النفق السوري وجدلية تفسير العالم وتغييره
13 مايو 2025
في تأمّلٍ لحالنا، يرى المراقب أن السوريين دخلوا منذ سنوات نفقًا ليس حكرًا عليهم، إذ هنالك كثيرون يدخلونه ويخرجون منه. لكن السوريين يتفوقون على هؤلاء بأنهم أطالوا إقامتهم فيه. ولتغيير هذه الحال، ربما يتطلب الأمر تغيير حالٍ عامةٍ من الظلم والتوحش انعطفت إليها دولٌ كثيرة وبقيت عليها مذ قلَّ الذين يسعون لتغيير العالم.
وإذ تضاءلت فرص التغيير التي كانت منشودة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ليس بسبب قلة السوريين الذين يسعون لذلك التغيير، وجبت العودة إلى التفسير، تفسير هذا العالم من جديد للوصول إلى توصيف الحال السورية يساعد في ذلك التغيير.
تَوصّل المفكر الألماني كارل ماركس، قبل أكثر من قرن ونصف، إلى نتيجة مفادها أن الفلاسفة قد أشبعوا العالم تفسيرًا، في الوقت الذي كانت الضرورة تقتضي منهم تغييره. وخلال هذه الفترة الطويلة التي تفصلنا عن استنتاجه ذاك، خرجت ثورات تصدى فيها فلاسفة ومنظرون إلى مهمة تغيير العالم الذي بات يتأرجح بين تخفيف الثقل الذي يربض به على صدور الفقراء والمساكين مرة في هذه المنطقة، وزيادته في أخرى.
لكن إعادة إنتاج أنظمة اللاعدالة عبر أشكال متطورة ومبتكرة من أنماط استغلال الإنسان، تَلازَم مع استمرار تفريخِ منظري بلاطٍ يصرّون على إعادة تفسير العالم وفق صيرورة جدلٍ أفلاطوني مزمنٍ، ويتفادون وعورة الطريق إلى تغييره.
ليس ترك سوريا، التي خرجت أخيرًا من ربقة دكتاتورية الأسد المتوحشة، تنحدر نحو خطر اندلاع حربٍ طائفية، إلا شكلًا آخر لسيادة التوحش وإدارته للعالم
يدفعنا إلى هذا الكلام التأملُ في التوحش المنفلت من عقاله، والذي بات يغلف كوكبنا بلا مواربة أو خجلٍ. توحشٌ في إدارة العلاقات الدولية، ينعكس بدوره توحشًا في إدارة شؤون الدول الداخلية أيضًا. وليست عودة الإسرائيليين إلى حرب الإبادة على غزة، على الرغم من توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار مع الفلسطينيين، إلا شكلًا من أشكال تلك الإدارة.
كما ليس ترك سوريا، التي خرجت أخيرًا من ربقة دكتاتورية الأسد المتوحشة، تنحدر نحو خطر اندلاع حربٍ طائفية، إلا شكلًا آخر لسيادة هذا التوحش وإدارته العالم. علاوة على المصيبة الأكبر التي سبقت هذا وذاك، وتمثلت بإعادة انتخاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مع ما يشكله من شعبوية وعنصرية نافرتين، وتمثيله للرأسمال الأميركي المتوحش، ومع ما يحمله من مبادئ تمجد الفوضى وتزدري المؤسسات، وتصنيفه المنافسين الاقتصاديين أعداء عليه قهرهم، وعدم رؤيته الدول الأخرى وشعوبها سوى أراض عليه الاستيلاء عليها.
في هذا العالم ربما على الفلاسفة والاقتصاديين والباحثين الاجتماعيين والسياسيين هرش رؤوسهم ومحاولة فهمه وتفسيره من جديد، من أجل إعادة إنتاج الوعي للوصول إلى فهم مختلف له. محاولات ربما تسبق طرحهم السؤال الدائم "ما العمل؟"، إزاء الظاهرات التي لو لم يكن العالم متهيئًا لها، لما أخرجها دونالد ترامب من قبعته ورماها في وجوهنا، كما يُخرج الساحر أرانبه لتركض بين أرجلنا وتتقافز أمامنا.
في سوريا التي عانت من حرب الأسد على الشعب السوري على مدى 14 سنة، ازدادت الآمال فيها مع إسقاط النظام وهروب رموزه، في القطع مع ما كرسه من كراهية وممارسات لضرب النسيج السوري، من أجل بناء دولة المواطنة، لكن أصواتًا خرجت لتنفخ في الاختلافات والخلافات بين مكونات البلاد الطائفية والمذهبية بعد سقوط نظام الأسد.
حاولت تلك الأصوات أن تطل برأسها في الفترة التي تلت السقوط مباشرة لكنها فشلت، غير أنها عادت أكثر قوة وتأثيرًا، حين وقعت الحوادث الطائفية في الساحل السوري، في 6 آذار/مارس الماضي، والتي راح ضحيتها المئات. وإذ لم يتعظ هؤلاء من آلام وفظائع حرب الأسد على شعبه، والحرب الطائفية التي ما زال يعاني منها البلد الجار لبنان، لا يجدون غضاضة في الدعوة للانتقام وحتى للتطهير العرقي في سياق أعمال حربية لا يطول الوقت حتى تتطور لحرب طائفية. يفعلون ذلك وهم واعون لعواقب أعمال من هذا القبيل على جهد إخراج البلاد من عزلتها، ومساعي تحريك عجلة اقتصادها التي لن تدور ما دامت دعوات كهذه مستمرة، وما دام أصحابها طلقاء لا يُحاسبون.
وتكثر الأمثلة والوقائع التي تفرض على فلاسفة العصر وباحثيه إعادة البحث فيها من أجل فهمها وصولًا إلى تفسير العالم من جديد، لأن المهمة الملحة الآن باتت إعادة تشكيل الوعي لدى الشعوب، وربما أكثر لدى النخب الحاكمة، التي ليس من اليسير إفهامها أن إدارتها العالم وفق المنهجية المتبعة لن تؤدي إلا إلى إعادة الجميع إلى نقطة البدء، وكأن لا بنيان ولا معارف ولا نتائج وآلام قد تراكمت.
وبينما توفرت لدى المنظومة الدولية فرصة لإعادة النظر بالنهج الذي اتبعته البشرية كناظم لعلاقاتها ودليل عمل لتسيير نشاطها الإنساني، فشلت في اغتنام تلك الفرصة. كان ذلك حين ظهر فيروس كورونا وأصاب هذه البشرية وهدد بقاءها. فيروس كان هشًا لدرجة كبيرة غير أنه أظهر هشاشة هذه البشرية وتخبطها خلال مواجهته. فهل فهمت الدرس وأدركت نُخبها أن وجود البشرية قد يتقرر في لحظة تهتز فيها قدرة هذه النُّخب على تثبيت دفة قيادة العالم، فلا تعرف هل تستطيع إيصاله إلى بر الأمان، أم توصله إلى هاوية لا قرار لها؟
وتتعاظم مسؤولية النخب في هذه الأزمة من عدم اليقين. هل يغيرون العالم وفق الفهم الذي تراكم عنه وعن التحولات التي طرأت عليه حتى أيام ماركس؟ أم يعودون إلى تفسيره من جديد من أجل إعادة البحث في طرق تغييره وفق شاكلة جديدة؟ فالتوحش الذي بات سمة العالم، ربما يعيدنا إلى المهمة التي كان يجب تنفيذها قبل أكثر من قرن ونصف، إلى الوقت الذي استنتج فيه ماركس ضرورة أن يغير الفلاسفة العالم وفق ما قصده هذا المفكر، أي التغيير الجذري، عبر قلبهِ رأسًا على عقب، للوصول إلى عالم أكثر إنسانية، بعد أن تزايد العجز عن وضع حدٍّ لانتشار هذا التوحش. وربما حتى يتحقق ذلك، قد لا يجد السوريون طريقة للخروج مما هم فيهم، حينها قد يستمرون في ذلك النفق، وقد يستمر العالم بإغلاق المنافذ التي يظهر منها الضوء الذي يشير إلى نهايته.
الكلمات المفتاحية

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية
التعميم الصادر عن المديرية العامة للمصالح العقارية في 14/1/2026 قُرئ سريعًا بوصفه خلافًا تقنيًا حول نوع الوكالة المقبولة أمام السجل العقاري

ملف "قسد": الاندماج كاختبار للسيادة وإعادة تشكيل الدولة
ما يميز التطورات منذ مطلع 2026 هو الانتقال من عناوين عامة عن "اندماج تدريجي" إلى تفاصيل تمس البنية العميقة للسلطة

"السياحة المسؤولة".. وحراس الأخلاق والفضيلة
فتح قرار البلدية الباب أمام كثير من الأسئلة من قبيل من هي الجهة التي تملك حق تحديد وتعريف "التصرف المخل بالآداب"؟

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


