"النباشة" في دمشق: أطفال بلا طفولة واقتصاد خفيّ خارج القانون
8 أغسطس 2025
لم تشفع لها سنواتها السبع، ولا يداها الصغيرتان، لحمايتها من حرِّ الصيف ولا برد الشتاء، "فلقمة العيش" في بلدٍ عانى ما عاناه من حربٍ ونزاعات، أكبر من أن تتركها تعيش طفولتها. هدى، طفلتنا هنا، تتحدث عن عملها في جمع القمامة من الحاويات المنتشرة في العاصمة دمشق، مثل غيرها من المحافظات. فهذه الحاويات تشكّل مصدر رزق لهدى القادمة من دير الزور، بعد أن أرخت الحرب بظلالها الثقيلة على عائلتها، وما في جعبتها إلا السعي لتأمين "لقمة العيش"، حيث تعمل هدى مع أختها الكبرى ذات التسع سنوات، وأخوهما البالغ من العمر 13 عامًا. تقول هدى: "تجمع وشقيقتها البلاستيك والورق المقوى، في حين يجمع الأخ التنك والزجاج، ويحاولون الخروج معًا، ليكونوا عونًا لبعضهم، فوجود الأخ بقربهم يعطيهن شعورًا بالأمان".
نبش القمامة أفضل من التسول
وفي مكانٍ آخر من أزقة العاصمة المتوارية في ثنايا التاريخ، كان أحمد (14 عامًا) وصديقه وائل (16 عامًا) متكئَين على أحد الجدران، مثل استراحة محارب. وعند سؤالهما عمّا يفعلان، أوضح وائل بأنه رجل البيت الذي يعيل أسرته، فهو الأكبر بين إخوته. لم تسمح له الظروف بالتعلُّم، فكان جمع القمامة مصدر رزقه.
وعن سؤاله من يساعده، أجاب بعنفوان شبابه: "لن أترك أحدًا من إخوتي الاثنين، والأصغر يساعدني، فأنا المسؤول عنهما، أنا رجل البيت". البيت الذي فقد الأب، حيث طحنت الحرب في سوريا آماله في أسرة متكاملة، فسرقه الموت، وهجّرت الأيام باقي الأسرة من دير الزور، ليحط رحاله في دمشق.
بينما أحمد، الذي لم نعرف من أين أتى، أكد أنه يعمل بعرق جبينه مع أخوته "فجمع القمامة أفضل بكثير من التسول، ومد اليد "للناس".
كيس القمامة لم يرحم ظهره الصغير
في الجولة الصباحية الباكرة لموقع "الترا سوريا" للمتابعة والحديث الميداني مع الأطفال العاملين في نبش القمامة في مكانٍ آخر من العاصمة، وعند أحد محلات بيع المواد الغذائية، كان "شاهر"، وهو اسم مستعار لصاحب محل لم يرغب بذكر اسمه، رأيناه يجمع أمام محله بعض الكرتون من مخلفات بضاعته، يجمعها لطفل صغير أثقل ظهره الكيس الذي يجمع فيه "رزقه".
وعند سؤاله عمّا يفعل، أوضح شاهر أنه يجمع المواد لهذا الطفل، الذي يأتي في ساعات الصباح، ولم ترحم الأيام سنوات عمره القليلة. لكن ابتسامته لهذه الغنيمة التي يجدها على باب هذا المحل، تشكّل لشاهر فرحة كبيرة لمساعدته
من الرزقة يومية إلى رسوم دخول المكب
وعن المردود المادي، تحدث الأطفال أنه قد يصل إلى 25 ألف ليرة "حسب الرزقة"، وحسب المواد، فسعر البلاستيك يختلف عن سعر الكرتون عن سعر الزجاج، ويتراوح بين 500 إلى 5000 ليرة للكيلو الواحد، وهو يختلف من يوم لآخر، بحسب وصف الأطفال.
والحديث مع "النباشة" في الشارع يختلف عن الحديث مع من يقصدون مكب باب شرقي، المعروف بـ"مكب الإدعشري"، حيث التقى "الترا سوريا" بعدد منهم في المكب، أطفال وشباب ونساء، بأعمار مختلفة.
بدأ الموجودون الحديث عن المبالغ المالية التي كانوا يدفعونها للسماح لهم بالدخول إلى هذا المكب، والتي وصلت إلى 100 ألف ليرة يوميًا، كانت مفروضة عليهم، قبل تاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي. يُخصَّص منها خمسة آلاف للمراقب المرتبط بالمحافظة سابقًا، وخمسة آلاف أخرى لمستثمر المكب، في حين لم نعرف لمن تذهب الـ90 ألف المتبقية، علمًا أن عدد العاملين من أطفال وكبار يصل إلى 100 شخص.
استثمارات القمامة بالمليارات
وعن بدل استثمار المكب المُستثمر من شركة إعادة تدوير، فإنه يصل إلى مليارات كي يناسب تضخم العملة. وعما يجنيه "النباشة" من مردود في المكب، تحفظوا عن ذكر المبلغ بالتحديد، لكنه يزيد عن الـ100 ألف سابقة الذكر. في حين تم الحديث عن مليارات تُجنى من هذا المكب، سواء من فرز القمامة أو من إعادة تدوير بعض المواد، أو من استثمارات أخرى، تديرها مجموعة في المكب، بحسب كلام من التقينا بهم من "النباشة"، الذين غمزوا لمجموعة في الظل تدير المكب.
الشؤون تتنصل وترمي الكرة في ملعب المحافظة
وعند التواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، الجهة المسؤولة عن عمالة الأطفال، كانت الإجابة من المكتب الصحفي بأنه لا بد من توجيه سؤال موضوع "النباشة" للمحافظة، لأن الوزارة: "معنية بموضوع التسول لوجود مدير للعمل، بينما "النباشة" تعمل مجموعات أو أفراد دون تنظيم". وبحسب مدير المكتب الصحفي في الوزارة، هم معنيون بعمالة الأطفال وفق القانون رقم /17/.
وكان جواب وزارة الشؤون عن سؤال: هل هناك ربّ عمل لمهنة "النباشة"؟ فالأطفال هنا يُقيَّمون كمتسولين، أقرب منهم إلى عمالة أطفال، إلا في حال تم وضعهم في مراكز أحداث أو رعاية المتسولين، واعترفوا بتشغيلهم من قبل أشخاص.
لم نحصل على جواب الوزارة، إنما أحالت تساؤلنا إلى محافظة دمشق، وبحسب مدير المكتب الصحفي في الوزارة، فإن المحافظة هي المسؤولة، وفقًا لقانون النظافة رقم /49/، لذا لابد من متابعة الموضوع مع وزارة الإدارة المحلية.
لا ذكر لـ"النباشة" في القانون رقم /17/
في البحث في القانون رقم /17/ لتنظيم علاقات العمل بين العمال وأصحاب العمل في سوريا الصادر عام 2010، مع التركيز على حماية حقوق العمال وضمان شروط عمل عادلة، بحسب نصيحة الشؤون الاجتماعية، نجد أن الفقرة (أ) من الباب الأول المادة (5) منه تنص على أنه: لا تسري أحكام هذا القانون على:
- العاملين الخاضعين لأحكام القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم /50/ لعام 2004 وتعديلاته.
- العاملين الخاضعين لأحكام قانون تنظيم العلاقات الزراعية.
- أفراد أسرة صاحب العمل الذين يعولهم فعلا.
- عمال الخدمة المنزلية ومن في حكمهم.
- العاملين في الجمعيات والمؤسسات الخيرية.
- العاملين في أعمال عرضية.
- العاملين في عمل جزئي الذين لا تتجاوز ساعات عملهم في اليوم الواحد أكثر من ساعتين.
هنا لم نجد ذكر لموضوع "النباشة"، لكون هذا العمل لم يكون موجودًا حينها، أم أنهم مدرجون ضمن فئة " العاملين في أعمال عرضية".
كذلك لا نجد ذكر لـ"النباشة" ضمن الفصل الثاني من القانون نفسه الخاص "بتشغيل الأحداث"، حيثُ حدد المادة /113/ سن الحدث المسموح له بالعمل، وألية عمله من الأجر وساعات العمل والحقوق، وفي المادة /114/، جاء في الفقرة (ج): "بصفة عامة لا يسري على عمل الأحداث الاستثناءات الواردة في الفصل الأول من هذا الباب".
محافظة دمشق لا تجيب
الجواب المقتضب من وزارة الشؤون لم نحصل على ربع منه من محافظة دمشق، حيث لم يجب المكتب الصحفي عن الاستفسار.
وعدنا هنا إلى نصيحة الوزارة، وبحثنا في قانون النظافة رقم /49/. تقول المادة (6): "يحظر تحت طائلة المسـؤولية وفرض العقوبة المنصوص عليها في الفصل السابع من هذا القانون ما يلي: نبش النفايات في الحاويات وسلال المهملات وأماكن تجمعها".
كما جاء في المادة (54): "يمنع استعمال المواد القابلة للتدوير في صناعة مغلفات أو معلبات حفظ المواد الغذائية أو الصيدلانية أو الاستخدامات الضارة بالصحة العامة وتصادر هذه المواد وتتلف على نفقة المخالف وتطبـق بحقه أحكام المادة /٤١/ من هذا القانون".
وفي النهاية تبقى "القمامة.. اقتصاد خفي يُدار بأيد صغيرة" دون أي حقوق.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


