النشيد الوطني وإعادة بناء الهوية السورية الجامعة
1 يناير 2026
يمثل "النشيد الوطني" أحد أهم الرموز قدرة على اختزال معاني الدولة والهوية والانتماء. وفي الدول الخارجة من النزاعات، تتحول هذه الرموز من مسلمات وثوابت إلى مساحات من التساؤل حول ما إذا كانت هذه الرموز لا تزال تعبر عن الجميع أم أنها ترتبط بمرحلة سياسية وتجارب مؤلمة لا يمكن تجاوزها.
ويتصدر الجدل حول النشيد الوطني الحالة السورية، بوصفه جزءًا لا يتجزأ من العدالة الرمزية وإعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة وترميم العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات من العنف ومفرزاته.
النشيد الوطني في المراحل الانتقالية
يقول المحامي ميشيل شماس لـ"الترا سوريا" إن النشيد الوطني هو رمز سيادي يحمل قيمة دستورية غير مباشرة؛ لأنه يرتبط بالهوية الوطنية وتمثيل الدولة.
أما عن معاملته قانونيًا فيؤكد شماس أن النشيد الوطني يُعامل في مستوى العَلَم والشعار، ولكن ليس بالضرورة أن يرد نصه في الدستور، وإنما الدستور يحيل أمر تنظيمه تأليفًا ولحنًا إلى القانون، والقانون يحتاج إلى هيئة تشريعية مخولة بسن الشريعات، مضيفًا أن تعديل النشيد أوتغييره في الظروف العادية يتم من قبل البرلمان بقانون، وحاليًا كوننا في مرحلة انتقالية، ولا توجد حتى الآن جهة مخولة بسن تشريعات وإصدار قوانين، فيجب انتظار تشكيل المجلس التشريعي صاحب الصلاحية في سن التشريعات لتغيير النشيد وإقراره.
وفي حال تم تأليف النشيد وإقراره قبل تشكيل المجلس التشريعي، فسيكون معرضًا للطعن به لاحقًا من قبل المجلس التشريعي، وسيكرس الانقسام بين السوريين؛ لأن النشيد يجب أن يكون معبرًا عن هوية السوريين جميعًا بمختلف مكوناتهم.
المواصفات الثقافية للنشيد الوطني
الكاتب والمؤلف رامي عبد الحق يوضح لـ"الترا سوريا" أن النشيد الوطني السوري القديم، "حماة الديار"، أصبح يشكل لنا ذاكرة قاتمة، فحين نسمعه يتراءى لمخيلتنا فورًا مشهد الجيش السوري الذي كان من المفترض أن يحمي السوريين، وكيف تحول لأداة قمعية ومصدر خوف ورعب للسوريين، وارتباط النشيد الوطني بهذا الجيش، أفقده شرعيته وبات شكلًا من أشكال الذاكرة القسرية.
وتتمثل المواصفات الثقافية التي يجب توفرها في النشيد الوطني لسوريا، الحاضر والمستقبل، في ملامسته للثورة السورية وانتصارها، ليصبح مصدر فخر وتوثيق للحظة التاريخية، التي نقلت الشعب السوري من عصر الديكتاتورية والاستبداد والقمع إلى سوريا التي نأمل أن تحمل مستقبلًا مشرقا لكافة السوريين على اختلافهم، وأن يختزل في طياته تضحيات الشهداء الذين مهدوا لهذا الانتصار على المجرم والطاغية، ويحمل هذا النصر للأجيال القادمة.
النشيد الوطني يُبنى على الهوية الجامعة
ويجب أن يعزز النشيد الوطني الهوية الوطنية الجامعة، والتي تتمثل فعليًا بمنح المواطن السوري وعيًا شاملًا بواجباته وحقوقه تحت سقف الدولة والقانون، وحفاظه على مسار الحرية الذي تم انتزاعه بالقوة من حكم الطاغية وحزبه الذي نال من كرامة الشعب السوري وعبث بمقدراته على مدى نصف قرن، وضمان عدم التحول إلى مستبد جديد أو القبول بحكم مستبد آخر، ما يجعل النشيد الوطني مكملًا لهذه الحالة الصحية وأحد أهم مفرزاتها.
ويشير عبد الحق إلى أن النص لا يمكن أن يعيش خارج السياق الذي كتب فيه، وذلك ينطبق حرفيًا على النشيد الوطني في كل أنحاء العالم، حيث إنه يصنع دومًا من الأمجاد والبطولات التي قدمت بلحظة تاريخية ما كشكل من أشكال توثيق هذه اللحظة وجعلها قاعدة لبناء مستقبل هذه الدول، موضحًا أن النشيد الوطني السوري يجب أن ينبثق من لحظة سقوط الطاغية وانتصار الثورة السورية وتكريس مبادئ الحق والعدالة والكرامة التي نادت بها، فهو وليد هذه الحالة.
ويرى عبد الحق أن النشيد السوري لسوريا اليوم والمستقبل يجب أن يكتب ويصاغ بأياد من الداخل السوري، ويجب أن يكون مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بسياق الثورة السورية وانتصارها على نظام الإجرام والاستبداد.
وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أوضحت في تقرير لها أن الدراسات الخاصة بالتحولات السياسية تؤكد أن الرموز الوطنية لا تكتسب شرعيتها من قوة القرار أو سرعة اعتماده، وأنما من انبثاقها داخل أطر شاملة وتشاركية لا من خيارات متعجلة، حيث اعتمدت أنجح عمليات اعتماد الأناشيد الوطنية في السياقات الانتقالية لجانًا متعددة الاختصاصات تمثل قطاعات متنوعة من المجتمع، عوضًا عن الهيئات الحكومية أو المسابقات التي تدار من قبل الوزارات، إذ غالبًا ما ينظر لهذه العمليات بوصفها مركزية وإقصائية، الأمر الذي ينفي ملكية الجمهور للرمز الناتج.
ووفقًا للتقرير، فإن شرعية النشيد الوطني في السياقات الانتقالية، تفترض مشاركة متعددة المستويات تبنى على عدة مراحل، بداية بالتشارو العام واسع النطاق، عبر حملات توعية مدنية تشرح الدور الدستوري للنشيد ومعايير اختياره، مرورًا بمشاورات إقليمية لجمع التصورات حول القيم الجامعة وإشراك المجتمع المدني والهيئات الثقافية، وصولًا لمرحلة طرح مسابقة تدار بشفافية ومعايير تقييم معلنة تركز على الجدارة الفنية والشمولية وتراعي سهولة الأداء والملاءمة الرمزية، ومن ثم مرحلة التقييم من خبراء تشمل الفحص الفني ومراجعة المضمون وإعلان النتيجة ومبررات الاختيار، وبعد ذلك تخضع النصوص المنافسة لاختبارات تجريبية في الفضاءات العامة لضمان تحقيق الشروط والمعايير، ثم تثبيت الشرعية للنشيد عبر نقاشات البرلمان لحمايته من الطعن السياسي لاحقًا، وضمان عدم تحوله للتنازع السياسي وتكريس الانقسام.
يبقى النشيد الوطني مرآة لعلاقة الدولة بمواطنيها، واختبارًا لقدرتها على تمثيلهم جميعًا دون إقصاء، وفي السياقات الانتقالية، لا تكون الأسئلة حول الرموز ترفًا ثقافيًا، بل جزءًا من مسار أوسع يسعى إلى الاعتراف بالأذى، واستعادة الثقة، وبناء معنى جديد للمشترك الوطني، وإنتاج رمز وطني واعد يعد بدولة تحترم مواطنيها، وتمنحهم شعورًا بأن هذا الوطن لهم جميعًا.
الكلمات المفتاحية

إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية
أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية

لماذا رفضت رابطة الصحفيين السوريين "مدونة السلوك" الصادرة عن وزارة الإعلام؟
أصدرت رابطة الصحفيين السوريين، بيانا ترفض من خلاله، مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، مؤكدة بطلان الوصاية الحكومية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا
الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


