ultracheck
مجتمع واقتصاد

النفايات في إدلب.. مورد عيش محفوف بمخاطر صحية

15 فبراير 2026
نفايات إدلب
دفع الفقر وغياب فرص العمل عشرات الأشخاص إلى العمل في قطاع النفايات (الترا سوريا)
هدى الكليب
هدى الكليب كاتبة صحافية من سوريا

لى أطراف المدن والبلدات في إدلب، وفي مكبات عشوائية تفوح منها روائح خانقة، يعمل رجال ونساء، وأحيانًا أطفال، في نبش أكوام النفايات بحثًا عما يمكن بيعه، بلا قفازات أو أقنعة، وتحت شمس الصيف وبرد الشتاء. تحولت النفايات إلى مصدر الرزق الوحيد لكثيرين أنهكتهم سنوات النزوح والفقر. غير أن هذا "الرزق" يحمل في طياته مخاطر صحية وبيئية جسيمة، في ظل غياب التنظيم والدعم، وتراجع الحلول التي توازن بين الحاجة الاقتصادية وحماية الإنسان والبيئة.

بين الحاجة اليومية ومعايير السلامة

دفع الفقر وغياب فرص العمل عشراتِ الأشخاص إلى هذا القطاع غير المنظم، حيث تتحكم الحاجة اليومية بقواعد العمل، لا القوانين ولا معايير السلامة. يقول محمد العلي، نازح في الأربعين من عمره من ريف إدلب الغربي، إن عمله في جمع النفايات بدأ قبل نحو ثلاث سنوات بعد انعدام فرص العمل الأخرى، وهو يخرج يوميًا مع الساعات الأولى من الفجر إلى مكب قريب من المنطقة التي يقيم فيها، ولا يعود إلا قبيل الغروب.

وأضاف العلي لموقع "الترا سوريا" أنه يقضي ساعات طويلة في البحث بين أكوام القمامة عن البلاستيك والمعادن القابلة للبيع، وفي كثير من الأحيان يصادف بقايا طعام فاسدة أو مخلفات طبية خطرة، وهو ما يعرضه لمخاطر صحية مستمرة يدركها جيدًا، لكنه مضطر لتحملها في ظل غياب أي بديل يؤمن لقمة العيش لأطفاله.

ويشير العلي إلى أن هذا العمل الشاق لا يوفر دخلًا ثابتًا، إذ لا يتجاوز ما يجنيه يوميًا بضعة دولارات، ويتغير المبلغ تبعًا للكمية التي يتمكن من جمعها وأسعار التجار التي تخضع للمزاج وتقلبات السوق، دون وجود أي ضمان أو استقرار مالي. ويؤكد أن غياب وسائل الحماية يزيد من قسوة العمل، لكنه رغم ذلك يواصل الخروج يوميًا إلى المكب، معتبرًا أن هذا "الرزق القاسي" بات الخيار الوحيد المتاح لإعالة أسرته في واقع اقتصادي خانق.

قصص صامتة غير موثقة

أما خديجة الحسن، أرملة في منتصف الثلاثينيات من ريف إدلب الشمالي، فتقول إنها اضطرت للعمل في جمع النفايات بعد وفاة زوجها بقصف سابق لقوات النظام، لتأمين احتياجات أطفالها الثلاثة، مشيرة إلى أن هذا العمل يتم في ظروف قاسية.

وأضافت الحسن لـ"الترا سوريا": "لا أحد يسأل عنا أو عن صحتنا، نعمل بلا قفازات أو كمامات، ولا يوجد مكان مخصص وآمن للفرز، كل شيء عشوائي، وكل يوم نحمل الخطر بأيدينا، المرأة هنا ليست مهددة بالمرض فقط، بل بالتعرض للتحرش أو التنمر والاستغلال أيضًا". وتابعت: "نتحمل أذى الكلام والخوف الدائم، إضافة إلى المخاطر الصحية نفسها التي يواجهها الرجال".

وتتحدث الحسن عن حادثة صحية خطيرة تعرضت لها أثناء عملها في جمع النفايات، مؤكدة أن المخاطر لا تقتصر على التعب أو الروائح، بل قد تتحول في لحظة إلى تهديد مباشر للحياة. تقول: "قبل عدة أشهر، وخلال فرزي للنفايات، جرحت يدي بإبرة طبية كانت مرمية بين القمامة، لم أكن أرتدي قفازات، والجرح كان عميقًا ونزف كثيرًا، خفت جدًا، لأننا نعرف أن الإبر قد تنقل أمراضًا خطيرة، بقيت أيامًا لا أنام من الخوف، ولم أستطع مراجعة طبيب مختص بسبب عدم قدرتي على تحمل التكاليف".

ولفتت إلى أنها "اضطررت لتنظيف الجرح بوسائل بدائية في المنزل. بقيت أعاني من التهاب وألم في يدي لأيام، ومع ذلك عدت إلى العمل لأنني إن توقفت يومًا واحدًا لا أستطيع إطعام أطفالي". تقول الحسن إن الحادثة خلّفت أثرًا نفسيًا كبيرًا عليها، وتضيف: "منذ ذلك اليوم وأنا أعمل بخوف مضاعف، كل كيس قمامة قد يحمل مرضًا، لكن لا أحد يوفر لنا أدوات حماية أو حتى توعية صحية".

وأوضحت أن الحوادث الصحية المتكررة بين العاملين في النفايات، لا سيما النساء، تبقى "قصصًا صامتة غير موثقة"، رغم خطورتها، في ظل غياب أي نظام يحميهم صحيًا أو يضمن علاجهم، مشيرةً إلى أن استمرار هذا الواقع دون حلول أو بدائل يزيد من هشاشة النساء المعيلات، ويجعل العمل في النفايات خيارًا قاسيًا لكنه مفروض في ظل غياب أي مصدر دخل آخر.

تحذيرات صحية من تفشي الأمراض

لا يهدد العمل في النفايات العاملين فقط، بل يمتد أثره إلى الصحة العامة والبيئة المحيطة، مع تزايد الأمراض والتلوث. يوضح الدكتور سامي العبدالله، وهو طبيب عام في أحد المراكز الصحية بإدلب، أن العيادات تستقبل بشكل متكرر عمال نفايات يعانون من أمراض جلدية وتنفسية.

وأضاف لـ"الترا سوريا": "نرى حالات التهابات جلدية مزمنة، إصابات بالجروح الملوثة، وأحيانًا أمراض تنفسية ناتجة عن استنشاق الغازات السامة، الخطر الأكبر يكمن في التعرض للنفايات الطبية التي قد تنقل أمراضًا خطيرة"، محذرًا من أن غياب الفحوص الدورية واللقاحات يزيد من احتمالية تفشي الأمراض، ليس بين العاملين فقط، بل في المجتمع المحيط بهم.

بين الواقع القاسي والحاجة الملحة، تبرز تساؤلات حول الحلول الممكنة التي تخفف المخاطر. ويرى المهندس محمود البيوش، خبير في الشؤون البيئية، في حديثه لـ"الترا سوريا" أن المشكلة ليست في العمل بحد ذاته، بل في غياب التنظيم.

وأضاف: "يمكن تحويل جمع النفايات إلى قطاع منظم عبر إنشاء مراكز فرز رسمية، وتزويد العاملين بوسائل حماية، ومنع النفايات الطبية من الوصول إلى المكبات العامة، مما يحمي العامل والبيئة معًا". كما يقترح دعم مشاريع إعادة التدوير الصغيرة، وتوفير فرص وبدائل عمل عبر برامج تدريب مهني، ما يخفف الاعتماد القسري على هذا القطاع الخطر.

وفي المحصلة، يجد كثير من سكان إدلب أنفسهم، في ظل غياب فرص العمل وارتفاع معدلات الفقر، مضطرين للعمل في جمع النفايات رغم مخاطره الصحية والبيئية. وبين الحاجة اليومية للدخل والتحذيرات من انتشار الأمراض، تبقى المشكلة مرتبطة بغياب التنظيم والحماية، ما يجعل العاملين في هذا القطاع عرضة لمخاطر مستمرة في انتظار حلول بديلة تخفف العبء عنهم.

الكلمات المفتاحية

إدلب

إدلب تستقبل العائدين من الخارج.. أزمات السكن والعمل والخدمات تعيد طرح سؤال الاستقرار

لم تعد صدمة السوريين المغتربين والعائدين إلى إدلب وريفها حالة فردية أو مؤقتة، بل تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية متنامية تحمل مخاطر نفسية واجتماعية طويلة الأمد


الاقتصاد السوري

سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة: بلد يعيش على المساعدات وينتظر التعافي

يكشف واقع الاقتصاد السوري بعد الحرب اتساع الفقر واعتماد ملايين السكان على المساعدات، وسط تعافٍ بطيء وعقبات تعرقل الاستثمار وإعادة الإعمار


الأسواق السورية

مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك

بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026


فيضان نهر العاصي يُثير مخاوف سكان القرى والمخيمات المحيطة به

إحصاء مخيمات إدلب.. خطوة أولى نحو العودة الطوعية أم مجرد تنظيم للبيانات؟

بدأت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب تنفيذ حملة شاملة لإحصاء العائلات المقيمة في المخيمات بهدف تحديث البيانات وتنظيم خطط عودة قريبة وآمنة

انفجار
أخبار

إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام

أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.

فرن حرنة
أخبار

فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"

أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان


الشعلة والشرطة
منوعات

في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي

لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه

الأسواق السورية
مجتمع واقتصاد

مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك

بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026

الأكثر قراءة

1
أخبار

الجيش السوري يتسلّم قاعدة رميلان بريف الحسكة بعد انسحاب التحالف الدولي منها


2
سياسة

في ظل التصعيد الإقليمي: هل تمتد الحرب إلى الساحة السورية؟


3
ثقافة وفنون

"بروفا يوم القيامة".. وثائقي يحول المأساة إلى ذاكرة سورية جامعة


4
أخبار

تعقيبًا على احتجاجات معبر "نصيب".. هيئة المنافذ: مصلحة السائق السوري أولوية


5
أخبار

وزارة الخارجية: تقرير لجنة التحقيق الدولية سجل خطوات إيجابية في المساءلة وإصلاح المؤسسات


advert