ultracheck
عدالة انتقالية

انضمام سوريا لاتفاقية "منع الجرائم ضد الإنسانية" وانعكاسه على مسار العدالة الانتقالية

5 فبراير 2026
الأمم المتحدة
مبنى الأمم المتحدة في نيويورك (UN/ الترا سوريا)
بتول الحكيم
بتول الحكيم إعلامية مستقلة

انتخبت الجمهورية العربية السورية بالتزكية نائبًا لرئيس مكتب اللجنة التحضيرية الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني باتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها، في خطوة تمثل نقلة نوعية في الاستراتيجية الدبلوماسية السورية، ما يتيح الفرصة لتقييم انتهاكات الماضي، ومساءلة مرتكبيها.

ماهية الجرائم ضد الإنسانية

وتعرَّف الجرائم ضد الإنسانية وفقًا لما قاله الحقوقي علي المليجي لـ "الترا سوريا" بأنها أفعال جسيمة، تُرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد سكان مدنيين، مع العلم بوقوع هذا الهجوم، وقد ورد التعريف الأكثر اعتمادًا في المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ومن أبرز الأفعال الداخلة في هذا الوصف القتل العمد، الإبادة، السجن أو الحرمان الشديد من الحرية، التعذيب، الاغتصاب والعنف الجنسي، الاختفاء القسري، الاضطهاد لأسباب سياسية أو دينية أو عرقية، الأفعال اللاإنسانية الأخرى التي تسبب معاناة شديدة.

ماذا تعني اتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية؟

وحول ماهية الاتفاقية، يوضح المليجي أن المقصود هو مشروع اتفاقية دولية، لا تزال قيد التطوير في إطار لجنة القانون الدولي والأمم المتحدة، تهدف إلى سد الفراغ القانوني الموجود حاليًا، إذ لا توجد اتفاقية مستقلة شاملة للجرائم ضد الإنسانية، كما هو الحال مع الإبادة الجماعية.

في سياق متصل قال عضو مجلس فرع نقابة المحامين في حمص المحامي عمار عز الدين لـ "الترا سوريا"، إن الجمعية العامة للأمم المتحدة، قامت باعتماد القرار رقم 122/ 79 في ديسمبر/كانون الأول 2024، والذي ينصُّ على البدء في المفاوضات الرسمية، بشأن اتفاقية لمنع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها وفق القانون الجنائي الدولي.

وأضاف عز الدين أن من شأن هذه المعاهدة، عند إقرارها واعتمادها، أن تعزز إطار العدالة للضحايا من خلال توفير أدوات جديدة، وتمكين الدول بشكل أفضل من التعاون مع بعضها البعض في مكافحة الإفلات من العقاب عن الجرائم ضد الإنسانية، كما يجب أن تشمل الاتفاقية المستقبلية، بشأن منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها، توفير حماية قوية لحقوق الضحايا والناجين؛ وتحقيق العدالة في قضايا النوع الاجتماعي والإقرار بشكل فعَّال بالجرائم ضد الإنسانية المُرتكبة ضد الأطفال؛ ورفض المحاولات الرامية إلى إضعاف فعالية الاتفاقية وأثرها في المحاسبة والمساءلة من خلال القيود الإجرائية أو غيرها.

ويُعد منع الجرائم ضد الإنسانية أحد الالتزامين الشاملين، إلى جانب المعاقبة، اللذين تسعى الاتفاقية المستقبلية إلى تحديدهما، وهو أحد الجوانب المهمة التي ستتجاوز فيها هذه الاتفاقية حدود نظام روما الأساسي، حيث إن الالتزام العام بالمنع، هو أحد الالتزامات العامة الأخرى للدول التي يوردها مشروع المادة 3، كما سيُفرض على الدول أن تبذل ما في وسعها؛ لمنع ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، ما يعني بذل العناية الواجبة عندما تملك القدرة على أن تؤثر فعليًا في تصرفات الأشخاص، الذين يُحتمل أن يرتكبوا إحدى الجرائم ضد الإنسانية أو ارتكبوها بالفعل.

ويحدد مشروع المادة 4 بدوره، إجراءات معينة غير حصرية، وتتمثل في إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعَّالة، أو أية إجراءات مناسبة أخرى حسب الفقرة أ، والتعاون مع الدول الأخرى والمنظمات الحكومية الدولية المعنية، وحسب الاقتضاء مع أي منظمات أخرى وفق الفقرة ب، وهذا يتطلب شرطًا أساسيًا، يتمثل في الموافقة على تسليم المجرمين، ويعد هذا المبدأ مكملًا لمبدأ المحاسبة والمساءلة؛ لترسيخ قاعدة عدم الإفلات من العقاب، وهي من أهم ضمانات عدم تكرار الانتهاكات.

متطلبات تفعيل الاتفاقية في الحالة السورية

وعن معنى انضمام سوريا قانونيًا للاتفاقية، قال المليجي إن ذلك يشكل اعترافًا رسميًا من  الدولة، بأن الجرائم ضد الإنسانية جرائم دولية قائمة بذاتها، وقبولا بتحمّل مسؤولية قانونية دولية عن منع وقوعها، والتحقيق فيها ومعاقبة مرتكبيها، ولا يمكنها بعد الانضمام التذرع بالسيادة أو بالقانون الداخلي أو بالأوامر العليا لتبرير الإفلات من العقاب.

ووفقا للمليجي يتطلب تفعيل الانضمام للاتفاقية تشريعيًا، قيام الحكومة السورية بتعديل قانون العقوبات عن طريق إدراج فصل خاص بالجرائم ضد الإنسانية، وإلغاء النصوص التي تسمح بالإفلات من العقاب، بالاضافة لإلغاء أو تعديل قوانين الحصانة (الأمن، الجيش)، أما قضائيًا فيجب ضمان استقلال القضاء فعليًا، وإنشاء نيابات أو دوائر متخصصة، بالإضافة لتمكين القضاء من محاكمة كبار المسؤولين لا فقط المنفذين.

وعلى صعيد المؤسسات، يتوجب على الحكومة، فتح الأرشيف وحماية الشهود، وضمان حق الضحايا في الجبر والتعويض، مؤكدًا أن تجاوز أي من هذه الخطوات، يجعل الانضمام للاتفاقية إجراء شكليًا تجميليًا لا أكثر.

انعكاس الاتفاقية على مسار العدالة الانتقالية

حول انعكاس الانضمام للاتفاقية على مسار العدالة الانتقالية، يوضح عز الدين، أنها أداة قوية في تحقيق العدالة الانتقالية والمساءلة، خارج مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية؛ لتعزيز مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتحقيق العدالة للضحايا، حيث تشدد الاتفاقية على  الالتزامات الأساسية، والتي تتمثل في:

1- الالتزام بالتجريم عبر إدراج الجرائم ضد الإنسانية في القانون الجزائي الوطني، بصياغة متوافقة مع التعريف الدولي، وإدراجها كجرائم مستقلة ضمن التشريعات الوطنية.

2- الالتزام بالمنع من خلال اتخاذ تدابير تشريعية وإدارية وقضائية، تمنع وقوع الجرائم، وتضبط عمل الأجهزة الأمنية والعسكرية.

3- الالتزام بالملاحقة أو التسليم عبر محاكمة المشتبه بهم محليًا أو تسليمهم لدولة أخرى مختصة.

4- عدم إخضاع هذه الجرائم  للتقادم، فالجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

5- التعاون الدولي للحد من هذه الجرائم، عبر المساعدة القضائية، وتبادل الأدلة، وتسليم المتهمين.

6- الالتزام بالولاية القضائية الإقليمية والشخصية (الجاني أو الضحية)، والولاية العالمية في حالات معينة.

وتساهم هذه الالتزامات والبنود في الحالة السورية، وفقًا لـعز الدين، بشكل فعال في محاكمات وطنية، وولايات قضائية عالمية، ومساءلة القادة والمسؤولين الذين هربوا خارج سوريا أيضًا، ما يعني الدعم المباشر لمسارات العدالة الانتقالية.

وحسب المليجي، يفتح الانضمام للاتفاقية بابًا جديدًا للمساءلة عن الجرائم السابقة ولكن بشروط، فمن حيث المبدأ الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ويمكن ملاحقة الجرائم السابقة للانضمام، إذا كانت مجرّمة عرفًا وقت ارتكابها (وهي كذلك)، أما من حيث الواقع، فالمحاسبة الداخلية تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وفي حال غيابها يصبح الانضمام أداة لتعزيز الولاية القضائية العالمية، بمعنى آخر حتى لو لم تُحاسِب الدولة نفسها تكون قد سهّلت محاسبتها من الخارج.

يضع الانضمام لاتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية الحكومة أمام استحقاق حقيقي، لا يقتصر على إعلان الالتزام، بل يتطلب خطوات عملية تبدأ بتعديل القوانين الوطنية، وضمان استقلال القضاء، وتفعيل آليات تحقيق ومساءلة شفافة، وصولًا إلى مسار عدالة انتقالية يُنصف الضحايا ويمنع تكرار الانتهاكات.

الكلمات المفتاحية

المرأة السورية

التمكين السياسي للنساء أداة لصناعة السلام المستدام

في المجتمعات الخارجة من وطأة الحروب والأزمات، تبرز المشاركة النسائية في الحياة السياسية وصناعة القرار كأداة من أدوات بناء المجتمع


العنف ضد المرأة

اليوم العالمي للمرأة: حين يتحوّل القانون من درع حماية إلى ممرّ للعنف

يحتفي العالم باليوم العالمي للمرأة هذا العام تحت شعار "المساواة المبنية على النوع الاجتماعي من أجل غد مستدام"


وزارة العدل

جدل قانوني بعد تعميم وزارة العدل رقم /12/: خطوة لإنصاف الضحايا أم تجاوز للصلاحيات؟

أثار تعميم وزارة العدل بشأن وقف التقادم في قضايا الضحايا جدلًا قانونيًا بين من يراه إنصافًا ومن يعدّه تجاوزًا للصلاحيات


لقطة من مسلسل القيصر

"عذابات المعتقلين".. فرصة لتبييض سجلات مؤيدي النظام البائد

جسد أدوار الضحايا اليوم من كانوا إلى صف الجلاد بالأمس، يتلقطون معه الصور، ويؤيدون جرائمه، يصفقون له

انفجار
أخبار

إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام

أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.

فرن حرنة
أخبار

فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"

أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان


الشعلة والشرطة
منوعات

في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي

لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه

الأسواق السورية
مجتمع واقتصاد

مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك

بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026

الأكثر قراءة

1
أخبار

لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا: الحاجة ملحّة لإصلاح قطاع الأمن والجهاز القضائي


2
سياسة

سوريا وسط الحرب.. هواجس المستقبل وأشباح الماضي


3
عدالة انتقالية

التمكين السياسي للنساء أداة لصناعة السلام المستدام


4
أخبار

الهلالي: الدولة السورية تفتح أبوابها للكوادر الكردية و"الإدارة الذاتية" إلى زوال


5
أخبار

اتفاق سوري–أردني على عبور مشروط للشاحنات وتعزيز التكامل اللوجستي


advert