة بأن إدارة الدولة تخضع لقواعد قانونية، لا لإرادة السلطة وحدها.

هل ستكون الحكومة بمنأى عن المساءلة؟

بعد كل ما سبق، يتمثل السؤال الأبرز في مدى إمكانية تعزيز الرقابة الدستورية الحقيقية في البلاد، ويمكن طرحه على النحو الآتي: هل توجد مؤشرات على أن السلطة التنفيذية ستبقى بمنأى عن مساءلة القضاء الدستوري؟

في معرض إجابته عن هذا السؤال، يرى المعتصم الكيلاني أنه من المبكر الوصول إلى هذا الاستنتاج بصورة قاطعة؛ لأن الرقابة الدستورية لا تُقاس فقط بطريقة التعيين، وإنما أيضًا بطبيعة الاختصاصات التي سيحددها القانون الناظم لعمل المحكمة، وبكيفية ممارستها لهذه الاختصاصات، ومدى استعداد السلطة التنفيذية لاحترام أحكامها.

وفي المقابل، تحتاج أي رقابة دستورية حقيقية إلى ضمانات مؤسسية واضحة، مثل استقلال القضاة، وتعدد جهات الإحالة والطعن، وشفافية الإجراءات، وإلزامية تنفيذ الأحكام. ويلفت الكيلاني إلى أنه في حال لم تتوافر هذه الضمانات، فقد تتحول المحكمة إلى مؤسسة ذات دور استشاري أو شكلي، بدلًا من أن تكون سلطة دستورية تمارس رقابة فاعلة على أعمال السلطات العامة.

بدوره، يؤكد محمد شكيب الخالد أن نجاح المرحلة الانتقالية لا يقتصر على الإنجازات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية، بل إن المعيار الرئيسي والعنوان العريض للنجاح يتمثلان في بناء سلطات قضائية وتشريعية وتنفيذية منفصلة وغير متداخلة في صلاحياتها.

أما ضياء الرويشدي، فلا يحبذ التنبؤ بمستقبل القضاء الدستوري، لكنه يلفت إلى أن مركزية القرار هي السمة الغالبة على المرحلة، ولذلك تدور جميع السلطات في فلك الرئاسة.

الكلمات المفتاحية

حسام لوقا

"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا

انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا


العنف الأسري

نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟

يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره


خالد الحلبي

تقرير: النمسا تحقق في فرار شرطي سابق في نظام الأسد بعد إدانته بقضية تعذيب في الرقة

أفادت تقارير بأن حقوقية نمساوية طالبت بالكشف عن مكان وجود الشرطي السابق في نظام الأسد، مصعب أبو ر.، بعد الاشتباه في فراره إلى سوريا


عنصر شرطة

اختطاف النساء في سوريا.. ملف حقوقي يختبر التزام الدولة بالمحاسبة

يتصاعد ملف اختطاف النساء في سوريا، وسط إنكار رسمي ومطالب حقوقية بتحقيق مستقل يضمن الحماية والمساءلة

حسام لوقا
عدالة انتقالية

"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا

انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا

النفط العراقي
مجتمع واقتصاد

زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ

يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم


الأمن الداخلي
أخبار

الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق

ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت

العنف الأسري
عدالة انتقالية

نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟

يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره

الأكثر قراءة

1
أخبار

قتيلان و17 مصابًا.. خلاف عائلي يتحول إلى اشتباك مسلح في حمص


2
أخبار

بعد موجة من الجدل والانتقادات.. مديرية الآثار توضح حقيقة ما يجري في مهرجان "صيف دمشق"


3
أخبار

هيئة العدالة الانتقالية تدعو لتوثيق الانتهاكات المرتبطة بمحمد الشعار


4
أخبار

بعد مذكرة التفاهم السورية ـ الروسية.. هيئة المنافذ والجمارك تتسلم مواقع تجارية في مرفأ طرطوس


5
أخبار

الهيئة العامة للطيران المدني تتسلم إدارة مطار اللاذقية الدولي


advert