بطء شديد في مسار العدالة الانتقالية.. هل تم تمييع الملف؟
19 ديسمبر 2025
بين انتظار قانون ناظم للمسار وانتقادات تتعلق بالتمييع، تمضي عجلة العدالة الانتقالية في سوريا ببطء شديد. وفيما يتسم التعاطي الحكومي مع واحد من أهم الملفات الإنسانية والحقوقية بالبرود، يفتقد المسار إلى بنى تحتية تؤهله للتفعيل الجاد والحقيقي، مع انتظار انعقاد جلسات البرلمان الذي لم يكتمل بعد، لإعادة تشكيل جزء من هذه البنى بشكلها الصحيح.
إدارة للوقت لا للعدالة
ويرى المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، أنه بعد مضي عام كامل على انتصار الثورة السورية لم يصل مسار العدالة الانتقالية إلى أي مكان حقيقي. مؤكدًا خلال حديث لـ"ألترا سوريا" أن ما يجري حتى الآن هو إدارة للوقت، لا إدارة للعدالة. تشكيل لجنة وطنية دون قانون، ودون محاكم، ودون إرادة سياسية، يعني أننا ما زلنا في مرحلة الخطاب لا الفعل، والضحايا ما زالوا خارج المعادلة.
ويشير الكيلاني إلى أن تعاطي الحكومة مع هذا الملف شكلي، بارد، ومُفرغ من المضمون، وكأن الملف يُدار كعبء سياسي يجب احتواؤه لا كالتزام قانوني وأخلاقي. ويضيف: "اليوم يُدار المسار باتجاهين متوازيين لا يلتقيان: من جهة وزارة العدل التي تتعامل معه كملف تقني مؤجَّل ضمن البيروقراطية التقليدية، ومن جهة أخرى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي تُركت بلا صلاحيات حقيقية أو أدوات تنفيذ. هذا الانفصال يكشف غياب رؤية موحّدة ويحوّل العدالة إلى مسارين معزولين بدل أن تكون سياسة دولة متكاملة".
وينتقد عدم وجود إطار دستوري وتشريعات ناظمة وقضاء مستقل، وحماية للشهود، مؤكدًا أن كل ذلك يؤدي إلى عدالة مؤجلة عمدًا، تُستخدم كعنوان للاستهلاك السياسي لا كمسار محاسبة فعلي، بينما يبقى الضحايا خارج أي عملية جدّية للإنصاف أو المساءلة.
لماذا تأخر صدور قانون العدالة الانتقالية؟
إلى ذلك، يعزو الكيلاني عدم إصدار قانون حقيقي للعدالة الانتقالية، حتى الآن، إلى أن إصدار القانون يعني فتح ملفات الانتهاكات بلا استثناء، وكسر منطق الإفلات من العقاب، وتهديد مراكز نفوذ سياسية وأمنية قائمة، وهذا ما لا تريده أطراف كثيرة. مؤكدًا أن "التأخير ليس تقنيًا ولا إداريًا، بل قرار سياسي واعٍ".
ويوضح أنه في حال صدر مثل هذا القانون، فيجب أن يتضمن خطوطًا عرضة تشمل تجريمًا صريحًا لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق المعايير الدولية، وإلغاء التقادم عن الجرائم الجسيمة، وإنشاء محاكم وهيئات تحقيق مستقلة ومتخصصة، وضمان استقلال القضاء فعليًا لا شكليًا، وحماية الشهود والضحايا والأدلة، وشمول كل الانتهاكات دون انتقائية أو استثناء أي طرف.
لوضع قطار العدالة الانتقالية على السكة الصحيحة، يوصي الكيلاني بضرورة التوقف عن إدارة الملف أمنيًا وسياسيًا، بالتوازي مع إصدار قانون عدالة انتقالية مستقل وواضح فورًا، وإشراك الضحايا لا تهميشهم، وبناء قضاء مستقل قبل أي حديث عن محاكمات، إضافة لاعتماد الشمولية: لا منتصرين ولا مهزومين أمام العدالة، وفصل العدالة عن الصفقات والتسويات، لأن العدالة لا تُدار بالتراضي السياسي، بل تُفرض بسيادة القانون.
الحاجة ماسة إلى بنى تحتية
من جانبه، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أشار خلال حديث لـ"ألترا سوريا" إلى أن مسار العدالة الانتقالية معقد وصعب وقد تم قطع خطوات عديدة فيه، لكن لا تزال تعوزه خطوات كثيرة، أهمها بناء مؤسسات قضائية وامتلاك عدد كاف من القضاة ذوي الخبرات الكبيرة، ووجود محاكم مؤهلة، وكل هذه البنية التحتية لمسار العدالة الانتقالية يحتاج بناؤها إلى وقت كبير جدًا.
ويضيف بأن المسار لا ينحصر بهيئة العدالة الانتقالية بل هو أوسع من مجرد حصره ضمن مؤسسة واحدة، علمًا ان الهيئة نفسها تحتاج إلى وقت للتشكل ولكتابة نظامها الداخلي، لكن رغم ذلك لا بد من اتخاذ خطوات سريعة بالموازاة مع بناء أدوات ومؤسسات العدالة الانتقالية مثل ملاحقة المجرمين وإصلاح المؤسسات وغيرها.
ويلاحظ عبد الغني أن هناك تحديات عديدة تواجه هذا الملف، أبرزها التحدي الاقتصادي حيث تتطلب عملية البناء والمأسسة لهذا القطاع إلى تمويل ورواتب وميزانية عالية.
هل تم تمييع الملف؟
وفي تعليقه على الانتقادات التي تتحدث عن تمييع العدالة الانتقالية، يؤكد المعتصم الكيلاني أنها "انتقادات في محلها تمامًا"، معتبرًا أن ما يحدث هو تمييع منظم عبر: تحويل العدالة إلى لجنة، وتحويل المساءلة إلى وعود، وتحويل حقوق الضحايا إلى شعارات.
ويؤكد أن انعكاسات ذلك خطيرة كونها تعني تكريس الإفلات من العقاب، وتؤدي إلى فقدان الثقة بين المجتمع والدولة، منا تفتح الباب أمام عدالة انتقامية مستقبلًا، فضلًا عن كونها تهدد أي مصالحة وطنية حقيقية، فالتمييع لا يقتل العدالة فقط، بل يؤسس لصراعات قادمة.
أما فضل عبد الغني فيلفت إلى أن الموضوع لا يتعلق بالرغبة في التمييع بقدر ما هو بحاجة إلى خبرات متراكمة وكبيرة تصمم رؤية للعدالة الانتقالية خاصة مع وقوع أخطاء منذ بداية تفعيل المسار تحتاج إلى تصحيح، مضيفًا أن الهيئات المتعلقة بالعدالة الانتقالية تشكلت بسرعة كبيرة ما أدى إلى حالة الفوضى الحالية.
يؤكد عبد الغني أن التأسيس الصحيح لهذه الهيئات يفترض أن يكون عبر البرلمان الجديد، وهي مسألة بحاجة إلى تصحيح. ويشير أيضًا إلى أن المسار ليس خاصًا بالدولة فقط، بل يجب أن تكون منظمات المجتمع المدني فاعلة فيه، وبشكل مستقل عن مؤسسات الدولة، تلافيًا لأي موقف تسييسي محتمل.
ويلفت إلى دور المجتمع في هذا المسار، عبر رفع قضايا وتوثيق المجرمين حتى مع وجود قسم كبير من أفراد المجتمع السوري كضحايا، فهذا يجعلهم أكثر تحمسًا للمساهمة في العدالة الانتقالية عبر التوثيق والإدلاء بالشهادات أمام المحاكم والهيئات، ما يجعل مسؤولية الدفع بهذا المسار مسؤولية جماعية وإن كانت تتم تحت إشراف الدولة.
الكلمات المفتاحية

إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية
أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية

لماذا رفضت رابطة الصحفيين السوريين "مدونة السلوك" الصادرة عن وزارة الإعلام؟
أصدرت رابطة الصحفيين السوريين، بيانا ترفض من خلاله، مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، مؤكدة بطلان الوصاية الحكومية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا
الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


