المصالحة المجتمعية بوابة العدالة الانتقالية نحو سلام مستدام
21 ديسمبر 2025
تُعتبر المصالحة المجتمعية أحد الأسس الرئيسية التي تُسهم في بناء مجتمعات قوية ومترابطة، فهي عملية شاملة تهدف إلى إعادة بناء العلاقات وتعزيز السلم الاجتماعي، وتشمل عدة جوانب تمتد من العدالة والتسامح إلى التعايش السلمي وتحقيق العدالة الاجتماعية. يعكس مفهوم المصالحة المجتمعية السعي نحو بناء مجتمع يسوده السلام والتفاهم، ويعمل على تقوية الروابط بين أفراده.
مفهوم المصالحة المجتمعية
المحامي علي المليجي يوضح لـ"الترا سوريا" مدلول مصطلح المصالحة المجتمعية من منظور العدالة الانتقالية بأنها عملية مجتمعية قانونية طويلة الأمد، تهدف إلى إعادة الثقة بين الأفراد والدولة عبر الاعتراف بالحقيقة وجبر الضرر والمساءلة وضمان عدم التكرار بما يحقق السلم الأهلي دون التضحية بالعدالة.
وتتميّز المصالحة في العدالة الانتقالية بأنها ليست حدثًا سياسيًا أو صفقة آنية، ولا تعني النسيان أو العفو الشامل، بل هي نتيجة لمسار عدلي ــ اجتماعي متكامل جوهرها ليس التسامح فقط، بل إعادة العقد الاجتماعي على أساس الحق والكرامة.
ويضيف المليجي أن تجارب كثيرة فشلت بسبب خلط المصالحة بـ "التجاوز عن الجرائم"، لذلك لا بد من التمييز والفصل الصارم بين المصالحة والجرائم الجسيمة حيث يجب النص صراحة على أن المصالحة لا تشمل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية والتعذيب والاختفاء القسري كما وردت معانيها في القانون الدولي الإنساني، فهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز شمولها بالعفو أو التسوية.
الهدف من المصالحة المجتمعية
يقول الباحث القانوني والمتحدث الإعلامي في الشؤون القانونية والسياسية المحامي المؤمن بالله الخبي لـ"الترا سوريا": تشكل المصالحة المجتمعية إحدى أدوات معالجة آثار النزاعات والحروب الأهلية، إذ تهدف إلى موازنة مطلب العدالة مع ضرورات المصالحة الوطنية وبناء السلام، فيبرز هذا المفهوم بوصفه مدخلًا ضروريًا لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، في المجتمعات التي تحاول إعادة بناء نفسها من جديد والانتقال من تاريخ عنيف يتسم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتُكِبَت في سياق ممارسة القمع أو في سياق نزاع مسلح أو غير ذلك من السياقات الأخرى، وتبرز تساؤلات بالغة الأهمية تتناول كيفية الاعتراف بالانتهاكات ومنع تكرارها، وتلبية مطالب العدالة واستعادة نسيج المجتمعات المحلية الاجتماعي، وبناء سلام مستدام.
ويضيف أن المصالحة المجتمعية هي عملية تفاعلية مستدامة تهدف إلى إعادة بناء العلاقات المتضررة وإرساء السلم الأهلي بعد النزاعات، من خلال الحوار، الصفح، الاعتراف المتبادل بمعاناة الماضي، وتغيير السلوكيات السلبية، مما يضمن التعايش السلمي وتجاوز أسباب الصراع الجذرية.
أهمية المصالحة المجتمعية بعد النزاع
والعدالة الانتقالية هي النظام الذي يسعى إلى بذل كل ما يلزم كي تنجح المجتمعات في التعامل مع مثل هذه الموروثات الصعبة، وتغطي العدالة الانتقالية "كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركة تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة".
وبالنظر إلى هذين المفهومين نجد أن المصالحة المجتمعية هي أحد اهداف العدالة الانتقالية حيث إن العدالة الانتقالية تهدف إلى إرساء العدل وفق الأطر القانونية السليمة ووفق توجيهات الادارة السياسية بحيث تضمن الدولة ضمان حصول جميع الأشخاص الذين تعرضوا لانتهاكات حقوق الإنسان على حقهم وفق القانون بعيداً عن منطق الثأر والانتقام العشائري، وهنا تبرز أهمية المصالحة المجتمعية:
أولًا ـ تعزيز السلم الاجتماعي: تساهم المصالحة المجتمعية في تخفيف التوترات والصراعات الاجتماعية وتعزيز السلم والاستقرار في المجتمعات.
ثانياً ـ إعادة بناء الثقة والتعاون: تعمل المصالحة على إعادة بناء الثقة بين الفرقاء المختلفين وتعزيز التعاون والتضامن الاجتماعي وجبر الضرر.
ثالثاً ـ تحقيق العدالة والمساواة: تُعد المصالحة المجتمعية وسيلة لتحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع، وتقديم الحلول العادلة للقضايا المثيرة للجدل.
رابعاً ـ تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية: بوجود بيئة اجتماعية مستقرة ومصالحة، يُمكن تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية وجذب الاستثمارات وتحسين جودة الحياة للمواطنين.
ضمان عدم الإفلات من العقاب جزء من المصالحة
يؤكد الخبي أننا أمام إشكالية حقيقية وهي الضمانة التي تؤمن عدم الإفلات من العقاب في ظل المصالحة المجتمعية وهنا يبرز عمل هيئة العدالة الانتقالية كما يبرز دور وزارتي الداخلية والعدل والمشرع السوري الذي يسن القوانين والتشريعات. والضمانة المثلى التي تؤمن عدم إفلات مجرمي الحرب ومرتكبي المجازر هو سن قانون خاص يعنى بالعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان ويندمج مع قانون العقوبات السوري، ويتوجب أن ينص على كافة جرائم الحرب التي قد ارتكبت في الجمهورية العربية السورية من قبل سفاحي النظام البائد والذين يحاولون الآن الإفلات من العقاب بطريقة أو بأخرى.
آليات ضمان نجاح المصالحة المجتمعية
وحول الآليات القانونية لضمان نجاح الحوار والمصالحة المجتمعية، يوضح الخبي أن أهم بند يتمحور حول إرساء إطار دستوري وقانوني ملزم للعدالة الانتقالية، موضحًا أن هذه الآليات يجب أن تشمل لجان الحقيقة، والقوانين العرفية والوساطة، بالإضافة إلى توفير ضمانات دولية لتنفيذ المخرجات وتحويلها لقوانين، وتفعيل آليات قانونية مثل لجان الحقيقة والإنصاف لتوثيق الانتهاكات والاعتراف بها، مما يسهم في تحقيق السلم الأهلي، والإصلاح القانوني والمؤسساتي، الذي يشمل إصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية لضمان استقلاليتها ونزاهتها، وإعادة هيكلتها لتجنب تكرار الانتهاكات.
ويشمل أيضا جبر ضرر الضحايا عبر وضع قوانين واضحة للتعويض المادي والمعنوي لضحايا النزاعات، مما يعزز الثقة في عملية المصالحة، كما يعزز ثقة المواطن بدولته ويعزز انتمائه لها، وضمانات التمثيل والمشاركة من خلال وضع معايير قانونية موضوعية للتمثيل الوطني في الحوار، لضمان شرعية ومصداقية النتائج وتمثيل كافة شرائح المجتمع وكافة الأعراق والطوائف والمكونات التي تمثل النسيج المجتمعي.
المصالحة المجتمعية إرث تاريخي
في سياق متصل، تقول المديرة التنفيذية لمنظمة عمران، الناشطة في مجال حقوق الإنسان، منال السيد لـ"الترا سوريا" إن المصالحات المجتمعية أمر قديم في مجتمعاتنا العربية؛ لذلك الأمر مطروق في المجتمع السوري ومرتبط بعاداتنا وتقاليدنا، فبمجرد عقد مجلس الصلح تبدأ الاعتذارات من طرف للطرف الثاني ثم التنازلات المتعلقة بالشيم العربية من مهادنة ومسامحة، وغالبًا ما تنتهي هذه المجالس بوليمة، هذا عندما تتعلق المشكلة بحقوق مالية أو معنوية صغيرة ومتوسطة، أما عندما تتعلق المجالس بالدماء يكون لها معالجة أخرى أكثر شمولية.
وتضيف السيد أن مجالس الصلح غالبًا ما تنتهي بالاعتذار وقبوله من الطرف الآخر والتعهد بعد تكرار الانتهاكات، ولكن لايوجد ضمانة إلا إذا ترافقت هذه المرحلة بحملات توعية مجتمعية عن أضرار هذه الانتهاكات وما يمكن تجر إليه من كوارث مادية ومعنوية.
التحديات التي تواجه المصالحة المجتمعية في سوريا اليوم
وتؤكد أن أهم العقبات والتحديات التي تواجه المصالحة المجتمعية في سوريا اليوم، تتمثل في كثرة الانتهاكات واستمرار بعضها حتى الآن، الأمر الذي يشكل أكبر تحدٍ لعقد مجالس الصلح، إضافة إلى الشحن الإعلامي وخاصة على السوشال ميديا، وذلك لوجود أطراف داخل وخارج سوريا لا تريد استقرار الحياة والمجتمع في سوريا، لافتة إلى أن تأخر البدء بعقد مجالس الصلح يوسع الفجوة وخاصة أننا وصلنا لسنة بعد التحرير ولم نجد تنفيذ أي حكم بالمجرمين المقبوض عليهم، في حين أن تنفيذ الأحكام يبرد ثورة بركان الغضب في المجتمع المكلوم.
الكلمات المفتاحية

إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية
أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية

لماذا رفضت رابطة الصحفيين السوريين "مدونة السلوك" الصادرة عن وزارة الإعلام؟
أصدرت رابطة الصحفيين السوريين، بيانا ترفض من خلاله، مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، مؤكدة بطلان الوصاية الحكومية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا
الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


