النفط العراقي عبر سوريا.. مكاسب اقتصادية وفرصة لتعزيز النفوذ الإقليمي
18 يوليو 2026
يشكل عبور عشرات الصهاريج المحملة بالنفط العراقي إلى سوريا تحولًا استراتيجيًا يعود بفوائد اقتصادية وجيوسياسية على دمشق، لكن نجاحه يعتمد على تجاوز تحديات لوجستية وأمنية كبيرة، والانتقال من النقل بالصهاريج إلى شبكة أنابيب مستدامة.
ويرى الخبراء أن المكاسب لا تقتصر على الإيرادات المالية المباشرة، بل تمتد إلى تعزيز مكانة سوريا على خريطة الطاقة الإقليمية، واكتسابها ورقة نفوذ استراتيجية من خلال تحولها إلى ممر لعبور النفط، في وقت تدفع فيه الحرب الإقليمية دول المنطقة إلى البحث عن بدائل للمسارات التقليدية.
مسارات بديلة عن مضيق هرمز
بحسب تقرير لمجلة "الإيكونوميست" البريطانية، فرض إغلاق مضيق هرمز ضغوطًا غير مسبوقة على الدول المصدّرة للنفط في الشرق الأوسط، ودفع العراق إلى البحث عن مسارات بديلة لتسويق إنتاجه. وفي ظل هذا الواقع، عاد الطريق البري عبر سوريا إلى الواجهة، محولًا البلاد من دولة تعاني أزمة طاقة مزمنة إلى حلقة مهمة في شبكة تصدير النفط الإقليمية الناشئة.
وذكّرت المجلة البريطانية بأن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى دفع عمالقة النفط في الشرق الأوسط للبحث بشكل عاجل عن مسارات بديلة تتيح إيصال إنتاجهم إلى الأسواق العالمية، مضيفة أن العراق، سادس أكبر منتج عالميًا، وجد نفسه محاصرًا بالجغرافيا، ما دفعه إلى البحث بشكل محموم عن وسيلة لنقل إنتاجه البالغ نحو أربعة ملايين برميل يوميًا. وكان الجواب الحالي: سوريا.
ولفتت إلى أن سوريا تحولت إلى مستفيد غير متوقع من هذه الأزمة، موضحة أن تعطل حركة التصدير عبر مضيق هرمز أجبر العراق على خفض إنتاجه النفطي بنسبة 80% خلال شهر آذار/مارس، بعدما امتلأت مرافق التخزين لديه.
وأشارت المجلة البريطانية إلى أن شركة تسويق النفط العراقية الحكومية (سومو) أسندت إلى ثلاث شركات مهمة نقل 650 ألف طن من النفط شهريًا خارج البلاد بالشاحنات، إذ يُعد المسار السوري أقصر من الطرق البديلة عبر الأردن أو تركيا، كما أنه ينقل النفط مباشرة إلى البحر المتوسط.
ووفقًا لـ"الإيكونوميست"، تستفيد دمشق من تدفق نقدي جديد ونادر؛ فهي تفرض رسوم عبور على النفط العراقي، كما تحصل الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية على جزء من العائدات، في حين تذهب الحصة المتبقية إلى الشركة السورية للبترول، وهي شركة مدعومة من الدولة، تتولى شركاتها التابعة إدارة عمليات التخزين وضخ النفط إلى الناقلات في بانياس. كما تتولى شركة خاصة أخرى تنظيم حركة الشاحنات ذهابًا وإيابًا.
وتقول "الإيكونوميست" إن الإيرادات لا تزال في الوقت الراهن محدودة نسبيًا، إذ تتراوح التقديرات بين مليون ومليوني دولار يوميًا. وتحمل الشاحنات التي تعبر الصحراء يوميًا، والبالغ عددها نحو ألف شاحنة، ما لا يزيد على 5% من حجم صادرات النفط العراقية قبل الحرب. لكن هذه الكمية تكفي لإرضاء مختلف الأطراف نسبيًا، كما تساعد العراق على تحرير مساحات تخزين يحتاجها بشدة.
مكاسب كبيرة للدولة السورية
تعليقًا على هذه الخطوة، يلاحظ الخبير في مجال الطاقة الدكتور زياد عربش أن التصدير الفعلي للنفط العراقي عبر سوريا بدأ في 1 نيسان/أبريل 2026، مع بدء أولى قوافل الفيول بدخول الأراضي السورية عبر منفذ التنف، تلتها في 1 أيار/مايو أول عملية تصدير للنفط الخام عبر منفذ ربيعة بـ70 صهريجًا. وبحلول منتصف أيار/مايو، كان عدد الصهاريج العراقية التي تدخل سوريا يوميًا يصل إلى نحو 600 صهريج.
وبناء على هذه المعطيات، يقدر عربش، في حديثه لموقع "الترا سوريا"، الإيرادات الإجمالية اليومية بثلاثة ملايين و500 ألف دولار، انطلاقًا من أن كمية النفط اليومية تقارب 50 ألف برميل، كما أن وسطي سعر الخام 70 دولارًا للبرميل.
الإيرادات الإجمالية اليومية بثلاثة ملايين و500 ألف دولار، انطلاقًا من أن كمية النفط اليومية تقارب 50 ألف برميل، كما أن وسطي سعر الخام 70 دولارًا للبرميل
ويتابع عربش أن سوريا، بحسب هذه الأرقام، ستحقق مكاسب كبيرة، تشمل إيرادات مباشرة من رسوم العبور والموانئ، وإعادة تفعيل البنية التحتية النفطية، خاصة مصفاة بانياس وميناءها، حيث تستقبل المصفاة كميات متصاعدة من الخام العراقي وتعمل على مضاعفة قدرتها الاستيعابية.
إضافة إلى ما سبق، يمكن أن يتيح الاتفاق تعزيز الموقع الجيوسياسي لسوريا كعصب أساسي في منظومة الطاقة العالمية، بعد سنوات من العزلة، بالتوازي مع دفع عجلة التعافي الاقتصادي بعد سنوات الحرب، إذ يمثل هذا الممر فرصة اقتصادية نادرة في توقيت بالغ الحساسية.
من جانبه، لفت الخبير الاقتصادي رضوان الدبس إلى وجود مكاسب كبيرة ستحققها الدولة من هذا المشروع ومشاريع الترانزيت المماثلة، وعلى رأسها رسوم العبور والمناقلة والتخزين وتشغيل الموانئ، إضافة إلى تنشيط المهن المتعلقة بتقديم الخدمات اللوجستية لقافلات النفط، والمطاعم والفنادق والاستراحات المتمركزة على الطريق.
وأضاف الدبس، في حديثه لـ"الترا سوريا"، أن هذه المشاريع تعتبر أحد مصادر توفير القطع الأجنبي، نظرًا لأن دفع الرسوم يتم بالدولار، ما يساهم ولو بشكل محدود في حدوث استقرار نقدي. ومن شأن هذه المشاريع، وفقًا للدبس، تشجيع الاستثمارات وتحفيز الفاعلين الاقتصاديين على دخول السوق السورية، خاصة مع تعزيز فكرة تحول سوريا إلى ممر للترانزيت في مجالات عديدة أهمها الطاقة.
رقابة وتدقيق لضمان سلامة العبور
تتطلب عمليات تمرير النفط العراقي نحو سوريا رقابة كبيرة وتدقيقًا لضمان سلاسة العبور وعدم تعرض النفط لأي أضرار على الطريق، ومن أبرز هذه المتطلبات، وفقًا لحديث عربش، إنشاء مكتب تمثيلي للشركة العراقية في سوريا لإدارة عمليات التصدير عبر المسار الجديد.
ويرى عربش أن تطوير البنية التحتية للمنافذ الحدودية، لا سيما منفذ ربيعة، الذي أعيد افتتاحه بعد 13 عامًا من الإغلاق، يُعد ضرورة ملحة، إضافة إلى توسيع وتطوير منشآت ميناء بانياس وزيادة قدراته الاستيعابية، حيث يعمل الميناء حاليًا على تجهيز نحو 900 صهريج يوميًا. كما تتطلب هذه الخطة أيضًا تطوير أنظمة التخزين والضخ في مصفاة بانياس، مع إنشاء قنوات ضخ وتخزين جديدة لمضاعفة القدرة الاستيعابية.
وحول التحديات التي قد تواجه التدفق والتخزين، يوضح عربش أن ارتفاع التكلفة اللوجستية للنقل بالصهاريج مقارنة بالأنابيب يُعد من أبرز المعوقات حيث تبلغ تكلفة نقل النفط بالشاحنات نحو 10 دولارات للبرميل، مقابل 4 دولارات بالبواخر ودولارين بالأنابيب.
ويشير عربش، في حديثه لـ"الترا سوريا"، إلى محدودية الكميات المنقولة برًا مقارنة بالأنابيب، إضافة إلى المخاطر الأمنية على طول الطرق البرية، وقدم البنية التحتية، إذ يعود تاريخ خط أنابيب كركوك–بانياس إلى عام 1952، وهو غير صالح حاليًا للتصدير.
أما الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، فيشير من جانبه إلى جملة من التحديات، مثل الحاجة إلى منظومة متكاملة من القوانين والقرارات الناظمة لهذا القطاع للوصول إلى ضمان حقوق الحكومة من جهة والمستثمرين من جهة أخرى.
ومن أبرز التحديات التي يوردها الدبس تهالك البنية التحتية في سوريا وحاجتها إلى تطوير وتحديث، يضاف إليها الأكلاف الباهظة لعمليات تأهيل المحطات والطرقات ومواقع التخزين وكل ما تتضمنه هذه العمليات من ضخ ومناولة وتفريغ تحتاج إلى وسائل أمن وسلامة عالية جدًا.
هذه المشاريع تعتبر أحد مصادر توفير القطع الأجنبي، نظرًا لأن دفع الرسوم يتم بالدولار، ما يساهم ولو بشكل محدود في حدوث استقرار نقدي
وشدد على أهمية الرقابة والتتبع الرقمي للشاحنات والكميات والعمل على تجنب أي اختراق لهذا المشروع من قبيل تسريب النفط إلى السوق السوداء، إضافة إلى تأمين الطرقات والقوافل التي تعتبر ضرورة ملحة وتحديًا كبيرًا في الوقت نفسه.
ورقة نفوذ استراتيجية
في ضوء هذه التفاهمات وغيرها، يطرح البعض فرضية تتضمن إمكانية تحول سوريا إلى ممر تصدير النفط كورقة نفوذ استراتيجية، حيث يشكل إحياء هذا الممر بعد عقود من العزلة فرصة استراتيجية كبيرة للحكومة السورية الجديدة.
يتفق كل من عربش والدبس مع هذه الفرضية، ويستند عربش إلى مؤشرات داعمة مثل موافقة مجلس الوزراء العراقي على زيادة الصادرات عبر الأنابيب من 220 ألفًا إلى 770 ألف برميل يوميًا على مرحلتين، والعمل على مشروع خط أنابيب البصرة–بانياس بطول 700 كيلومتر، وطاقة تصل إلى 2.5 مليون برميل يوميًا، بتكلفة تقديرية 1.5 مليار دولار.
ويرى أن أبرز المتطلبات لتحقيق هذه الفرضية تشمل تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس الحالي أو بناء خط جديد، وتوفير التمويل اللازم (مشروع البصرة–بانياس يحتاج 1.5 مليار دولار)، واستقرار الأوضاع الأمنية على طول مسار الأنابيب، إضافة إلى تعزيز التعاون المؤسسي بين بغداد ودمشق، بما في ذلك فتح مكتب تمثيلي لـ"سومو".
أما الدبس، فيشترط لهذا التحول، في ختام حديثه لـ"الترا سوريا"، ضرورة سن قوانين ناظمة لحركة الترانزيت والالتزام بتأمين القوافل وتحديث وصيانة الطرقات والمحطات.
أقرأ/ي أيضًا: سحب الليرة التركية من شمال سوريا.. اختبار استعادة السيادة النقدية وتوحيد السوق المالية
أقرأ/ي أيضًا: الطوابير تعود إلى محطات الوقود.. أزمة البنزين تمتد من دمشق إلى الساحل السوري
الكلمات المفتاحية
زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ
يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم
أزمة تعصف بفرع الهلال الأحمر في الرقة.. استقالة جماعية واتهامات بـ"شراء الصمت"
يواجه فرع الهلال الأحمر العربي السوري في محافظة الرقة أزمة إدارية حادة، تم على إثرها تقديم كتاب استقالة جماعية صادر عن أعضاء مجلس إدارة فرع المنظمة في المحافظة
اعتصام لأطباء مشفى دمشق.. تسليط الضوء على ظروف تهدد سلامة المريض والطبيب على حد سواء
شهدت الساحة الداخلية لمشفى دمشق تجمع عشرات الأطباء المقيمين ومتدربي الاختصاص في الأقسام الطبية المختلفة، في وقفة احتجاجية واعتصام
"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا
انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا
زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ
يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم
الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق
ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت
نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟
يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره