ultracheck
قول

المُصاب السوري: "القابلية للتوحش"

7 يونيو 2026
mjzrt-altdamn.jpg
لقطة علوية لموقع المجزرة في حي التضامن (الأناضول/الترا سوريا)
فيصل علوش
فيصل علوش صحافي سوري

إذا جاز لنا أن نستعير مفهوم "القابلية للاستعمار"، الذي استخدمه المفكر الجزائري مالك بن نبي في ستينيات القرن الماضي، في محاولته فهم وتفسير أسباب انسداد وتعثر النهضة في العالم الإسلامي، ودور المجتمع نفسه في إنتاج أزماته، وجعل فرص السيطرة الخارجية ممكنة، لأمكننا الحديث عن مفهوم "القابلية للتوحش"، المتراكب مع القابلية العالية للتجييش والاستقطاب الطائفي والقبلي، الذي تعاني منه بعض بلدان العالم العربي، ومنها بلدنا سوريا.

وإذا كان مفهوم "القابلية للاستعمار" يتصل بمجموع الاستعدادات النفسية والاجتماعية التي يمكن أن توفرها بنية اجتماعية مفككة، وتجعلها عاجزة عن النهوض والتنمية والدخول في التاريخ، والشعور، تاليًا، بالدونية والنقص أمام الغرب المتطور تكنولوجيا وعلميًا وعسكريًا، مما يمهد للغزو والاحتلال، فإن مفهوم "القابلية للتوحش" يرتبط كذلك بمجموع الشروط السياسية والثقافية والاستعدادات النفسية والاجتماعية التي توفرها جماعات بشرية شبه منغلقة، (لم ترقَ بعد إلى مستوى المجتمع الحديث، بعلاقاته الاجتماعية الطبيعية والسليمة)، وما انفكت قابليتها للتجييش والدخول في صراعات دموية (وإبادية) بين مكوناتها الطائفية والأثنية والعرقية هي الأعلى.

أسوق هذا الكلام على خلفية الجرائم المروعة الكثيرة التي ارتكبها الحكم الأسدي، وهي جرائم بات جلّها مكشوفًا ومعروفًا، وكفيلًا بهز ضمير ووجدان أي انسان سوي وعاقل. فأيّ توحش هذا الذي جعل جريمة قتل أطفال الدكتورة رانيا العباسي الأبرياء ممكنة وقابلة للوقوع أصلًا؟ وكم ينطوي القيام بهذا العمل على بشاعة وفظاعة وجبن وخسّة ووضاعة يندى لها جبين السوريين والبشرية جمعاء؟

ومن البديهي أن هذه الجرائم لا يتحمل مسؤوليتها منفذوها فحسب، بل ترتبط في الدرجة الأولى بطبيعة النظام السياسي، ومنظومة الحكم الأمنية والأيديولوجية والثقافية القائمة على ثقافة التخوين والإرهاب، وبث الخوف والرعب من الآخر، والحض على الكراهية والانتقام، والتي حوّلت في نهاية المطاف بعض البشر، وبعض مؤسسات الدولة، إلى مجرد أدوات لإنتاج العنف والقتل والإبادة، وجعلت الوحشية قابلة للوجود والتنامي في سوريا على هذا النحو الكريه والبغيض، كلّ ذلك في سبيل الحفاظ على كرسي السلطة، وسيطرة الطغمة الحاكمة على ثروات البلد وموارده.

وعلى ذلك، فإن العدالة المطلوبة في سوريا ينبغي أن لا تقتصر على معاقبة القتلة والمسؤولين فقط، إنما عليها أن تطال الخلفيات والبنى السياسية والفكرية والثقافية والأخلاقية التي تمخضت عنها تلك الوحشية، وأعادت انتاجها وجعلتها قابلة للوجود والديمومة والتبرير من دون القدرة على مساءلتها ووضع حد لها. فالمصاب السوري لا يكمن في الأشخاص الذين مارسوا الوحشية فقط، إنما يكمن أساسًا في البنى التي أنجبت، أو صنعت هؤلاء الأشخاص، سواء عبر الأفكار والقناعات التي تعتقد أنها تمثل الحقيقة المطلقة التي لا يشوبها الباطل أبدًا، أو تلك التي تغذي الخوف من الآخر، أو تبرر إلغاءه وإقصاءه، أو التي تحط من شأن الإنسان، بوصفه قيمة عليا، لصالح "القضايا والسرديات الكبرى المجردة" التي تصبح أهم من الإنسان ومن الحفاظ على حياته وحريته.

توريث الوحشية

وفي الصراعات الدموية التي عاشتها سوريا خلال أكثر من نصف قرن، ارتكبت الكثير من المجازر والممارسات الوحشية؛ سواءً باسم السياسة أو باسم الدين، منذ مجزرة المدفعية في صيف العام 1979، مرورًا بكل الانتهاكات والمجازر التي ارتكبها الحكم الأسدي، وصولًا إلى المجازر الأخيرة التي حدثت في الساحل والسويداء. ونحن نقف الآن على عتبة مرحلة تاريخية فاصلة؛ هل نعمل على تحويل تلك الوحشية إلى "حدث نادر واستثنائي" في تاريخ البلاد، على نحو يمكن أن يعيد السوريين إلى جادة الصواب، ويجعلهم يخجلون من تكرارها في المستقبل؟ أم أننا سنستمر في توريث الأحقاد والضغائن وسياسة الانتقام، وإبقاء الجرح السوري مفتوحًا؟

للأسف، فإن ردود الفعل المسجلة على وسائل التواصل الاجتماعي لا تبعث على التفاؤل، إذ تكشف أنّ قسمًا من السوريين على الأقل، يتعاملون مع القضية ضمن رؤية تحصر الموضوع في هوية المرتكب وهوية الضحايا، ليجري من ثم تبادل الاتهامات والوصم الأخلاقي، وليس رفض الجريمة من أصلها.

وهكذا، وعلى الرغم من الخطأ الفادح الذي ينطوي عليه التعميم، وتحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد ينتمون إليها، (وكأن الإجرام يتأتى من جين وراثي يتم تناقله وفقًا للانتماء الطائفي)، وتجاهل المبدأ الشرعي الذي يقول بأن المسؤولية فردية، وبأنه لا يجوز تحميل مكون اجتماعي بأكمله وزر أفعال أفراد ينتمون إليه، فإننا لا نلبث نسمع خطابًا ينزع إلى التعميم ويلقي بالمسؤولية على عاتق طائفة بأكملها ويجيّش ضدها ويدعو إلى مقاطعتها.

وهكذا تتحوّل الجماعات إلى بنى اجتماعية مغلقة، أشبه بجزر متقابلة، تُعيد تشكيل الإنسان داخلها وفق ذهنية الخوف والارتياب من الآخر، وعلى نحو يتحول فيه إلى مجرد فرد، أو رقم، ضمن "قطيع" محكوم بانتمائه الطائفي أو القبلي الضيق لا أكثر. وفي ظل وضع كهذا، يتحدد الفعل والموقف منه وفقًا للجهة التي يصدر عنها، فإذا صدر عن "جماعتنا" يصبح مقبولًا ومبررًا، حتى لو كان جائرًا وظالمًا، أما حين يصدر عن "الآخر"، فإنه يغدو موضع شكّ وريبة مهما كان عادلًا ونزيهًا!

ومن النافل أن نشير هنا إلى ما تنطوي عليه هذه الرؤية وهذا التصنيف من تهديد للسلم الأهلي، جراء ما يشكلانه من دعوة؛ صريحة أو مبطنة، إلى استمرار الصراع الدموي ومواصلة توريث الكراهية والعنف. ولذلك فإن التحرّر من العقلية الطائفية والقبلية والعشائرية يحتاج إلى تبني برنامج واضح يعمل على تفكيك التعصّب وتجاوز الانتماءات ما دون الوطنية. برنامج يندرج ضمن إطار السعي والعمل من أجل بناء دولة وطنية حديثة، ترسّخ الشعور بالمواطنة المتساوية التي لا تفرق بين أفرادها ومكوناتها؛ دولة القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، والتخلص من شروط التهميش والفقر والتمييز، وليس الدولة الملغومة بالفصائل والجماعات المنغلقة التي تخاف من بعضها، ويغني كلٌّ منها على ليلاه!

المجتمعات الحيّة لا تقوم على ثقافة الثأر والانتقام، إنما هي تلك التي تمتلك شجاعة النقد والمساءلة والسعي نحو العدالة والحقيقة والمصالحة وتجاوز خلافات الماضي وتوريث الأحقاد، وإعادة بناء الثقة بين أبنائها، وليس استخدامهم في صراعات دموية ووحشية لا تنتهي.

الكلمات المفتاحية

قاعة مجلس الشعب السوري وسط العاصمة دمشق

معارضة غائبة وسلطة حاضرة

ليست السلطة وحدها من يصنع المستقبل، بل خصومها أيضًا. وإذا كان خصومها بهذا القدر من التشتت، فلا غرابة أن يطول عمرها


كتاب قديم

"أكاديميو السلطان".. عن العنقاء والمستبد العادل

كثر هم "الأساتذة" الذي باتوا يشبهون "شيوخ السلطان"، ينهلون من الكتب والمراجع أفكارًا وعبارات يلبسونها الثوب المناسب لتغدو منسجمة مع مقتضيات المصلحة، مصلحة أولي الأمر بالتأكيد


لقطة من الجلسة الأولى لمجلس الشعب

مجلس الشعب.. بين ثقل الظل وخفة الفعل السياسي

القضية في أن يعود البرلمان إلى لعب دور العرض المسرحي بدل ممارسة المساءلة والرقابة


أبراج سوريا

لماذا تريد سوريا أبراجًا؟ في الدوافع السياسية والنفسية لبناء الأبراج

ما بين برج ترامب، وبرج الجوهرة، والأبراج الحكومية والاستثمارية، تتحول دمشق إلى ساحة تنافس على من يغرس مسلّة نصره أولًا في أفق المدينة

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية
أخبار

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تدين استهداف السفن التجارية بالبحر الأسود وتطالب بتحقيق دولي

أدانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، في بيان لها اليوم الإثنين، بأشد العبارات تكرار الهجمات التي استهدفت سفنًا بحرية تجارية تضم على متنها بحارة وطواقم سورية

شيفرون
أخبار

تقرير: شركة "شيفرون" تدرس إعادة تشغيل خط نفط يربط العراق بالساحل السوري

تدرس شركة النفط الأميركية العملاقة "شيفرون" إمكانية إعادة تأهيل خط أنابيب نفطي قديم يمتد من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس على الساحل السوري


حمص الفداء أهلي حلب
منوعات

بعد أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب.. كيف برر اتحاد السلة عقوباته؟

لم تكن أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب ضمن سلسلة مباريات "فانيال 4" في دوري سلة المحترفين مجرد لحظة عابرة في ذاكرة المنافسات الرياضية

طقس سوريا
أخبار

ارتفاع جديد في درجات الحرارة.. ماذا ينتظر السوريين هذا الأسبوع؟

تشهد سوريا خلال الأيام المقبلة موجة طقس صيفية حارة تبلغ ذروتها يومي الثلاثاء والأربعاء، قبل أن تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض اعتبارًا من الخميس

الأكثر قراءة

1
أخبار

ارتفاع مؤقت للحرارة.. كيف سيكون طقس سوريا خلال الأيام المقبلة؟


2
سياسة

سوريا والتحولات الأميركية.. مكاسب الشراكة وكلفة التفويض


3
أخبار

انتهاء عمليات البحث في حادثة عبّارة دير الزور والحصيلة ثمانية ضحايا


4
قول

معارضة غائبة وسلطة حاضرة


5
أخبار

بعد العثور على جثمانها.. الأمن الداخلي يوقف مشتبهين في قضية وفاة الطفلة فرح الحمود


advert